من أحدث المقالات المضافة في القسم.

طارق فايز العجاوي.
عدد المشاركات : 36
1439/05/01 (06:01 صباحاً).
عدد المشاهدات : ﴿﴿4005﴾﴾

أمننا الفكري .. والعولمة ــ بحث علمي.
في الواقع أن عمليات التثاقف بين المدنيات والشعوب على امتداد سطح الكوكب أصبحت مهددة وذلك ضمن أهداف وأسس ومعايير تتداخل فيها كافة مكونات أمم الأرض وذلك نتيجة حتمية للتطور الهائل الذي حصل في تقانات الاتصال والمعلومات والزيادة في نفوذ أولئك المتلاعبين بمصالحنا وعقولنا فباتوا يملكون الهيمنة الفكرية ونضيف لها الهيمنة اللغوية على اعتبار أنهم يملكون الرأس مال التقني والفكري الذي قطعاً تحول وسيتحول إلى رأس مال مادي يؤدي حكما إلى هيمنة الأقوى على الأضعف تقانياً وثقافياً وفكرياً وذلك بحكم القاعدة التي تقول بأن الضعيف يخلق القوي فان من يملك القوة قادرا قطعا على الهيمنة على الأضعف الطرف الضعيف وهي معادلة منطقية في عرف التحول الاجتماعي الذي يعيه الجميع ولذلك ففي أجواء المنافسة غير المتكافئة بين من يملك أدوات القوة من معرفة فائقة ومتفوقة مضافا لها التطبيقات التقنية أضحت القضايا المثارة حول العيش لسكان الأرض قاطبة قائمة على هيمنة القوي وتبعية الضعيف في شتى السبل والمجالات ولابد من الإشارة إلى نقطة غاية في الخطورة ونحن بهذا الصدد ألا وهي أن هذا الأمر لم يتوقف فقط على محاولات المالكين الجدد لمصادر القوة والقادرين على الهيمنة على مصير المناخ والبشر على سطح الكوكب بل إن حالة ووضع منطقتنا العربية جعلت القوى الإقليمية تطمع وتطمح في الوقت ذاته في الهيمنة على العقول بل أقول مصير ومذاهب الشعوب العربية التي تدور في حلقة مفرغة غائبة بل مغيبة كونها تهتم بقضايا هامشية صغيرة وإنها تلتف وتتمحور حول وضعها القائم من دون النظر والاستعداد لوضع استراتيجي خطير وقادم لا محالة، وهذا الأمر بحد ذاته يعظم بل يكرس عوامل الفرقة والتفرقة فيما بيننا نحن أبناء الأمة ذلك بدلاً من اعتمادها الجماعي على الذات ناسية بل أقول متناسية ذلك الخطر الداهم الذي لا يبقي ولا يذر.
حقيقة هذا الوضع الشائك يجب أن يجعل المفكرين العرب أن يدقوا أجراس الخطر في حمانا العربي بكافة شرائحه وأنا أرى أن الجيل الصاعد يجب متابعته حثيثة كونهم في هذه المرحلة هم الهدف وهو المعرضون للاستقطاب خصوصا أنهم مغيبون جهلاً أم قصداً عن هذا الواقع وهو أيضاً الأكثر اتصالاً بكل وسائل التواصل الحديثة أضف إلى ذلك ضعف الآليات الموجِّهة لهم وخاصة في مجال تنمية الفكر النقدي المحصِّن للفرد من الميل والغواية العولمية الإلكترونية الأمر الذي يدعهم لقمة صائغة وهدف سهل قد يوقعهم في شراكٍ وفخاخ (الدوجماطيقية المذهبية) التي قد تعصف بهويتهم وانتماءاتهم بحضاراتهم وهويتهم ومجتمعهم الذي تربوا وترعرعوا في كنفه تحت مسميات ودعاوى مذهبية أو تحت دعاوى العولمة وما بعد الحداثة وأيضاً ما بعد الذكورية التي تتطلب قطعاً الكيانات متعددة ومتعدية الجنسيات تنمية الفردية والمشروع الخاص ويليها تفكيك المؤسسات التي تقوم عليها الدول الحداثية وأهمها وأخطرها هي مؤسسة الأسرة الحلقة الأولى في التكوين البشري.
وارى في ظل غياب الأسرة وضعف الاهتمام بالتفكير النقدي في مؤسسات التعليم ومع انتشار تقانات الاتصال والمعلومات الحديثة التي أرى أنها يسَّرت ديمقراطية المعرفة وتشظِّي الثمن والغث من المعلومات ومع تعاظم وتنامي الكيانات متعددة ومتعدية الجنسيات وأيضاً انتشار القيم الفردية هشاشة الدولة القومية الحداثية نمت وترعرعت الاتجاهات العرقية المذهبية أضف إلى ذلك أيضا ضعف الاهتمام بقضايا الانتماء القومي هذا حقيقة مدعاة لأني يصبح الاهتمام بقضايا توعية وتعليم جيلنا الصاعد وهم أمل المستقبل وقادته يجب أن تكون من المسائل الهامة والمفصلية التي تدخل ضمن إطار الأمن القومي لبلادنا العربية وكما هو معروف لدينا أن العولمة منطقها يقتضي الاعتراف بالتنوع الخلَّاق بين الثقافات فان الحقيقة والواقع يشهد هيمنة المالكين الجدد للمعرفة التقانية عالية الدقة إلى المدى الذي يعيق تكوين مواطن منتمٍ لمجتمعه يفاخر بتراثه وقيمه ولغته ليحل بدلاً منها إنسان كوكبي مجرد من هويته يفكر ويسلك وفق التوجهات الكوكبية لا يملك خياره بل تابع لا حول له ولا قوة.
