• ×

11:57 صباحًا , الأحد 9 ذو القعدة 1439 / 22 يوليو 2018



◄ أثر الخطابين : (السياسي ـ الديني) في التاريخ الإسلامي ـ قراءة موجهة.
جاء الإسلام بجملة من القيم النبيلة التي هدفها دون أدنى شك إسعاد بنى البشر وهى كثيرة وجليلة منها الإخاء والمساواة والمحبة والسلام والحرية بقيمها الثابتة والعدالة بأشكالها، وبالمجمل جميع قيم الإسلام هي مطلب لكافة أمم الأرض. كيف لا وهى الرسالة التي جاءت للبشر كافة وجاءت وسطية فلا هي مادية بحتة ولا هي روحية بحتة، فكانت النبراس للبشرية بقضها وقضيضها الطريق وكانت الرسالة الكاملة الشاملة التي تخلو من المثالب والعيوب - باعتبار المصدر - وهذا واضح لكل منعم للنظر سالكا لدرب الحق والحقيقة، وهي قطعاً الرسالة التي توافق الجبلة الإنسانية السليمة والفطرة التي لم يطالها التلوث وهذه الحقائق اذعن أمامها الآخر، والدلائل كثيرة والشواهد ماثلة أمامنا. فالإسلام العقيدة والشريعة طال بالتنظيم كافة جوانب الحياة ولم يهمل حتى أدق التفاصيل بينما نجد الوضعي من الأيدلوجيات تغص بالمثالب والعيوب وكان سقوطها حتمي لأنها لا توافق الفطر السليمة في النفس الإنسانية بينما الإسلام بكل قيمه ومبادئه يوافق الفطر السليمة بكل ما حوت وبأدق التفاصيل باعتبار المصدر وهو الخالق الذي يعلم أدق تفاصيل هذه النفس الإنسانية ويعلم مكنوناتها وخفاياها لهذا كانت الموافقة تماماً لتلك الجبلة والفطرة البشرية ودونه تنعدم القدرات فكثر أولئك المارقين الذين حاولوا تشويه تلك الحقائق الإسلامية ولكن دون جدوى فالعجز حليفهم والعيب رفيقهم والنقص شاهدهم وذهبت أطروحاتهم أدراج الرياح وكانت في مزبلة التاريخ شاهدا على عجزهم فما ينفع هو الماكث.
فانعم بالإسلام وبرسالته الإنسانية بكل ما فيها الرسالة التي تكفل الخالق بحفظها وهذا بحد ذاته صيغة إعجازية فلم يطلها التحريف ولا التشويه رغم كل العاديات وذلك مصداقاً لقوله تعالى : (نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) نعم أيها السادة تكفل الله بدستور هذه الأمة - القرآن الكريم - وبالفعل كان الشاهد على ذلك على اعتبار أن التحريف والتشويه لم يطاله فبقى دستورنا المنزل من الله وهذا هو الإعجاز بعينه.
فعلاً للإسلام سحر تلك الطاقة الخلاقة التي طالت الإنسانية جمعاء وكان للحضارة الإسلامية ذلك الوهج التاريخي من قيم أصيلة ومتأصلة ومن ممارسات نبيلة أذهلت البشرية جمعاء ولقد تأصلت الأسرار الحقيقية لحضارة الإسلام في تلك القيم الجليلة من محبة وإخاء وسلام ومساواة واستطاعت هذه القيم أن تجد من يتمرس بها ومن يحققها ويجسدها بصورة واقعية في التطبيق لا تقبل الجدل ولا الشك وفى الخلفاء الراشدين لنا أسوة حسنة بالفعل جسدوا قيم الإسلام ومبادئ الحق ولقد ادهشوا أمم الأرض قاطبة بقدرتهم الهائلة على تمثل قيم الإسلام وتجسيد نظريته على أرض الواقع وبصورة حقيقية فعمت وانتشرت قيم التسامح والحرية والعدل والحق في أرجاء الأرض كافة.
