• ×

02:11 صباحًا , السبت 9 ربيع الأول 1440 / 17 نوفمبر 2018



◄ وقفات مع : لغتنا الجميلة.
بحمد الله وبكل فخر أنني عربي مسلم ومعلم اللغة العربية بالمراحل الدراسية الثلاث من الصف الأول الابتدائي وحتى الثالث الثانوي في كل من المملكة العربية السعودية 21 سنة وسنتان بالجمهورية اليمنية وسنة في ليبيا وفي الأردن لا سيما أنني من قبيلة اصلها بدوي قح من طرف الأب والأم (رحمهما الله كانا ابناء عمومة) فأنني احرص على الكتابة باللغة الفصحى حتى برسائل الجوال أو البريد الإلكتروني والمقالات والأبحاث الأدبية أو العلمية أو الدينية أو الثقافية العامة فقد قلت للدكتور المشرف على الدورة المختلطة العام الماضي مع اخوات معلمات وزميلات في نفس القاعة : أنني أغار من الاخطاء النحوية من خلال استماعي لقارئ بالقرآن الكريم أو المذياع بأي موضوع كان أو لبعض خطباء الجمعة، فما كان من معظم الأخوات المعلمات استغرابهن للتعبير بكلمة (أغار) ؟ حيث أنني اشعر بأن أذناي لم تستسغ أي خطأ نحوي ضمن مقال أو أعلان أو نشرة اخبار أو خطبة جامعة، ولهذا حرصت أن اكون متشدد الانصات بسلامة اللفظ والنطق والمحاكاة من الطلاب الاحباب خاصة بقراءة أي موضوع بدروس اللغة العربية خاصة أو حتى بكلمات الصباح بالاذاعة المدرسية بطابور الصباح يومياً.
وسنرى بهذا الموضوع كيف أن جمال اللغة العربية وسحر الخشوع بتلاوة القرآن الكريم في الصلاة أو في البيت أنها سبب لإسلام آلاف الناس من غير المسلمين (وقد ورد بالاثر : أن البيت الذي يقرأ فيه القرآن الكريم أو ذكر لله تعالى تراه ملائكة السماء مضيئاً كالمصباح في الأرض كما يرى أهل الأرض الكواكب في عنان السماء. فكيف بثواب قارئ كتاب الله كاملاً فله بكل حرف حسنة والله يضاعف لمن يشاء علماً بأنه تم حصر آيات وكلمات وكل حرف من القرآن الكريم الإكترونياً بدقة بالغة جداً وقيل بأن عدد آياته (6236) وعدد كلماته (77437) وعدد حروفه (323671) فلو قمت بختم القرآن الكريم مرة واحدة بالشهر (على أقل تقدير) فإنه سيكون رصيدك الأولي (بدون زيادة كرمه وفضله ورحمته إلى أكثر من 700 ضعف) سيكون (3236710) حسنة، مضمونة في الرصيد المكين باللوح المحفوظ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك احدا. فلم لم تصدق نفسك بأنك في شهر اصبحت من ذوي اصحاب الملايين بل وفي اليوم ممن تملك 107891 حسنة من رب كريم، لم تفنى ولم تصرف ولم تسرق من خزنة لك بالبيت أو بالبقالة أو من بنك عام يحرسه شرطي واحد ؟ سبحانه الواحد الأحد الكريم (علماً أننا في الأردن ولله الحمد لا يوجد شرطة لحراسة البنوك، بل يعتمدون على الإلكترونيات الحديثة منذ قرون عدة سابقة).
