• ×

05:54 صباحًا , الجمعة 7 جمادي الثاني 1439 / 23 فبراير 2018

◄ رعشات من رصيف الانتظار : ديوان (قراءة تحليلية).
■ قراءة في ديوان "رعشات من رصيف الانتظار" للشاعر بوشعيب عطران لغة الإنسان في البحث عن الذات الهائمة في بحر التشرد واللامبالاة التي تعتري المكان.
بوشعيب عطران، ذاك الشاعر الذي أسس أحاديثه من سحر مدينة الجديدة وزحمتها، غارقا بين تلابيب هدوء الموج وسكينته، باحثا عن الأمل والفرح ولو من خلال حلم تتقاذفه شحنات الرياح الخريفية وزخات الدموع الدافئة على حضن الدوفيل، محاولا بلوغ المستحيل، مقتنصا كلاما فتت به عزلة السنون والأحقاب، مكسرا اللامستحيل بمفاتيح حروفه ومضامين ما احتوته طيات ديوانه الشعري الأول الذي لم يختر له من العناوين إلا "رعشات من رصيف الانتظار" جسد فيه نبض أحاسيسه ومشاعره كهذيان لغوي وتعبيري ظل أسير ظلمته، لتتزاحم في أعماقه الكلمات وتتوهج الحروف عبارات وسطورا، فتخرج هذيانا لغويا تفتقت به أكمام الشعر ديوانا شعريا اختزل فيه كل العناوين والانتظارات التي طالت، بحثا عن المستحيل في زمن أزمة الحرف والكلمة ومحاكاة الواقع بالخيال والخيال بالواقع، ليبقى الترقب هو العنوان ولو من خلال "رعشات من رصيف الانتظار" عصارة تجربة كما أسماها الشاعر بوشعيب عطران ضد أقاصي الخداع اليومي.
ولعل من أبرز سمات هذا الديوان الشعري أنك لا تكتفي بقراءة وحيدة فحسب، بل إن قراءته الأولى تجعلك تتوقف عند مجموعة من القصائد أو فقراتها لما تجده من متعة استكشافية لدلالاته التعبيرية وصوره المجازية دون إسهاب أو إطناب، حتى ترى نفسك تعيد القراءة تلو القراءة، فرعشات من رصيف الانتظار هي إذن رعشات في متن الكتابة، اختار لها الشاعر بوشعيب عطران شكلا جديدا مستخدما اللغة الجمالية التي تلائم الشعر وتحرر صاحبه من كل القواعد لبلوغ المرمى المنشود.
إن تقسيم بوشعيب عطران لديوانه لأربع محطات ما هو إلا عنوان يريد أن يبين لنا من خلاله انقسام الذات وانشطارها بين متاهات الدروب حيث جمع فيما بينها برابط واحد لا ملاذ عنه، هو تأسيس ثقافة الخروج من الاغتراب الكامن بين جدران الحياة اليومية ومحاولة الاعتراف بالتواجد القوي للذات وللروح البشرية وفق صيرورة أي زمان وأي مكان، ولعل استهلاله للديوان بتلك الصرخات القادمة من زمن الخيبة والتي أراد من خلالها أن يلمز لنا في عتبة ظلمة النهار تلك العلاقة الحميمية التي جمعته مع الفضاءات المتناثرة حوله بذواتها ومعنوياتها مجسدا تلك المتناقضات الموشومة على عيون الإنسان كأنها رحلة موت سرمدي تتفيض ضمن أحلام متقطعة، عنوانها البحث عن الذات الهائمة في بحر التشرد والنسيان واللامبالاة التي تعتري المكان الذي هو في خد ذاته، الشخوص والزمان كحقيقة هزمت غور كل الأماني وحطمت كل النسائم، لتبقى كلها أحلام، يمكن أن يتغير شكلها ولونها وتصبح بواقع بحلة كما يريد الشاعر أن تكون ـ "الصفحة 7".