فكان الإسلام بكل ما حوى من قيم ومثل ومبادئ هو الأنموذج الذي تسعى إليه الشعوب وتطالب فيه الأمم وتناضل في أثره طلباً للحرية وللمساواة والعدالة الاجتماعية فالحضارة الإسلامية قد ازدهرت مقاماتها ونمت على أساس هذه الخلفية التاريخية للمارسة الإسلامية الصادقة، ولكن عندما انحسرت الممارسة الحقيقية لقيم الإسلام وبدأت في الانحسار - بمعنى التطبيق - بدأت مرحلة التراجع الحضاري وهى حكما عندما خباء وهج الممارسة الحقيقية لقيم الإسلام ولمبادئ تشريعه العظيم سرعان ما بدأت مرحلة الانحسار التاريخي للوهج الحضاري الإسلامي، وبانحسار هذا الوهج انتشرت وعمت المظالم الاجتماعية وغابت الشورى بقيمها النبيلة الثرية في الممارسة السياسية وطفى على السطح الاستبداد والقمع السياسي وغربت قيم الاجتهاد والعقل حتى بالفعل تشتت طاقات أمة الإسلام وبدأت شمس الحضارة العربية الإسلامية بالغروب ولسان حالها يقول :
يسعون في خفضي واطلب رفعهم • • • شتان بين مرادهم ومزادي

وأنا أقول أيها السادة واطلق على هذه المرحلة - مرحلة الظلام - التي يؤرخ لها في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي حيث عم الظلم وساد القهر وتراجعت قيم السلام والمودة والألفة التي نادى بها الإسلام وعلى اثر ذلك ظهر أن التراجع الحضاري والانحسار التاريخي للمد الثقافي الإنساني الإسلامي قد ترافق وتلازم بانحسار الحضور الحقيقي لحقوق الإنسان التي كما اشرنا انفا تجسدت في القيم الإسلامية وفى مبادئ الدين الحنيف. حيث عمت قيم الظلم والاستغلال والتعصب والاستبداد فغابت الحضارة لغياب تلك الروح القيمية التي دعا إليها الإسلام وعمل من اجلها رسول الله عليه الصلاة والسلام وقادة المسلمين وأفذاذهم الغر الميامين.
الواقع أن حركة التراجع الحضاري لمعت منذ اللحظة التاريخية التي ثار فيها نفر من المسلمين على ولاية عثمان بن عفان رضى الله عنه واشتعلت نار الفتنة بمقتله فدارت رحى الحروب والفتن وبداء التاريخ الإسلامي يسجل المأساة تلو المأساة وكثرت وعمت الفواجع على اثر ذلك ورغم هذه المحطات المأساوية في تاريخنا الإسلامي نهض رجال عظماء حاولوا أن يعيدوا للرسالة ألإسلامية القها ووهجها وان يعيدوا للمسلمين مفاخر وأمجاد العطاء الإسلامي والروح الإسلامية الخلاقة أمثال الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز وهارون الرشيد والمعتصم والأمين والمأمون والقائمة تطول الذين حاولوا جاهدين أن يعطوا دفعة حيوية للممارسات الإسلامية الحقيقية الصادقة.
وفي خضم الصراع على السلطة ظهرت إلى الوجود فرق سياسية ودينية متنازعة فانتقل المسلمون من حالة التجانس المطلق في الفكر والعقيدة والمذهب إلى حالة التنوع والتعدد والاختلاف ومن حالة التوافق التام إلى حالة من الضياع والاصطراع في مختلف وشتى المجالات الدينية والمذهبية والسياسية حيث سالت الدماء وأزهقت الأرواح ظلماً وعدواناً وقهراً وبدأت تتلبد الغيوم الحالكة السواد لتخيم بظلالها القاتمة على عالم المسلمين حاجبة ذلك الإشعاع الحضاري للإسلام مغيبة بذلك قيم ومعاني الحرية والإخاء والإنسانية السامية فعاشت الأمة الإسلامية ولا سيما في العصر العباسي الثاني عصر القهر والضعف والاستبداد السياسي وحالة غياب كامل لتلك القيم الحضارية وحقوق الإنسان التي وهبها الله جلت قدرته للمسلمين والبشر وبداء الظلم يحل مكان العدل والقهر مكان الرحمة والتعصب مكان التسامح بمعنى غياب جليل للقيم التي نادى بها الإسلام.
