نار القلوب .. اْلْمَـَرضُ اْلمُـزْمـُن «1»

د. أحمد محمد أبو عوض.
3233 مشاهدة
نار القلوب .. اْلْمَـَرضُ اْلمُـزْمـُن «1».
الحمد لله كما أمر، والشكر له كلما نُسي أو ذُكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم العلن والمخبر، وما خفي وما ظهر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير البشر، جاء من ربه بالبشر، حذر وأنذر، صلى الله عليه ما اتصلت عين بنظر، وسمعت أذن بخبر، وعلى آله وصحبه الغرر، وتابعيهم أهل الدرر، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم المستقر.
■ مقدمة :
الحسد من الأمراض القلبية التي تصيب بعض الناس، بسبب الغيرة، وعدم الرضا بالقضاء، فمن الناس من إذا رأى نعمة أنعمها الله عز وجل على أحد من الناس، تحركت نفسه الخبيثة وغيرته القبيحة، وبدأ يفري ويهري في ذلك المسكين، وكان الواجب عليه أن يدعو الله لأخيه بالبركة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ويمنعه عمن يشاء، بحكمته وعلمه سبحانه.
فإذا أحس الحاسد بشيء في قلبه على المحسود فليجاهد نفسه، ويكظم ما عنده، ولا يفعل شيئاً يخالف الشرع، لا يؤذي المحسود، لا بقول ولا بفعل، ويتضرع إلى الله تعالى بالدعاء أن يزيل الحسد من قلبه، فالإنسان إذا حسد ولم يحقق شيئاً لم يضره ذلك، لأن الحسد كبيرة من كبائر الذنوب، يؤاخذ عليها العبد ويحاسب عليها، لأن في الحسد ضرراً للغير، فإذا لم يفعل أذى للمحسود، ولا كان سبباً في إزالة نعمة عنه، ولم يتكلم في عرضه، وإنما شيء في نفسه كظمه، فإنه لا يضره، ولكن عليه الحذر، حتى لا يقول شيئاً يضر المحسود، أو يفعل شيئاً يضره.
فالحسد خبيث، يبدأ بصاحبه فيهلكه، فهو يؤذي صاحبه قبل غيره، ومتى أحس بشيء فليجاهد في كظمه وإبقائه في القلب من دون أذى للمحسود، لا أذى فعلي ولا قولي.
وليعلم كل إنسان عاقل مؤمن أن الحسد خلق ذميم، مع إضراره بالبدن والنفس، وإفساده للدين، حتى أن الله أمر بالاستعاذة من شره، وسبب للهم، وجالب للغم، وربما قضى على صاحبه دون نكاية في عدو، ولا إضرار بمحسود، فكانت النزاهة عن الحسد كرماً، والسلامة منه مغنماً.

■ تعريف الحسد :
• لغة : كره النعمة عند الغير وتمني زوالها.
• اصطلاحاً : تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يحصل للحاسد مثلها، وقد يقال : تمني عدم حصول النعمة للغير.

■ الحسد والبخل :
البخل والحسد يشتركان في أن صاحبهما يريد منع النعمة عن الغير، ثم يتميز البخيل بعدم دفع ذي النعمة شيئاً، والحاسد يتمنى ألا يُعطى أحد سواه شيئاً (نظرة النعيم 10/4418).

■ الحسد والغبطة :
الغبطة : أن يتمنى الإنسان أن يكون له مثل الذي عند الغير، دون زوال تلك النعمة عن الغير.
والحسد : فهو تمني زوال النعمة عن الغير، سواء حصلت له أم لم تحصل، المهم أن يتمنى زوال النعمة عن المحسود.
والغبطة صفة المؤمن، والحسد صفة المنافق نسأل الله السلامة والعافية.

■ حسد إبليس لآدم عليه السلام :
الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وذلك عندما حسد إبليس اللعين، آدم عليه السلام، فامتنع من السجود له، وعصى أمر ربه تعالى، فطرده الله من رحمته.
قال تعالى : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً • قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء 61-62).