الاستخدام اليومي للّغة العربية يزداد سوءاً يوماً تلو يوم، ولا يبدو أنّ في الأفق حلاً لهذه المشكلة المستعصية. فقدت اللغة رهبتها وباتت عرضة للانتهاك المفضوح في معظم المرافق العامة، في الإذاعة كما على الشاشات الصغيرة، في رحلات السفر كما على الهاتف، في الندوات والمؤتمرات. يخاطب قائد الطائرة الركاب بالعربية فيرتكب أخطاء جمّة، أمّا بالإنكليزية فلا. يرفع المواطن السمّاعة فتجيب آلة التسجيل بعربية «مكسّرة»، وإذا أجابت بالانكليزية أو الفرنسية فاللغة سليمة. «تشعل» جهاز التلفزيون فتنهمر عليك الأخطاء من كل حدب وصوب، أخطاء في نشرات الأخبار، أخطاء في الترجمة، أخطاء في الشرائط التي تحتل أسفل الشاشة، ناهيك عن الأخطاء الفادحة التي تُرتكب في الخطب السياسية وغير السياسية التي تبثها الفضائيات. وقد لا تُفاجأ إذا تلقيت بيانات وجدتها حافلة بالأخطاء، كلّ أنواع الأخطاء، وكأن كاتبيها أو محرّريها لا علاقة لهم بلغتهم. لكنك تُفاجأ حتماً إذا تلقيت بياناً يحمل توقيع أحد اتحادات الكتّاب أو الصحافيين العرب، ووجدته مفعماً بالأخطاء. أما الملصقات والاعلانات التي تحتل الجدران والشوارع فلا تحصى أخطاؤها.
هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها لغوياًَ فقط. قد يحق للمرء أن يخطئ في اللغة مثلما يخطئ في أي أمر. هذا على المستوى الفردي أو الشخصي، أمّا أن يُعمّم الخطأ ويصبح رائجاً مثل أي شائعة، فهذا ما لا يمكن الإغضاء عنه. وهنا يجب الفصل بين ما يُسمّي خطأ شائعاً وخطأ لغوياً، فالخطأ الشائع يظل على هامش القاعدة ولو شذّ عنها، أما الخطأ اللغوي فهو خطأ في قلب اللغة وقواعدها.
إنها ظاهرة تتعدّى تخوم الصرف والنحو وتدلّ على حالٍ من الانحطاط الثقافي. فاللغة كأداة تواصل، يجب ألا تلقى مثل هذه اللامبالاة ومثل هذا الإهمال والتقاعس. قائد الطائرة يلم تمام الإلمام بقواعد القيادة الجوية، ولا يمكنه أن يخلّ بها، ومثله يلمّ التقنيون، في الإذاعة والتلفزيون، بأسرار هذين الجهازين الحديثين، وهلمّ جراً. إذاً هناك قواعد لا يمكن جهلها أو إهمالها وإلا وقعت الواقعة التي لا تُحمد عقباها.
ليس مسموحاً في الغرب ارتكاب مثل هذه الأخطاء في الحياة العامة وفي الاستخدام «الرسمي» أو «الوظيفي» اليومي للغة. هذا ما يمكن المرء أن يلاحظه بسهولة حيثما حلّ. وهذه الميزة لا ترجع الى كون الأجانب يكتبون كما يتكلّمون. لقد أسقط علماء اللغة، قديماً وحديثاً، هذه الذريعة التي يتمسك بها البعض لتبرير صعوبة اللغة العربية. وقال هؤلاء أن الكتابة أمر يختلف تماماً عن الكلام، وأن اللغة المكتوبة ليست بتاتاً اللغة التي يُحكى بها. وقد يتذرّع هذا البعض بصعوبة القواعد العربية وتعقّدها وقدامتها وعدم تحديثها لكنّ ما فات هؤلاء أنّ اللغة العربية الراهنة ليست لغة الماضي. لقد شهدت لغتنا حالاً من التحديث الطبيعي بعيداً من أي افتعال أو تحدّ. لغة الصحافة العربية اليوم ليست البتة لغة العصور القديمة ولا حتى لغة عصر النهضة. واللغة الأدبية، في الرواية كما في الشعر والنقد، ليست لغة العصر العباسيّ ولا لغة المقامات. لقد تطوّرت اللغة وباتت مرآة العصر ودخلت اليها مفردات حديثة وأُسقطت منها مفردات فات زمنها، عطفاً على المترادفات التي ظلّت وقفاً على المعاجم. ما من أحد يستخدم اليوم كلمة الفدوكس أو الرئبال ليسمّي الأسد. والأمثلة في هذا القبيل كثيرة جداً.

