• ×

10:37 صباحًا , الجمعة 16 ربيع الثاني 1441 / 13 ديسمبر 2019


قراءة تحليلية ونقدية في مؤلف : "أجساد تحترق في الشارع" للكاتب محمد الصفى.
واضح أن الكاتب والباحث الأستاذ محمد الصفى وهو يطرق مجال الإبداع والتأليف والإنتاج، قد راكم تجاربه الميدانية التعليمية، الصحفية، الحياتية، والكتابات في مختلف المواقع الإلكترونية والجرائد الورقية ومساهماته الإبداعية في العديد من الملتقيات ومقالاته في مختلف المجلات والدوريات، وغيرها من التجارب الغنية، كل هذه الأشياء وغيرها أرخت بظلالها على مؤلف الباحث الأول والذي أسماه بباكورته الأولى.
ما يثير الانتباه في بداية الأمر، شد نظر القارئ والمتلقي هو عنوان المؤلف الذي أطلق عليه اسم "أجساد تحترق في الشارع"، وكأنه مضمون وخلاصة الأحداث التي تم سردها وحكيها داخل صفحات هذا المؤلف، مرفوقة بلوحة فنية تحمل جسد إنسان أنهكه الواقع وآلامه، الشيء الذي يجعلنا سبر أغوار التحليل في بادئ الأمر أن الكاتب بصدد دراسة عالم الشارع، أخذ فئة معينة من الأطفال المتشردين والمتخلى عنهم ووضعها في قالب أدبي إبداعي فني محض.
يظهر جليا في بادئ الأمر الإثارة والتشويق للمتلقي والتألم والإحباط والشعور بخيبة أمل للقارئ والناقد فيما بعد، حين يتصفح وريقات هذا المؤلف المتوسط الحجم والغني بالعبر والتجارب الحياتية، الإنسانية، الحقيقية.
الذي طبع المشاهد صدقا وإخلاصا هو نقل الحقيقة بموضوعية، بل بإنسانية عالية ومفرطة، اختلفت النظرة وامتزج أسلوب الحكي والسرد بين ماهو أدبي وماهو صحفي.
الكاتب هو الآخر انصهر وتأثر من هذا الواقع البئيس الذي حكى عنه وتأثر بشهادات هذه العينة من الأطفال المنسيين والمهمشين، بل المتشردين حتى أصبح يطلق عليهم أطفال الشوارع، ليس لهم أهل ولا أحباب إلا الشارع. وقد حاول الكاتب قدر جهده تقديم مساعدات إنسانية، إن صح التعبير مبادرات رمزية للبعض منهم قدر المستطاع، وقد صور شهادات هؤلاء العينة من الأطفال، تصويرا دقيقا يتخلله وصف غاية في الدقة، وأعطاها ألقابا غير أسماءها الحقيقية حفاظا على ما تبقى من كرامتهم/هن داخل هذا المجتمع، أطفال يعانون من التشرد واللامبالاة والنسيان والتهميش وتنكر الجميع لهم، ليس لأيديهم ذنبا في ذلك، بل كانوا ضحية لواقع أسري متفكك وأليم يسوده الانحراف والفقر والجهل والأمية وغياب الوعي والوازع الأخلاقي والديني، علاوة عن الحمل والولادة في الشوارع بطرق غير شرعية، أو بزواج عرفي يغيب فيه العقد بوثيقة مكتوبة وبشكل قانوني.
إنه الواقع البئيس الذي أضحى نجتره يوميا وفي كل لحظة بمرارة عسيرة داخل مجتمعنا، بل أصبحنا نعيش حالات وحالات وكأننا أمام مشاهد مسرحية متكررة باستمرار لا تحرك شعرة في نفوس الآخرين، إنه الواقع المعيش واليومي الذي تعيشه هذه الثلة أو العينة من الفئات الاجتماعية الهشة والمتفككة والمنحلة (أيوب، مرزيكة، ولد الروضة، عاشق الشاي، أحلام الرصيف، حليمة،ماسح الأحذية، على هامش الهوية، عاشق الطيور، خديجة الدرويشىة، أسير المزابل، انتحار على طريقة خاصة، سمير الليل، رحال ابن الشاطئ، شعيب للاعائشة...)، ماهي إلا عينة قليلة من فئات كثيرة وكثيرة في هذا المجتمع الذي ينحل يوما وراء يوم.
تم تصوير هذه المشاهد الإنسانية بشكل دقيق جدا امتزج فيه الأسلوب ما بين العربية الفصحى واللهجة الدارجة، الشيء الذي يؤكد أن الكاتب يريد إيصال رسالته بسرعة وبإلحاح شديد حتى يتم النظر والالتفاتة لهذه الفئات التي يدمي واقعها المرير القلب ويدمع العين.