الثابت تاريخياً أن عمليات الضبط الاجتماعي كانت أكثر سهولة لمن يملك القوة في المجتمع وبيده أيضاً السيطرة على مؤسساتها المناط بها وظائف الإرشاد والتوجيه والرقابة والتحكم والقوة ..إلخ، في سلوكيات وعقول البشر ولكن أصبحت في ظل العولمة ضعيفة من السهل النيل منها وبالتالي أضحت مؤسسات الضبط الاجتماعي للدول أمام هيمنة الكيانات متعدية ومتعددة الجنسيات إعلامياً واقتصادياً ولهذا ونتيجة حتمية ضعفت سيطرة المجتمعات على السلوكيات وعقول أفرادها وأصبحت مفاهيم المواطنة والمواطن بل والانتماء المجتمعي برمته في موضع التساؤل حيث بدأت إرهاصات وبوادر لتكوين الإنسان الكوكبي غير المنتمي لمجتمع محدد.
وعليه أرى أنه علينا استبدال معايير الضبط الاجتماعي لتفعيل آليات الضبط الذاتي الداخلي لذا نجد أن الذاتي والفردي والنفسي مستدخل ومستدمج ومكتسب من المحيط والوسط الاجتماعي بل أرى أن الاجتماعي أضحى متناهيا مع ما هو كوكبي وعالمي وذلك نتيجة الانتقال اليسير والسريع للأفكار والبشر ومنتجاتهم ضمن إطار العولمة وهذا الانتقال العابر للقارات اضعف قطعاً مؤسسات الضبط الاجتماعي وسهل هيمنة الدخيل الوافد من حيث المعايير والقيم والاتجاهات التي قد تهدد الهويات القومية ويتعرض من خلالها الفرد للغواية الفكرية وخاصة حين تكون مهيأة للإستغزاء حين تكون أساليب وأهداف التربية تستهدف تكوين شخصية تابعة لا تمارس التفكير الناقد والتفكير التباعدي والتفكير الإبداعي الذي هدفه الحض على التنوع والاختلاف الخلاق مما يسهم في تكوين عقلية (دوجوماطيقية) مستعدة ومهيأة للإستغزاء وللاستقبال غير الناقد للمعلومات العلمية والخرافية والأيديولوجية المتناثرة عبر تقانات الاتصال والمعلومات الحديثة.
وأرى ونحن ضمن هذا السياق أن على التربويين وفي المقام الأول القيام بعمليات محو جرثومة ووباء التخلف (الدوجوماطيقية) التي هي نتاج التعصب والمولدة له في ذات الوقت.
بعد هذا أرى أن هذه إشكاليات يجب تجاوزها كي نعي ما يدور حولنا وبالتالي تحقيق قدر من التوازن يعيد الأمور إلى نصابها.
وعلينا إدراك نقطة في غاية الأهمية وهي أيضاً من المسلمات ألا وهي أن التشظي في المعلومات المتناثرة عبر تقانات الاتصال والمعلومات الحديثة تستلزم من المستخدم لتلك المعلومات التمكن من كفايات علمية وقدرات نقدية قادرة على تحويل المعلومات إلى معرفة عن طريق التمكن من مهارات المقارنة والتصنيف والاختيار أو المفاضلة بين البدائل المطروحة لحل المشكلات كما يوفر (المنهج النقدي) القدرة على كشف التناقض بين النصوص والواقع وبين ثنايا النص.
وأيضاً من البديهيات التي علينا إدراكها أن الوجود الفاعل في سياق الكوكبية التي تكرس العيش المشترك بين جميع البشر المختلفين ثقافيا وفكريا يتطلب التعامل مع المتناقضات واستيعاب الجديد من الأفكار والتفكير كوكبياً مع عدم ذوبان أو فقد الهوية كل ذلك يتطلب نزع (الدوجوماطيقية) المولدة للتعصب من عقول الناس وإفساح المجال لتفتح العقل والطبع.
ولقد تطلب وهو أيضاً معطى مسلم به التوحيد القياسي لمواصفات المنتجات عالمياً (الآيزو) أن تلتزم نظم التعليم بمعايير للجودة ولكن الجودة في التعليم بقدر ما تتطلب بنية مؤسسية تقانات وبرامج ومناهج تعليمية وتعليمية إثرائية وهذا يتطلب كفايات متعددة عالية لمعلم موجه وخبير وميسر للعملية التعليمية وعلى وعي تام بطبيعة أدواره المتعددة وهي : (تعليمية - اجتماعية - نفسية - أخلاقية - إدارية - سياسية)، وهذا بالضرورة يدل على أن نوعية المعلمين دالة على الأداء وعلى مدى الجودة نتيجة قدراتهم على تعظيم الإمكانات أو هدرها على اعتبار أن فاقد الشيء لا يعطيه وبالمنطق ليس من المعقول أن نطلب من معلم غير مبدع تكوين طالب مبدع خلَّاق كمثل الذي يطلب ممن يعاني من مشكلات أخلاقية ونفسية أن ينشئ جيلا سليما سويا يتحلى بالأخلاق الحميدة ويمكن القول مع بعض التجاوز أن الجودة لا تحقق من دون معلم خبير في مجاله وعلمه سوي وملتزم بأخلاقيات ورسالة التعليم وهذا ضرورة كي يجني المعلم ثمار ما زرع فمعلم ناجح ينشئ جيلاً ناجحاً مبدعاً خلاقاً.