■ وقع بين يديّ قبل أيام كتاب غاية في الطرافة، يبسّط القواعد العربية ويضعها بسهولة تامة في متناول القارئ العادي، مثل رجل الأعمال أو السياسي أو الطبيب والمهندس. ويكفي هذا القارئ أن يتصفحه حتى يلمّ بما يلزمه من قواعد ليستخدم العربية استخداماً سليماً. يقدّم الكتاب القواعد في طريقة سلسة، متحاشياً الزوائد التي تهمّ أهل الاختصاص، وهو ليس بجديد حتماً وقد سبقته كتب كثيرة في هذا الحقل.
لا تتطلب إذاً، معرفة القواعد الأولى أو البديهية الى الكثير من الجهد. يكفي أن يقرّر القارئ المضي في إجادة لغته الأم، وأن يمضي بجدّ في هذا الأمر، حتى يكتسبها ويتحاشى الوقوع في الأخطاء. لكنّ هذا القارئ الذي يظن أن اللغة العربية أصبحت في وادٍ آخر، كما يُقال، يؤثر العامية التي يتكلمها كل يوم، ويفضّل ألاّ يبذل جهداً في سبيل لغة أضحت، في نظره، لغة الكتب. وهذا خطأ فادح. فالتراجع في استخدام اللغة ليس تراجعاً لغوياً فقط، بل هو تراجع في الثقافة، والتراجع الثقافي يدل على أزمة في الهوية والذاكرة والوجدان العام.
تُرى هل من حلّ لهذه المشكلة المتفاقمة ؟ ليس في الأفق ما يدلّ على أي حل، ما دامت الأخطاء تنتهب لغتنا العربية اليومية، وما دام القائمون على هذه القضية، على اختلاف مشاربهم، غير مبالين، مثلهم مثل الذين يرتكبون الأخطاء، وجميعهم يُمعنون، عن غير قصد، في قتل العربية، هذه التي اعتدنا على أن نسمّيها «لغتنا الجميلة».

■ مشروع النهوض باللغة العربية مشروع أمة.
ويقول د. عبدالعزيز بن عثمان التويجري (المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)) : لا تزال اللغة العربية موضوع اهتمام المثقفين الغيورين وفي طليعة قضايا الأمن القومي في الوطن العربي، بالمفهوم الشامل للأمن الذي ينصرف إلى الحفاظ على المقومات والخصوصيات والهوية العربية الإسلامية والقيم الثابتة التي تضمن استقرار المجتمع وحماية سيادة الدولة وتأمين مستقبل الأجيال الصاعدة.
إن اللغة العربية هي وعاء ثقافتنا وعنوان هويتنا، والمحافظة عليها تعدّ محافظة على الذات وعلى الوجود. وقد سرّني انطلاق مبادرة ثقافية رائدة من سورية هي خطة النهوض باللغة العربية التي تواجه خطراً محدقاً بها من دون شك. ولقد دقت ناقوسَ هذا الخطر، وللمرة الأولى، القمة العربية في دَورَتيْها الأخيرتين في كل من دمشق والرياض. فهو إذن خطر حقيقي، قد يراه البعض محدوداً يمس جانباً من الحياة، هو جانب الثقافة. وما علم هؤلاء أن الثقافة هي الحياة، وأن اللغة هي عصب الحياة.
لذلك فقد اغتنمت فرصة مشاركتي في أعمال الدورة السادسة عشرة لوزراء الثقافة العرب التي عقدت أخيراً في دمشق، فدعوت في الكلمة التي ألقيتها في الجلسة الافتتاحية، إلى أن يتبنى المؤتمر مشروع النهوض باللغة العربية، ليكون مشروعاً عربياً إسلامياً، وأعلنت أن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) ستعرض من جهتها هذا المشروع على المؤتمر العام المقبل، لمناقشته واعتماده ليكون مشروعاً للعالم الإسلامي.