ولقد حاول الكاتب نقل لنا كل شيء حتى أحاسيس ونفسية هؤلاء الأطفال، ابتدأ السرد والحكي بحالة أيوب الطفل الذي تم إنجابه نتيجة لحمل غير شرعي، وحين اشتد ساعده ولج المدرسة وبعدها تعرض للتحرش والاغتصاب وغيرها من الأفعال الحيوانية والوحشية التي لا تمت للإنسانية بصلة من طرف ذئاب محسوبة على البشر، انتهى به المطاف المأساوي في الشارع، إنه واقع أليم ومرير حاول الكاتب قدر جهده تنوير الرأي العام والتذكير به، إن كانت الذكرى تنفع، ثم حالة أحمد الملقب بـ " مرزيكة" نسبة إلى مطرح نفايات الصرف الصحي بأحد شواطئ الدار البيضاء، كما جاء ذلك على لسان الكاتب، كيف كان أحمد الملقب بمرزيكة ضحية لتشتت أسري سببه الخيانة الزوجية وانفصال الأبوين، ثم تطرق الكاتب إلى الحالة المأساوية لعبدالله الملقب بـ "ولد الروضة" تم العثور عليه حينما رأى النور في الروضة من طرف مجموعة من طلبة القرآن، وكيف تم استغلاله فيما بعد في التسول، واقع اجتماعي مأساوي، جعل الكاتب يتحول من السارد إلى الصحفي المحاور إلى الإنساني العطوف الذي ينادي بآهاته وأسلوبه الندائي من أجل إنقاذ هذه العينات من المجتمع.
ثم حالة الطفل سعيد الذي لقب بـ "عاشق الشاي" كيف كان هو كذلك ضحية، نتيجة لواقع اجتماعي مر، تشتت أسري بسبب من الأسباب، خيانة، قتل، وغيرها من الجرائم والقضايا التي يكون في نهاية مطافها الضحية الأكبر هم الأطفال الذين تم إنجابهم بشكل عشوائي دون التخطيط لهم ولمستقبلهم.
ثم قصة محسن الملقب بـ "أحلام الرصيف" الذي تم التخلي عنه في إحدى المستشفيات، والذي كان نتيجة لشهوة عابرة كما جاء على لسان الكاتب في ص 25، وكيف تعرض للاستغلال والاستعباد، بل تمت المتاجرة حتى في جسده الطفولي البريء لفائدة بعض الذئاب الآدمية، انتهت حياته بشكل مأساوي وفظيع، بعد ذلك انتقل الحكي والسرد إلى الطفلة حليمة انطلاقا من ص 27، تغير أسلوب الكاتب، حيث أصبح أكثر دقة وإبداعا في تصوير الأشياء والأماكن بأسلوب بلاغي شد انتباهنا "... رسمت أولى خطواتها البريئة بين الحقول والمروج وزغاريد العصافير، تعدو بكل طلاقة رفقة قريناتها، يقطفن من هذه التينة وتلك، يتربصن ببيض دجاج الجيران، براءة موشومة بخطوط البداوة الصافية..."، كيف تعرضت حليمة الطفلة البريئة لاغتصاب حياتي أولا وهي تشتغل خادمة في إحدى منازل العائلات الثرية، ثم اغتصاب ذاتي تعرضت له من طرف ابن العائلة، وما آلت إليها ظروفها القاسية جدا، من هروب وحمل ووضع، ثم امتهان الدعارة وتدخين كل أنواع المخدرات وتناول مختلف الأقراص المهلوسة، لتنتهي هي كذلك قصتها مرمية في الشارع بعدما فقدت عقلها وجنت ومل منها الجميع.
بعد هذه الحالة وبأسلوب بلاغي مؤثر صور لنا الكاتب شهادة الطفل طارق الملقب بـ "ماسح الأحذية" نسبة للمهنة التي يمتهنها ويعيش منها وما يتعرض له من احتقار من طرف البعض، كما جاء على لسان الكاتب وكيف تعامل هذا الأخير مع الطفل معاملة إنسانية، ثم حالة أخرى وهي حالة السي محمد الذي يعيش على هامش الهوية ومأساته ومعاناته وعيشه في الشارع بفعل الهشاشة والتمزق الأسري والعائلي، ثم حالة سعيد الملقب بـ "عاشق الطيور". والملاحظ أن أسلوب الكاتب وبلاغته وجمالية الكلمات والجمل تشد الأنفاس، حيث نستحضر في هذا الصدد العبارات الآتية "يتوزع بين الأزقة والدروب، في الأرصفة والخرب، يتوزع في ذات كل منا من خلال شظايا حكايته، قد تراه بجانب المحطة الطرقية، وتراه في نفس الحين، قرب السوق البلدي، أو بمحاذاة المسبح المهجور، معجب بشعره الأسود الممتد إلى حاجبه، يلاعبه بأصابعه النحيفة الدكناء ذات الأظافر المتسخة، تنغمس من حين لآخر في أنفه الأفطس..." ص39.