■ حسد ابني آدم :
وأول ذنب عُصي الله به في الأرض الحسد، وذلك عندما حسد أحد ابني آدم أخاه فقتله، فأصبح من النادمين الخاسرين، خسر الدنيا والآخرة، وأعد الله له عذاباً ممدوداً، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأنه أول من سن القتل، فهو يُعاقب عن كل من قَتَلَ.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تُقتل نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل) متفق عليه.
فكل من قتل من الناس كان على ابن آدم نصيب من العذاب، لأنه أول من سن القتل، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً.
قال صلى الله عليه وسلم : (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) أخرجه مسلم.
وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سن سنة حسنة فعُمل بها، كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة، فعُمل بها، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيئاً) أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني رحمه الله.
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من سن سنة حسنة فله أجرها ما عُمل بها في حياته وبعد مماته حتى تُترك، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تُترك، ومن مات مرابطاً في سبيل الله جرى عليه عمل المرابط في سبيل الله حتى يبعث يوم القيامة) رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به.

■ حسد الكفار للمسلمين :
الكفار يحسدون المسلمين على ما هيأ الله لهم من نعمة الإسلام والاستقامة على دينه الحنيف، واتباع نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فهم يحسدون أهل الإسلام على نعمة الهداية، ومنة التوفيق.
قال تعالى : (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : 109).
تمنى كثير من أهل الكتاب أن يرجعوكم بعد إيمانكم كفارًا كما كنتم من قبلُ تعبدون الأصنام; بسبب الحقد الذي امتلأت به نفوسهم من بعد ما تبيَّن لهم صدق نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به, والله يحثنا أن نتجاوز عمَّا كان منهم من إساءة وخطأ, ونصفح عن جهلهم, حتى يأتي الله بحُكْمِهِ فيهم بقتالهم (وقد جاء ووقع), وسيعاقبهم الله تعالى لسوء أفعالهم، إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقال تعالى : (أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) (النساء : 54).
أم هنا بمعنى بل : أي بل أيحسدون النبي محمد صلى الله عليه وسلم على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة, ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان, والتصديق بالرسالة, واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم, والتمكين في الأرض, ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم ؟ فليحذر كل عاقل لبيب من فعل اليهود والنصارى والمشركين من فعل الحسد، فإنه خلق ذميم، ومرض خطير، يفتك بصاحبه وبالأمة، فالحسد صفة الكفار والمنافقين والعياذ بالله.
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح وابن خزيمة في صحيحه.
وأخرجه أحمد ولفظه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكرت عنده اليهود فقال : (إنهم لم يحسدونا على شيء كما حسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين) صححه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب 1.

■ حسد الأقران :
هذا المحور من أهم المحاور خطورة، لأن بسببه تقطعت كثير من الأواصر بين الناس، وبسببه تفرقت الأجيال والشباب والرجال، حصلت الكراهية والبغضاء، ووقعت الشحناء، وتنافر الناس عن بعضهم، وأصبحوا زمراً وجماعات، كل جماعة تتعصب لفلان من البشر، الذي يحتمل من الخطأ والزلل ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله، وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد) رواه ابن حبان في صحيحه ومن طريقه البيهقي وحسنه الألباني.
وعن أبن الزبير رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي : الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) رواه البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما وقال الألباني حسن لغيره.
حسد الأقران نراه اليوم واضحاً جلياً بين الأئمة والمعلمين والقضاة والخطباء والبارزين في أعمالهم.
نراه بين الطلاب أنفسهم صغاراً وكباراً، يكثر الحسد أيام الاختبارات، وأثناء الحفلات والزيارات وغير ذلك.
فحسد الأقران اليوم هو ما تعانيه الأمة الإسلامية قاطبة اليوم، يحسدون شخصاً لأن الله منَّ عليه بالعلم الوافر، ويحسدون آخر لأن الله عز وجل منَّ عليه بالخلق الجم، ويحسدون إنساناً لأن الله ميزه بحفظ القرآن والمتون، وحسن الصوت، وحب الناس له، يحسدون آخراً لمكانته العلمية أو لمكانته في المجتمع، أو لمنصبه الذي حباه الله إياه، أو لما أغدق الله عليه من الخيرات والأموال، أو لكثرة أولاده أو زوجاته، أو لجمال المرأة وحسن تربيتها وإجادة طبخها، أو لذكاء شخص ما ونجاحه في عمله أو دراسته، وغير ذلك كثير.
عن أبي ثعلبة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويمهل الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه) رواه الطبراني والبيهقي، وقال الألباني رحمه الله : صحيح لغيره.
فبسبب نعمة الله التي أنعمها على قوم، يحسدهم قوم آخرين، ولا ريب أن ذلك تسخ على الله تعالى، وغضب عليه، وعدم رضاً بقضائه وقدره، إذ كيف يحسد عبد عبداً وهبه الله تعالى نعمة منه مفضلاً، ألا يعلم أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ويمنعه ممن يشاء ؟
فالحسد خطر على التوحيد، لأنه فيه شرخ لجدار العقيدة الصحيحة، وفيه خرق للخلق القويم، فيجب على العبد إذا رأى نعمة أنعمها الله على عبد من عباده، أن يدعو له بالبركة، وأن يزيده من فضله، ويسأل الله مثلها، فإن حصل ما يرجو فلله الحمد والفضل، وإن لم يحصل فالله حكيم عليم.