إن مشروع النهوض باللغة العربية الذي طرحته سورية بمناسبة الاحتفال بدمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008م، مشروع عربي حضاري تم قطع مراحل مهمة في تنفيذه، في جهد حكومي بالتعاون والتنسيق بين وزارة الثقافة ومجمع اللغة العربية ووزارتي الإعلام والتربية. وهي تجربة جديرة بالدراسة والاستئناس بها في باقي الدول العربية، وتستحق أن تكون تجربة عربية شاملة تخدم هدفاً عربياً إسلامياً، ينبغي أن يكون فوق كل اعتبار أو حسابات إقليمية ضيقة.
وهذا المشروع يجب أن يُعمَّم على جميع الأصعدة، وليس فحسب على الصعيد الحكومي، لأنه يهم جميع القطاعات، ويمكن أن تساهم فيه المنظمات والهيئات والمؤسسات والجمعيات الأهلية والإعلام العربي، وخصوصاً الإعلام المرئي الذي أصبح يستحوذ على شرائح عريضة واسعة من أبناء الضاد. ومن المؤسف أن الفضائيات العربية لا تولي اللغة العربية الاهتمام الذي يجعلها تساهم في حمايتها والحرص على سلامتها، وبث برامج خاصة موجهة إلى الجمهور العام لنشر الوعي اللغوي وتصحيح الأخطاء السائدة والترغيب في التمسك باللغة العربية والارتباط العقلي والوجداني بها، على غرار ذلك البرنامج التلفزيوني الشهير الذي كان يبث من أكثر من محطة تلفزيونية عربية، قبل عصر الفضائيات، ويخدم اللغة العربية خدمة إعلامية راقية.
إن النهوض باللغة العربية من النواحي كافة يجب أن يتصدّر أولويات العمل العربي المشترك على جميع المستويات. ولا أقول العمل العربي الثقافي التعليمي فحسب، بل أقول العمل العربي العام على مختلف الأصعدة، لأن النهوض باللغة ليس مسألة ثقافية، ولا هي مسألة تربوية تعليمية فحسب، وإنما هي مع ذلك مسألة السيادة والأمن والاستقرار والمصير.
وأنا أتفق مع الدكتور علي فهمي خشيم، رئيس مجمع اللغة العربية الليبي، الذي قال في المؤتمر السنوي السابع لمجمع اللغة العربية بدمشق الذي عقد أخيراً : «إنني أرفض النواح على اللغة العربية وأنها تواجه تحديات وصعوبات، فهي تعيش الآن عصراً زاهراً إذا قارنا وضعها بالماضي، وأن الصحافة منذ خمسين عاماً كانت رديئة جداً على عكس ما هي عليه الآن» وهذا الرأي يؤكد ما كان يردده دائماً أستاذنا الدكتور شوقي ضيف رحمه الله، رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، سواء في أحاديثه ومحاضراته أو في دراساته وكتبه. وقد استندت إلى رأي الدكتور ضيف في كتابي «اللغة والعولمة» و «مستقبل اللغة العربية»، وفي بعض محاضراتي.
ولذلك فإن (النهوض باللغة العربية) تعبير دقيق، فالنهوض يكون من القعود أو السقوط، وكلا الأمرين لا يعني الانهيار والتردي. ومن أجل هذا كان اختيار اسم هذا المشروع، اختياراً حكيماً، فهو ليس مشروعاً لـ (إحياء) اللغة، لأن الأمر لا يقتضي الإحياء، وإنما يتطلب الإنهاض، ليتم للغة الضاد النهوضُ الذي هو المدخل إلى النهضة اللغوية العلمية الحضارية المرتقبة. وفي جميع الأحوال فإن اللغة العربية تحتاج منا إلى تضافر جهودنا لخدمتها ولتجديدها، ولتوفير أسباب النهوض أمامها، لتكون لغة الحياة وليست لغة الكتب التي نسطّر، ولغة المستقبل الذي نصوغه بعملنا المشترك في المجالات كافة، وليست لغة الماضي الذي نزهو به.
 0  0  3653
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:11 صباحًا السبت 9 ربيع الأول 1440 / 17 نوفمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.