وأنا أرى أن هناك أربع خطوات تكاملية تنجح بهما العملية التعليمية في ظل (معطيات معاصرة) فرضها التقدم الملحوظ في مجال وسائل تقانات الاتصال وهي باعتقادي ركائز لابد من التزامها كي نضع الأمور في نصابها :
• الركيزة الأولى : مهارات التفكير الناقد.
• الركيزة الثانية : أدوات العمل وآلياته.
• الركيزة الثالثة : الذات وإدارتها.
• الركيزة الرابعة : مهارات التخطيط وتنميتها.

وبعد فعلى كياناتنا العربية التي تولي الاهتمام بقضايا الأمن بصوره (أمن الدولة - الأمن الغذائي - الأمن المائي - الأمن العام) حريٌّ بها أن تولي جليل الاهتمام بما هو أكثر خطورة في ظل معطيات معاصرة ألا وهو الأمن الفكري.

◂يلتزم منتدى منهل الثقافة التربوية بحفظ حقوق الملكية الفكرية للجهات والأفراد وفق نظام حماية حقوق المؤلف بالمملكة العربية السعودية ولائحته التنفيذية. ونأمل ممن لديه ملاحظة على أي مادة في المنتدى تخالف نظام حقوق الملكية الفكرية مراسلتنا بالنقر على الرابط التالي ◂◂◂ ﴿هنا﴾.