■ الحسد حقيقة :
جاءت الأدلة الشرعية مبيتة حقيقة الحسد، ودالة على وجوده.
• أولاً ـ من القرآن الكريم :
سبقت الإشارة إلى شيء من الآيات الدالة على وجود الحسد، وأنه حقيقة لا مراء فيها ولا جدال، وهذه الآية أيضاً تدل على وجود الجد وحقيقته، قال تعالى : (يَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً) (الفتح : 15).

• ثانياً ـ من السنة النبوية :
جاءت الأحاديث متوافرة كثيرة دالة على ذم الحسد، وأنه من الأخلاق السيئة، جاءت صريحة واضحة، وجاءت معنىً ومن ذلك : عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم ؟ قيل : نكون كما أمر الله، قال : أو غير ذلك : تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض) أخرجه مسلم.
وللتحذير من خطورة الحسد إليك هذا الحديث : عن ضمرة بن ثعلبة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا) رواه الطبراني ورواته ثقات وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب 3.

■ الحسد والعين :
الحسد أعم من العين، فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائناً.

■ مراتب الحسد :
للحسد مراتب وأنواع بحري بالعبد أن يعرفها إما ليحذر من الوقوع في بعضها، وإما لموافقة الطيب منها وهي :
1- تمني زوال النعمة : وذلك بأن يتمنى أن يُذهب الله عز وجل نعمته عن عبده الذي أنعم عليه، وهي أخطر المراتب وأشدها تحريماً، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال : (كل مخموم القلب، صدوق اللسان) قالوا : صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب ؟ قال : (هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد) رواه ابن ماجة بإسناد صحيح والبيهقي.
2- تمني عدم وجود النعمة : وذلك بأن يتمنى عدم إحداث نعمة على عبد من عباد الله تعالى، ويتمنى بقاء ما فيه من حاجة ونقص وعيب وذلة وفقر، وهذه المرتبة حرام أيضاً، لأن المسلم لا يكون مسلماً حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قلنا يا نبي الله : من خير الناس ؟ قال : (ذو القلب المخموم، واللسان الصادق) قلنا : يا نبي الله قد عرفنا اللسان الصادق، فما القلب المخموم ؟ قال : (التقي النقي، الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد) قلنا يا رسول الله : فمن على أثره ؟ قال : (الذي يشنأ الدنيا، ويحب الآخرة) قلنا : ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن على أثره ؟ قال : (مؤمن في خلق حسن) قلنا : أما هذه فإنها فينا، رواه ابن ماجه بإسناد صحيح وتقدم لفظه والبيهقي وهذا لفظه وهو أتم.
3- تمني مثل النعمة : وذلك بأن يتمنى أن يكون له مثل ما لدى الغير، لكنه في الوقت نفسه لا يريد زوال نعمة الله على عبده، بل يتمنى مثلها من غير زوالها، وهذا هو المنافسة أو قريب منها، قال تعالى : (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين : 26).
وقال صلى الله عليه وسلم : (لا حسد إلا في اثنتين : رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال : ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً، فهو يهلكه في الحق - ينفقه في الحق - فقال رجل : ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل) أخرجه البخاري.
وعن ابن عمر رضي الله عنها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا حسد إلا على اثنين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) متفق عليه.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها) رواه البخاري ومسلم، والمراد بالحسد هنا : الغبطة : وهو تمني مثل ما للمغتبط، وهذا لا بأس به، وله نيته، فإن تمنى زوالها عنه فذلك حرام، وهو الحسد المذموم.

