• ×

12:23 صباحًا , السبت 8 ربيع الثاني 1440 / 15 ديسمبر 2018



أثر تعليم القرآن الكريم «2» ـ بحث علمي.
■ المبحث الثاني : الأثر التربوي والخلقي لتعليم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع.
إن الفرد لا يعيش بمعزل عن المجتمع، ولا شك أن أي تأثر له بأي مؤثر ينعكس ذلك على مجتمعه، لذا وجب أن ننبّه على الآثار التربوية والخلقية لتعليم القرآن على المجتمع، ومن ذلك :
أ) حفظ الأوقات، واستثمار طاقات الشباب فيما ينفع :
إنّ الشباب هم أعمدة النهوض بالمجتمعات، والأنصار الذين ناصروا هذا الدّين، ووفوا بالذي عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا إلاّ شبابًا، لذا كان استثمار أوقات الشباب من أهم الأمور التي يجب أن تعنى بها المجتمعات، للعاقبة المحمودة التي تعود عليهم وعلى مجتمعهم، وإن من الخسران الذي تتلظى بنارها المجتمعات الفراغ الذي يعانيه الشباب المسلم، ويذهب هدرًا دون استثمار.
ويكفي لمنعم النظر لسوء عاقبة هدر فراغ الشباب قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ) أخرجه البخاري.
فالصحة التي هي عنوان الشباب، والفراغ نعمتان، والغبن والخُسْر في عدم استثمار هاتين النعمتين.
قال ابن الجوزي : (اعلم أنه قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش، وقد يكون متفرغا من الأشغال ولا يكون فإذا اجتمعا للعبد ثم غلب عليه الكسل عن نيل الفضائل فذاك الغبن كيف والدنيا سوق الرباح، والعمر أقصر، والعوائق أكثر). وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله؛ فهو المغبوط. ومن استعملهما في معصية الله؛ فهو المغبون؛ لان الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم) (29).
لذا فإن الفراغ إذا لم يستغل في النافع والخير كان مفسدة للشباب على وجه الخصوص، كما قال الشاعر :
إنّ الشباب والفراغ والجِدَة مفسدة للمرء أي مفسدة
وحلقات التحفيظ وأمثالها من مجالس التربية والتعليم هي التي تحفظ أوقات الشباب، وتستثمرها لصالح المجتمع.

ب) الإسهام في حفظ المجتمع :
إنّ مخرجات حلقات التحفيظ مفخرة للمجتمع، فهم نماذج للشباب الصالح الذين يحملون عبء النهوض بمجتمعاتهم، في تسهم إسهامًا كبيرًا في توجيه طاقات الشباب، وحفظ المجتمع من شرة الشباب وجنوحهم فيما إذا تركوا دون توجيه أو إرشاد.
ويلحظ هذا الأثر القوي لحلقات تحفيظ القرآن الكريم القويّة على أبناء الحي الذي تقوم فيه، في سلوكهم ومواظبتهم على الصلوات، حتى وإن كانوا لا ينتمون إلى تلك الحلقات، لأن المساجد تكون عامرة بالشباب صغار السن المحافظين على الصلوات، مما يوجد في الحي توجّهًا عامًّا على المحافظة على الصلوات والمسابقة إليها.

ج) نشر الفضيلة والخلق الحسن :
الفضيلة والأخلاق الحسنة التي يتحلّى بها من التحق بحلقات الذكر لتعلم كتاب الله تعالى ومدارسته أشبه ما تكون بجؤنة العطار، لا بد أن يضوع عطرها، ويجد أريجها كل من يتعامل مع صاحبها، وكذا المجتمعات تنتشر فيها الفضائل، وتعم الأخلاق الحسنة فيها لوجود حفظة كتاب الله تعالى، وبركتهم. وذلك من خلال مجالسهم الطيّبة، واتّصافهم بصفات المؤمنين التي يحث عليها القرآن الكريم، أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
قال صلى الله عليه وآله وسلم : (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك، وكير الحداد لا يعدمك من صاحب المسك إمّا تشتريه، أو تجد ريحَه. وكير الحداد يحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثة) أخرجه البخاري.
قال النووي : (وفيه : فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع، ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة) (30).
وقال : (وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم، واستحياء منهم) (31).

د) تنشئة جيل صالح :
جيل القرآن هم الذين نزل عليهم القرآن، يشاهدون تنزيله، ويرون تأويله، يلمسون أثره في حياتهم، فتنشئة الفتيان على القرآن بعثٌ لأولئك الذين مضوا، ولن يتربى الجيل المسلم بمثل ما تربى عليه الجيل الأول، ولن يأخذ بيدها مثل القرآن الذي أخرج أمّة من الأعراب، وجعلها سادة الدنيا.
قال مالك بن أنس : (لن يصلح آخر هذه الأمة إلاّ ما أصلح أولها) (32).
وهذا عامّ في كل أمرٍ مشى عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ومن أجلّ ذلك : التربية التي جاء القرآن بها، وبهديه صلح أمر صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

هـ) إبقاء سنة التلقي :
حلق التحفيظ تحافظ على أعظم سند عرفته البشرية، لأنّ القرآن من خاصيته أنّه لا يؤخذ إلا مشافهة، كذلك تلقاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من جبريل، وكذلك علّمه للصحابة، ومن شفاه الصحابة تلقى التابعون وهكذا.
قال الله تعالى : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ • إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ • فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ • ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة : 16 - 19).
قال ابن عباس: (كان يحرك شفتيه إذا أنزل عليه، فقيل له : ﴿لا تحرك به لسانك﴾ يخشى أن ينفلت منه ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ أن نجمعه في صدرك، ﴿وقرآنه﴾ أن تقرأه، ﴿فإذا قرأناه﴾ يقول : أنزل عليه ﴿فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه﴾ أن نبينه على لسانك) (33).
عن عبد الله رضي الله عنه، قال : بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار بمنى؛ إذ نزل عليه والمرسلات، وإنه ليتلوها، وإني لأتلقاها من فيهِ، وإن فاه لرطب بها؛ إذ وثبت علينا حية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (اقتلوها). فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (وقِيَتْ شرّكم كما وُقِيتُم شرَّها) أخرجه البخاري.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة أخرجه البخاري, فهذه سنة تلقي القرآن الكريم الأخذ مشافهة، فكل قارئ للقرآن يتّصل سنده إلى هذا السند الربّاني عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه تعالى.

و) التربية الجماعية :
إن التربية الجماعية هي من أنجح السبل في استكمال جوانب الشخصية لدى الفرد، وحلقات التحفيظ التي تساعد على الخلطة التربوية الجيّدة، والتعليم والتعلم لا يكون بغير الخلطة، ومن خلال هذه الخلطة الصالحة يتربى الطالب على الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدة، مثل التضحية والبذل والإيثار والسماحة والتعاون إلى غير ذلك من الصفات التي لا يمكن اكتسابها في العزلة.
فهذه التربية الجماعية التي تهيؤها حلقات التحفيظ تساعد على تكوين مجتمع مترابط متآلف، قائم على المودة والتراحم والتعاون. وهو ما يؤكده حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم؛ أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم) (34).
وفي التربية الجماعية في تعلم القرآن الاجتماع المحمود الذي يبحث سبل النجاة في الآخرة، قال ابن القيّم رحمه الله تعالى : (الاجتماع بالإخوان قسمان :
أحدهما : على مؤانسة الطبع، وشغل الوقت، فهذا مضرّته أرجح من منفعته، وأقلّ ما فيه أنه يفسد القلب، ويضيع الوقت.
الثاني : الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحقّ والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها) (35).

ز) تهيئة البيئة الصالحة :
إن انتشار حلقات تعلم القرآن الكريم يفرز تجمعات للشباب الصالح في كل مكان، وأثر ذلك لا يخفى على المجتمعات المسلمة، لأن الخير إذا انتشر تأثر به أفراد المجتمع. وفي ذلك حفظ لأوقات الشباب، وتوجيه لطاقاتهم، لذلك كانت نصيحة ذلك العالم للذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم تاقت نفسه للتوبة : (انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنّ بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنّها أرض سوء) (36).
قال العلماء : (في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب, والأخدان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم, وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين ومن يقتدي بهم, وينتفع بصحبتهم, وتتأكد بذلك توبته) (37).
فأثر التجمعات الصالحة في بناء مجتمع صالح لا يخفى، وأثر تعلم القرآن الكريم في تكوين هذه التجمعات كذلك لا يخفى.

ح) القضاء على الظواهر السلبية في المجتمع :
إن مجتمعًا يتربى أبناؤه على تعلم القرآن الكريم، والتأدب بآدابه، والتحلي بأخلاقه؛ لا شك أن الظواهر السلبية ستبدأ في الاختفاء بفضل اجتهاد هؤلاء المتأدبين بآداب القرآن في القضاء عليه، والمساهمة في دفعه.
لأن القرآن يربي على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويربط خيرية الأمّة بهذه القضية.
لذا فإن الظواهر السلبية في المجتمع من التقاطع والتدابر، وضياع حقوق الجوار، وأكل أموال اليتامى وظلم الأرامل، وكذلك المنكرات والفواحش إن لم تزل بالكامل فإنّها لن تكون ظاهرة في المجتمع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :
(29) فتح الباري (11/229).
(30) شرح صحيح مسلم للنووي (16/178).
(31) شرح صحيح مسلم للنووي (1/158).
(32) ذكره ابن عبدالهادي في تنقيح أحاديث التعليق (2/423).
(33) أخرجه البخاري في التفسير، باب إن علينا جمعه وقرآنه (4928).
(34) أخرجه ابن ماجه في الفتن باب الصبر على البلاء (4032) وحسّنه الألباني في الصحيحة (939).
(35) الفوائد(ص 51).
(36) جزء من حديث أخرجه مسلم في التوبة، باب في قبول توبة القاتل (2766) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(37) شرح صحيح مسلم للنووي (17/83).
الدكتور عبدالرحمن بن جميل قصاص ـ أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين ـ جامعة أم القرى ـ مكة المكرمة.

image الأثر التربوي والخلقي لتعليم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع ــ بحث علمي.
 0  0  3761

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:23 صباحًا السبت 8 ربيع الثاني 1440 / 15 ديسمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.