• ×

05:43 صباحًا , الأربعاء 30 ربيع الثاني 1439 / 17 يناير 2018

◄ علم التوقيت : السنة الرومية العثمانية المالية أو التقويم الشمسي العثماني.
عندما كنتُ أقوم بدراسة السجلات العثمانية للمحاكم الشرعية في مركز الوثائق التاريخية بدمشق، كنت أجد هذا التاريخ في بعض الأحيان، وبعد الدراسة والتتبُّع وجدت بعض المصادر تتحدَّث عن ذلك؛ فقد ذكر الدكتور عدنان الخطيب - يرحمه الله - (الأمين العام السابق لمجمع اللغة العربية بدمشق) تعريفًا له بعنوان : "السنة الرومية العثمانية المالية"، في كتابه المفيد :
"الجامع لفضائل العلامة طاهر الجزائري" (ص : 106) فقال [1] : "هذا التعبير يوصف به التاريخ العثماني الذي نجم عن قاعدةٍ ابتدَعها العثمانيون لتنظيم قيود الدولة المالية، تأسيًا بما حدث سنة 363هـ في العهد العباسي من جعل كل ثلاث وثلاثين سنة قمرية مُساوية اثنتَين وثلاثين سنة شمسية؛ لتتمَّ بذلك الموازنة بين مصروفات الدولة وأوقات جباية وارداتها، وتقضي تلك القاعدة بأن تبدأ السنة المالية في أول شهر مارث أو مارس (آذار)؛ أي : كما كانت تبدأ السنة الرومانية، على أن تنسب السنة الجديدة إلى السنة القمرية الهِجرية التي يدخل الشهر المذكور فيها، ثم يُصحَّح تاريخها بحذف سنة واحدة في كل ثلاث وثلاثين سنة، ولما كان أول مارث الذي مرَّ عقب جلوس السلطان عبدالمجيد الموافق ليوم التاسع من شهر المحرم 1256هـ أو للأول من آذار (مارس) سنة 1840م بالحساب القديم غير المصحَّح بالحساب الغريغوري، فقد اعتُبرت سنة 1256هـ مبدأً للتاريخ المالي الجديد، ثم حدث أن طبعَت الحكومة سندات رسمية لم يُلحظ فيها حذف سنة 1288 المالية، فلمَّا بدأت هذه السنة عُرف الخطأ، وأخذت السلطات تدرس الوسيلة الواجب اتِّباعها لتصحيح هذا الخطأ، ولكنه استمر استعمال التاريخ المالي غير المصحَّح، وبعد إعلان الجمهورية التركية قررت الحكومة الاكتفاء باستعمال التاريخ الميلادي المصحَّح بالحساب الغريغوري ابتداءً من أول كانون الثاني (يناير) 1926م".

وفي دراسة الدكتور محمد صديق الجليلي في هذا الموضوع التي نشرها في مجلة المجمع العلمي العربي سنة 1972 (ص : 227 - 239) يُعطينا صورة واضحة عن هذا التاريخ وسلبياته، ويقدم في آخر بحثه جدولاً بالسنين المالية الرومية وما يُقابلها بالميلادية والهجرية، بدءًا من سنة 1256 رومية، وما يُقابلها بالميلادي 1840، وبالهجري 1256هـ، فيقول :
إن التقويم الذي كان مُستعملاً في العهد العثماني هو التقويم الهِجري القمري إلا أن الدولة اتخذت في العصور الأخيرة نوعًا من التقويم الشمسي سُمِّيَ بالسنين المالية الرومية؛ لأسباب مالية، وهي :
● لما كانت السنة القمرية أقصر من السنة الشمسية بمِقدار 11 يومًا كانت الأشهُر القمرية غير ثابتة بالنسبة لفصول السنَة؛ فهي دائمًا تتنقَّل بين الفصول، فيأتي شهر محرم أحيانًا في فصل الصيف، وأحيانًا في فصل الشتاء، وحيث إن المواسم الزراعية والحاصلات تتوقَّف على سير الشمس والفصول، كانت الأشهر القمرية - والحالة هذه - غير صالِحة لذلك.
● لما كان كل 33 سنة شمسية تساوي 34 سنة قمرية (65 سنة شمسية تساوي بالضبط 67 سنة قمرية إلا يومًا واحدًا وثلث اليوم)، كانت الدولة العثمانية - والحالة هذه - تدفع لموظَّفيها رواتب 34 سنة كاملة، في حين كانت هي تَستوفي واردات 33 سنة فقط، ويكون في ذلك - كما لا يَخفى - ضرر فاحش لبيت المال، وعليه قررت الدولة العثمانية في العصور الأخيرة اتِّخاذ نوع من التقويم الشمسي، سُمِّي بالسنين المالية الرومية، كما يلي :
1- أخذت عدد أيام الأشهر ونظام الكبس مِن التقويم اليولياني.
2- أخذت أسماء الأشهر الكلدانية التي كانت مُستعملة في هذه البلاد بعد استِبدال أسماء ثلاثة أشهر منها فقط؛ وهي: مارت عوض آذار، ومايس عوض أيار، واغستوس عوض آب.
3- جعلت رأس السنة أول مارت (آذار)؛ وذلك لقربه من موسم الحاصِلات، وكما لا يَخفى أن أول مارت كان أيضًا رأس السنة في التقويم الروماني القديم.
4- أخذت السنين الهجرية القمرية لهذا التقويم، وكان ذلك خطأً كبيرًا؛ إذ خلطت سنين قمرية بسنين شمسية؛ حيث كان في الإمكان استعمال سنين هجرية شمسية منذ السنة الأولى التي حدثت فيها الهجرة الشريفة.
5- تقرَّر إجراء الزحف أو ما سُمِّي بالتركية (سوروش) كلما بلغ الفرق بين السنين الشمسية المالية والسنين الهِجرية القمرية سنةً كاملة؛ وذلك بالرجوع للسنين الهجرية؛ كي لا يكون هناك فرق بين التقويمين في عدد السنين، وكانت عملية الزحف هذه تَجري بموجب أوامر تصدُر من استانبول إلى الولايات العثمانية كلما حان الوقت، وآخر مرة جرَت عملية الزحف هذه في التقويم المذكور كانت سنة 1256 الهجرية كما يأتي :
عند حلول أول المحرَّم من سنة 1256 الهجرية كانت سنة 1254 المالية الرومية على وشك الانتهاء؛ حيث كان :
• 1 محرم سنة 1256 يوافق 21 شباط سنة 1254 مالية رومية، و9 محرم سنة 1256 يوافق 1 مارت سنة 1255 مالية رومية، وعليه صدرت الأوامر بإجراء الزحف؛ وذلك بإسقاط سنة 1255 المالية الرومية، والزحف من آخر سنة 1254 إلى أول سنة 1256 المالية الرومية، واعتِبار يوم 9 محرم 1256 يوافق يوم 228.
• أول مارت سنة 1256 مالية رومية، وكانت عملية الزحف هذه آخر عملية تجري على التقويم المذكور؛ حيث أهملت بعد ذلك فأخذ الفرق بالتزايُد بين التقويمين الهجري والمالي من حيث عدد السنين إلى الوقت الحاضر.

مما تقدَّم يتضح للقارئ الكريم مقدار التعقيد الوارد في هذا التقويم، والارتباكات التأريخية الكثيرة التي نتجَت عن استعماله، ولو كان قد اقتصر على استعماله في الأمور المالية فقط لهان الأمر، إلا أنه استعمل في سائر شؤون الدولة وأُرِّخت بموجبه - لا سيما في الأجيال الأخيرة من العهد العثماني - سائر المُخابرات الرسمية والوثائق وسجلات النفوس والحوادث التاريخية والحوليات التي كانت تَصدُر في الولايات العثمانية.
■ د. محمد مطيع الحافظ ـ مكتبة الألوكة.
الكاتب : مكتبة منهل
 0  0  1773