■ خطورة الحسد :
للحسد خطورة على صاحبه، فهو يورده المهالك، والعياذ بالله من ذلك :
1- عدم الرضا بقضاء الله تعالى : فمن لم يرض بقضاء الله تعالى فهو على خطر عظيم، فربما كفر بالله إن كان مدركاً عالماً بذلك، ولهذا يجب على العبد أن يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره، ويرض بذلك، لأن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان التي لا يكتمل دين عبد إلا بها.
ولو تأمل الحاسد حقيقة الدنيا وأنها زائلة، لما دعته نفسه إلى حسد أحد من الناس، فالحاسد معترض على قضاء الله تعالى وقدره، ويعارض أمر الله تعالى القائل سبحانه : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف : 32).
فالله جل وعلا تكفل بأرزاق الناس، وتكفل سبحانه بتوزيعها بينهم، لحكمة يعلمها سبحانه، ليس لنا حيالها إلا الإذعان والقبول، ولا نقول إلا : سمعنا وأطعنا لنكون من المفلحين الفائزين.
2- العجب : وهو داء خطير وعظيم يدفع صاحبه إلى الحسد، بل يدفع صاحبه إلى رد الحق وغمط الناس وعدم قبول العدل والعياذ بالله، فالمعجب بنفسه والمغرور، لا يحب أن يعلو عليه أحد، بل يحب أن يكون شأنه الشأن الأعلى، كل ذلك طمعاً في الدنيا، وحب الظهور فيها.
3- الحقد والعداوة والبغضاء : وقد ظهرت هذه النقمة في عصرنا هذا ظهوراً مذهلاً، حتى عجب منها أعداء الله، وأعداء دينه، لقد دبت البغضاء بين المسلمين، بسبب الحسد، فقد حسدت الدول بعضها بعضاً، فأقامت علاقات مع أعداء الله، وقطعت أواصرها بأولياء الله تعالى، فكانت العاقبة وخيمة لأن الله تعالى يقول : (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (البقرة : 120).
ولهذا جاء الحديث محذراً من ذلك تحذيراً بليغاً، فعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا، وكراهية الموت) أخرجه أبو داود وقال الألباني : صحيح.
وقال صلى الله عليه وسلم : (سيصيب أمتي داء الأمم، فقالوا يا رسول الله : وما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي) حديث صحيح.
ويشهد لبعضه قوله صلى الله عليه وسلم : (دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء .. الحديث) وهو مخرج في الإرواء 777 وغيره.
وواقع الأمة الإسلامية اليوم واقع مؤلم، لما تشهده الساحة من قتال وتناحر وتدابر وتحاسد وتباغض، فقتل المسلم أخاه المسلم، وقتل الجار جاره، كما هو الحاصل في فلسطين والعراق ولبنان، فنسأل الله العودة إلى دين الله عز وجل، والتمسك بحبله المتين، وصراطه المستقيم، لتعود للأمة هيبتها وقوتها وجهادها ضد أعدائها.

■ آفة الحسد :
الحسد آفة الحساد، ومرض مهلك للأكباد، مدمر للجماعات والأفراد، يهلك صاحبه قبل المحسود.
قال علي رضي الله عنه : (الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له).
وقيل : (الحسود غضبان على القدر).
ويقال : (ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش : الحقد، والحسد، وسوء الخلق).
وقيل : (بئس الشعار الحسد)، وقيل لبعضهم : ما بال فلان يبغضك ؟ قال : لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.
وقال أعرابي : (الحسد داء منصف، يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود)، قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.
وقال الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمة الله تعالى عليه : يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود :
• أولاها : غم لا ينقطع.
• الثانية : مصيبة لا يؤجر عليها.
• الثالثة : مذمة لا يحمد عليها.
• الرابعة : سخط الرب.
• الخامسة : يغلق عنه باب التوفيق.
■ يتبع.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :