■ المقدمة :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد :
فإن اللغة العربية تمتاز بثراء أساليبها ودقة تعبيراتها، ومن الظواهر اللغوية والبلاغية التي انفردت بها ظاهرة الإتباع، وهي من الأساليب التي تدل على فصاحة العرب وعنايتهم بحسن اللفظ وقوة المعنى، حيث يأتون بكلمة تتبع أخرى على وزنها أو رويها؛ طلبًا للتأكيد أو المبالغة أو تحسين الإيقاع.
وقد اعتنى أئمة اللغة بهذا الباب، حتى أفرد بعضهم له مصنفات خاصة، مما يدل على أهميته ومكانته في علوم العربية.
■ المبحث الأول: تعريف الإتباع.
● أولًا: تعريفه لغة...
الإتباع مأخوذ من التبع، وهو السير خلف الشيء والاقتفاء له.
● ثانيًا: تعريفه اصطلاحًا...
عرفه ابن فارس بقوله: «للعرب الإتباع، وهو أن تُتبع الكلمةُ الكلمةَ على وزنها أو رويِّها إشباعًا وتأكيدًا».
ومعنى ذلك أن العرب تأتي بلفظ ثانٍ يشابه الأول في الوزن أو الحرف الأخير، من أجل تقوية المعنى وإحكام النظم.
■ المبحث الثاني: منزلة الإتباع في العربية.
الإتباع يعد من الأساليب البلاغية واللغوية التي امتازت بها العربية، ويكشف عن:
1. عناية العرب بالموسيقى اللفظية.
2. قوة الترابط بين اللفظ والمعنى.
3. ميل العرب إلى التوكيد والمبالغة.
4. ثراء اللغة وكثرة أساليبها.
■ المبحث الثالث: أغراض الإتباع.
● من أهم أغراض الإتباع:
1- التوكيد : فالكلمة التابعة تزيد المعنى رسوخًا وقوة.
2- المبالغة : كقولهم: «عفريت نفريت»، أي بالغ في القوة والدهاء.
3- تحسين جرس الكلام : وهو من أبرز المقاصد عند العرب، إذ تميل الأسماع إلى الألفاظ المتناسبة.
4- إشباع اللفظ : ولهذا عبَّر ابن فارس بقوله: «إشباعًا وتأكيدًا».
■ المبحث الرابع: أنواع الإتباع.
● النوع الأول: أن تكون الكلمتان ذواتي معنى، مثل:
* هنيئًا مريئًا.
* سائغًا لائغًا.
فكل كلمة لها معنى مستقل.
● النوع الثاني: أن تكون الكلمة الثانية تابعة للأولى، مثل:
* حسن بسن.
* شيطان ليطان.
* خبيث نبيث.
* جائع نائع.
* عفريت نفريت.
فالكلمة الثانية لا تستعمل غالبًا إلا مع الأولى.
■ المبحث الخامس: أمثلة الإتباع في كلام العرب.
● من أشهر أمثلته:
* حسن بسن.
* قبيح شقيح.
* خبيث نبيث.
* جائع نائع.
* عطشان نطشان.
* شيطان ليطان.
* عفريت نفريت.
* خراب يباب.
* هنيئًا مريئًا.
وقد جرت عادة العرب على استعمال هذه الألفاظ للمبالغة والتأكيد.
■ المبحث السادس: إعراب ألفاظ الإتباع.
تتبع الكلمة الثانية الأولى في الإعراب، فيقال:
* جاء عفريتٌ نفريتٌ.
* رأيت عفريتًا نفريتًا.
* مررت بعفريتٍ نفريتٍ.
والتابع يجري على إعراب متبوعه؛ لأن المقصود منه تأكيد المعنى وتحسين اللفظ.
■ المبحث السابع: عناية العلماء بالإتباع.
1- أبو زيد الأنصاري (ت 215هـ) : كان من أوائل من روى ألفاظ الإتباع عن العرب، واعتمد عليه أصحاب المعاجم واللغة.
2- ابن جني (ت 392هـ) : أشار إلى الإتباع في كتابه «الخصائص»، عند حديثه عن مناسبة الألفاظ للمعاني، والتناسب الصوتي بين الكلمات.
3- أبو الطيب اللغوي (ت 351هـ) : أفرد للإتباع كتابًا مستقلًا سماه «الإتباع»، جمع فيه عددًا كبيرًا من ألفاظ هذا الباب.
4- أبو علي القالي (ت 356هـ) : صنف كتاب «الإتباع والمزاوجة»، وذكر فيه نماذج متعددة من كلام العرب.
5- ابن فارس القزويني (ت 395هـ) : ذكر الإتباع في كتابه «فقه اللغة وسنن العرب في كلامها»، ووضع له تعريفًا دقيقًا صار من أشهر تعريفاته.
6- السيوطي (ت 911هـ) : عقد في كتابه «المزهر في علوم اللغة وأنواعها» بابًا للإتباع، ونقل فيه كلام من سبقه من أئمة اللغة.
■ الخاتمة :
الإتباع ظاهرة لغوية أصيلة في العربية، تجمع بين جمال اللفظ وقوة المعنى، وتظهر فيها براعة العرب في صياغة الكلام. وقد اعتنى بها علماء اللغة قديمًا، فأثبتوا ألفاظها، وشرحوا أغراضها، وأفرد بعضهم لها مؤلفات مستقلة، مما يدل على مكانة هذا الباب في الدراسات اللغوية والبلاغية.
■ أهم النتائج :
1. الإتباع من خصائص العربية.
2. المقصود منه التوكيد والمبالغة وتحسين اللفظ.
3. قد تكون الكلمة التابعة ذات معنى مستقل، وقد تكون موضوعة للإتباع فقط.
4. أفرد بعض العلماء هذا الباب بالتصنيف.
5. يدل الإتباع على ثراء العربية وبلاغتها.
■ المراجع :
1. ابن فارس، فقه اللغة وسنن العرب في كلامها.
2. أبو الطيب اللغوي، الإتباع.
3. أبو علي القالي، الإتباع والمزاوجة.
4. ابن جني، الخصائص.
5. السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها.
6. ابن منظور، لسان العرب.
7. الزبيدي، تاج العروس.
■ ورد الإتباع أيضًا في كلام النبي ﷺ، ومن ذلك ما رواه ابن ماجه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال في الخمر: «إنها رِجْسٌ نِجْسٌ».
فلفظ «نجس» جاء تابعًا لـ«رجس» على وزنها ورويها، وفيه تقوية للمعنى ومبالغة في التنفير من الخمر وبيان شدة خبثها.
قال أهل اللغة: الإتباع أن تتبع الكلمةُ الكلمةَ على وزنها أو رويها توكيدًا وإشباعًا، وهذا الحديث من أمثلة الإتباع الواردة في السنة النبوية.
وقول العباس -رضي الله عنه : في زمزم. هي حلّ وبلّ.