"أتحدث فيها ببساطة وعفوية، وبأجواء يسودها الخيال، تصوراتي وعصارة تجربتي ضد أقاصي الخداع اليومي، لأفك شيئا ما الغموض الملتف حولي".
وقبل الخوص في البوح الجميل والمتناسق للكلمات من خلال قراءة في ديوان "رعشات من رصيف الانتظار" أود الوقوف عند الخالة التي زينت خد هذا الديوان كما تزين وجه أي امرأة فاتن، فأعطت للديوان روحا موشومة برعشات تحاول الانعتاق والظهور بجلاء، وجه امرأة تتوسطه عينان يسكنهما ألف سؤال وسؤال، يعلوه وهج وضياء يحضر فيها اللون الأزرق والبرتقالي في تناغم يوحي بالشموخ وعدم الانكسار، من خلال ثلاثية الخطاب السردي الذي يجمع بين الحلم والواقع والعاطفة، كأول مدخل للديوان، كترانيم أحلام منسية، حينما يصطدم الواقع بالأحلام وتتحول النظرات لصمت موجع تائه في غيابات التساؤلات والتنهدات بدون رد أو جواب مقنع : "الصفحة 16".
اقتنصت الكلام
من أفواه الآخرين
أفك قيود الصمت
افتت به عزلة نهاري
فيما تجد مقاومة الاندحار بكل الصيغ للوصول للحقيقة التي سطرها التاريخ عنوة في سجلاته، بأسلوب حاول الشاعر أن يندس من خلاله للذاكرة المنسية رغم ارتجاجها، في إبداع وجمال تعطلت معه كل اللغات وبات يقاوم لحظات الاحتضار بالعودة لنهاره الذي لم ينته بعد : "الصفحة 18".
أنتفض من مكاني
ألملم أحزاني
أعود بنهاري
لذاكرة ... تقاوم الاحتضار
ليقرر من خلال تجليات قلب .. مغتربة، الهروب من كل الأحزان، بقلب فارغ بدون أحاسيس ولا نبضات، حيث أدرك بأن الحقيقة كانت متوارية وراء ستار لم ينتبه إليها، مررا الاغتراب في دوامة الإغراءات والأوهام : "صفحة 19".
سرت دون هوادة
أتأبطه فارغا
بعد .. أن تناثرت معالمه
على عتبات الأوهام
ها أنذأ أعتلي قدري
لتتوالى في محطته الثانية من ديوانه والتي اختار لها من الأسماء والعناوين "أنين السنين" الصرخات تلو الصرخات مولدة ثمانية قصائد من زمن الخيبة مع الإصرار على الاستمرار في البحث والتنقيب عما يعبد الحياة لحلم نرجسي وفق مقاربة لغوية يجسد الشاعر من خلالها خداع العوالم المحيطة به أو محملا ذاته أعباء السنون، "الصفحة 25".
ركبت عوالم مجهولة
بعيدا عن
إطلالات فجر كاذب
وعطور مزيفة
وأضواء باهتة
محاولا الهروب من الكيان الملتهب بفعل غرام غير متكافئ أفقده شهية الحياة، لعله يحي من خلال الكلمة قلب وروح التي تسكنه رغم الجراح التي خلفتها له والتي هي في نفس الوقت مقرونة في ثناياها، في احتفالية رائعة باللغة والعبارة. "الصفحة 26".
لتتهادى أحزاني
وراء غرام لاهب
يضرم ناره في كياني
ممتدا إلى عروقي
ليواصل عطران في إضاءاته التي لا تقرأ من خلالها الكلمة عن قرب فهي امتداد للمساحة والفضاء الذي شب وترعرع فيه ثم تحول وصار عالم اغتراب لديه، وبالتالي فالاستماع إليها "الكلمات" لا يكفي بقدر ما تحتاج للتمعن ورؤيتها على الورق كفضاء اختارته لإبداء روعتها وجمالها ما دامت تعكس صورا تشكيلية غطت كل بياض. "الصفحة 32".