هذا الطفل الذي ذهبت به معاناته وآلامه الاجتماعية الهشة شد الرحال إلى الولي الصالح "بويا عمر"، هذا الأخير أثر في سعيد وغير مجرى حياته، وعاد إنسانا صوفيا زاهدا يعشق الطيور بشكل جنوني وصار الشاي لغته والخبز الحافي عشيقه، وإطعام الطيور هوايته .. ص 41.
انتقل الحكي والسرد عن حالة أخرى ويتعلق الأمر بخديجة الدرويشة ومعاناتها وآلامها ومصيرها الأليم، ثم حالة أسير المزابل "شعيب" الذي رهن حياته لعوالم الشارع والقمامة واتخذ الحيوانات الأليفة "الكلاب" أنيسا له، بل ميثاق الصلة والأخوة بينه وبينهم، إنه البؤس والتشرد والحرمان الذي يعانيه هؤلاء الأطفال أو هذه العينة من مجتمعنا.
عنون الكاتب كذلك إحدى فصول هذا المؤلف بـ "انتحار على طريقة خاصة"، ويتعلق الأمر هنا بحالة طامو، هي الأخرى ضحية لتفكك أسري، حيث جاءت لهذه الدنيا نتيجة لحمل غير شرعي، ضاعت "طامو" كما ضاعت عدة طامووات ــ ص 51.
واستمر بعد ذلك الحكي والسرد الأدبي الممزوج بالألم والمعاناة في كل فصوله إلى حالة "سمير الليل" الطفل الذي ضاع هو كذلك في متاهات الشارع، ثم رحال ابن الشاطئ، الذي يتنقل في كل لحظة من مكان لمكان، كما بين ذلك الكاتب الذي بدا متعاطفا وحنونا مع العديد من الحالات التي صادفها بل إنسانيا إلى أبعد الحدود، تراه مرة يقدم الفطور لهذا، وفي لحظة أخرى يعطي دريهمات، وتارة أخرى يشتري الحلويات للبعض، إنها رسالة نبيلة ومبادرة وكلام مشفر للقارئ والمتلقي حتى يساهم هو الآخر بمبادراته الإنسانية حينما يلتقي أو يصادف حالة مثل هذه الحالات التي لا تعد ولا تحصى، وشهادة أخرى أنهى بها مؤلفه هي حالة شعيب للاعائشة أو شعيبة رفقة كلبه الصغير، والذي يعاني هو الآخر من الحرمان والبؤس والتشرد، أخذ مكانا بجانب ضريح للاعائشة البحرية منتظرا عطف وحنان وكرم الزوار الذين يأتون للضريح، شعيب الأليم في واقع بئيس لم يسجل حتى في دفتر الحالة المدنية، بسبب التشتت الأسري الذي يسوده الجهل والأمية، نتيجة زواج عرفي غير موثق، انتهى بالفشل والضحية هو شعيب وأمثاله كثيرين، الشيء الذي حرمه من حقه في التعلم والذهاب للمدرسة.
في نهاية المطاف تم ختم هذا المؤلف بأربع استراحات رقمها الكاتب، وكأنه يريد أن يستريح هو الآخر من هذا الحكي والسرد الأليم لحالات التشرد والبؤس والتهميش والنسيان واللامبالاة.
سرد اختلفت مشاهده من حالة لأخرى، حيث تم تصوير كل الحالات بشكل دقيق ووصف غاية في الإتقان، كما لا ننسى أن هذه الاستراحات المفتوحة عن الزمان والمكان تقدم هي الأخرى شهادات لعينة من الفئات بشكل حواري وتارة بشكل أدبي يقدمه الكاتب في قالب بلاغي بديع، بل يختزل الحكي والسرد والحوار وتتداخل الأمكنة والأسماء المستعارة دليل واضح على عشوائية وألم الواقع البئيس، تنكسر ذات الكاتب تارة، ويذب الحزن لنفسيته، يسترجع أنفاسه بأبيات شعرية ص 61 ،ثم بموسيقى وبعض كلمات أغنية الفنان يونس ميكري ص 65 "ليلي طويل ماعندو نهاية .." يتسلح بالأمل وبغد أفضل، في حين أنه لم ينج من التشاؤم، مشهد تراجيدي قاس أنهى به الكاتب هذا المؤلف مما يبين جليا تأثره بألم وقساوة الظروف على هؤلاء الأطفال وغيرهم، كيف لا وهو جالسهم، حدثهم، حاورهم، أطعمهم، عطف وحنا عليهم، سافر والتقى بهم في مدن طنجة، الدار البيضاء، أزمور، الصويرة، وببوادي ومناطق الشياظمة، عبدة، دكالة، نواحي الدار البيضاء.
image

هذا ما توصلنا إليه من خلال قراءتنا وتحليلنا لهذا المؤلف القيم الذي يناشد ويناجي الجميع من أجل إنقاذ هذه الفئة من المجتمع وإعادة إدماجها والعناية بها.
■ الأستاذ الباحث : عبد الغني لزرك.
image ثقافة العنف لدى الأطفال بين الموروث الأسري والتربية الحديثة.
 0  0  2086