أهرب من وجه مدينتي
أفترش رصيفها الخالي
أغازل الانتظار
أودعها لأسعى في حلمي
كمهاجر في كف الاختلاف
ليبقى الحنين وتبقى الأحزان غير القابلة للمواساة، عنوان محطته هذه، تداعيات أدرك من خلالها أن لسعات الأيام أقوى منه و أنه أصبح في زمن الممنوع كل خطاباته أضحت ممنوعة، ليدخل " بوح الذاكرة" كمحطة ثالثة مشكلا وحدة عفوية متناسقة ومتناغمة كسوار أحكمت دورته قصائد –لوحات- يتوزع فيها الفرح كما يتوزع الشوق والحزن والأسى والانتظار، عبر شظايا ذاكرة تأبى الانشطار وعبت التجليات، بوح البقاء في الذات ولو على حساب الأحلام بعدما لم يعد له مكان للنسيان. "الصفحة 47".
آه لو يدري زمانك
كم سافر جسدك
بوجه يلفه الفراغ
وذاكرة آفلة
معدمة الجذور
وبجانب البحر، على حين من التقاء المالح بالعذب، وحيث تفك ضفائر الليل بالهمس والعشق المتيم بالهواجس والأحزان، يتجاذب عطران غوايته مسترسلا بين الخلوة والانجذاب السحري حيث تتلاشى الكلمات وتتهاوى وتتصالح النظرات بين ثنايا المد والجزر، في لوحة رومانسية تكشف هذيان الشاعر من خلال إحساس نبض المشاعر وفيض الإحساس لديه كانسلال الماء بين ثنايا الأنهار, "الصفحة 52".
أفقت من غفوتي
ضممتها إلى صدري
حتى لا تتيه في خلوتي
بين ثنايا المد والجزر
وفي معاكسة رائعة للريح يعانق الشاعر شطحات الغياب وبقايا النزيف من خلال تعويذة القصيدة من أجل الانعتاق من حافة الانفصام - عناوين قصائد المفصل الرابع للديوان – ناسجا حوارا دراميا بينه وبين الإنسان كذات تسكنها شرارات الدفء والقابلة في أي لحظة أن تنزف، مستعيدا من خلاله ذكريات الماضي وما آل إليه تشكل الأشياء وصمت المساء، هذا إلى جانب قصائد أخرى جسد فيها تجربة الفراغ والوحدة والإبحار في أغوار الأوهام باحثا عن التوازن المفقود، ويجسم ما كابده طمعا في شيء اسمه البقاء، على مر الزمان، ومن هنا يستشف المتلقي أن الشاعر يستشرف المستقبل، فهو من خلال هذه القصائد يستحق أن يطلق عليه "العين الساهرة "، وقلبها النابض الذي يتحسس آلامها "الصفحة 60".
لملمت نبضاته
من أشلاء الماضي
شكلته أشياء وأشياء
هبت من زوايا الخيال ..
كبر في ثواني
كسر صمت المساء،
لقد جمعت قصائد ديوان "رعشات من رصيف الانتظار" في هندستها الفنية بين الشكل التقليدي الموروث والشعر الحر؛ الأمر الذي أضفي عليها لوناً من التنويع، وأسبغ عليها سمة الأصالة والتجديد، كما أعلن الشاعر بوشعيب عطران من خلالها عن موهبته المتميزة في مجموعته الشعرية "رعشات من رصيف الانتظار"، فهو لا يكتفي بتأكيد شاعريته بل يفتح عالما شعريا تتراءى لنا من خلاله الحياة بكل تلاوينها وحركاتها، استطاع أن يصنع له عالما مزج فيه الحب والعنف، الموقف والتجربة، الحلم والواقع، الغضب والأمل، وقف مواقف يحس من خلالها المتلقي أنه جزء منها، لأن بوشعيب عطران أفرغ فيها ما يمتلكه من حس إنساني مرهف محولا إياه لرؤية إنسانية شاملة، تارة متمردا على الواقع المعيش حوله، وتارة محاولا إصلاحه، ورسم خطوط المستقبل المفعم بالأمل.
image
 0  0  1345