الشاهد أن التاريخ يعلمنا أن أي حضارة تزدهر وتمتد وتثمر كلما تأصلت قيم المساواة والعدالة وحقوق الإنسان بتشعباتها المختلفة والثابت أن أي حضارة خالطها التعصب والظلم والجهل والتسلط وغياب الحرية شمسها لا محالة غائبة وهذا يدلنا ويرشدنا إلى أن حقوق الإنسان التي تتمثل في الحرية والديموقراطية والتسامح هي مقومات الوجود الحضاري لأي حضارة عرفها التاريخ الإنساني.
لقد ثبت تاريخيا إنه يمكن للإرادات الإنسانية الصادقة أن تلعب دوراً جوهرياً في صنع الحضارة وهذا يتطلب أيضاً المحافظة على مقومات وجودها ولكن هذا التاريخ أيضاً يؤكد أن المجتمعات الإنسانية تنطوى على قوى اجتماعية وتاريخية هدفها وغايتها نيل ملذات الحياة وزخرفها وتضحى بالمبادئ والعقائد والقيم من اجل وضعية دنيوية تمتلك فيها المقدرة فتعيث في الأرض فساداً من ظلم وجور وفتكا، ولكن هي المفاجأة التاريخية أن ثلاثة من اهم عمالقة القيادة في صدر الإسلام ومن اكثرهم صدقاً وحمية للخير ومبادئ الإسلام بقيمه ومثله قد طالتهم يد الخيانة وتعرضوا للاغتيال السياسي.
فقد سقط الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه شهيداً راضياً مرضياً وقد وقع ضحية مؤامرة سياسية وذلك باعتقادي بسبب إقامته حق الله وتصديه للفساد والفاسدين ووقوفه في وجه الطبقات الأرستقراطية التي كانت تسعى وبكل السبل للوصول للحكم والسلطة ولقد قام بأعمال من شانها أن تهدد مصالح شريحة من الفئات الاجتماعية التي هدفها الاستيلاء على السلطة. ولقد اشتهر عن الفاروق تلك المقولة التي أعجزت الأدبيات الإنسانية على مر العصور وستبقى شاهداً على عظمة ديننا وعلى عدالته بكل ما حمل من قيم ومثل كرمت الإنسان وصانت كرامته واحترمت إنسانيته وهى التي تمثلت بقوله رضى الله عنه (والله لو أنني استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضل أموالهم ورددته ألي الفقراء فلا يبقى هناك فقير أو غنى) وهى بحق من اعظم المقولات في تاريخ الإنسانية جمعاء. ولقد اجمع الدارسين لتاريخ هذا الرجل العظيم رحمه الله أن هذه المقولة البت عليه أغنياء المسلمين وغير المسلمين الذين ارهبهم قول الفاروق وأيضا صفاته وآلتي اجلها انه كان حازما صارما في حبه للمساواة والعدالة كل هذه مجتمعة جعلت طبقة التجار والعسكريين التي أهدافها لا تخفى على احد ان تنقم على عمر وتخطط لتخلص منه واغتياله.
وهناك كثر من عمالقة حضارة الإسلام طالهم ما طال عمر نذكر منهم على بن أبي طالب رضى الله عنه والتي حقا تظهر مآسي الصراع بين الحق والباطل بين إرادة الإسلام المتمثلة في طهارة الغاية وقيم الحب والخير والسلام إلى غير ذلك من مزايا وإرادة الحياة الدنيا المتمثلة قي الظلم والفساد حيث حمل على كاهله تركة ثقيلة جداً ودخل في سلسلة من الصراعات التاريخية المدمرة صونا لحقوق المسلمين وحرياتهم انتهت باغتياله وكان هذا الاغتيال سبب خروج المسلمين من دائرة الشرعية التي تمثلت بالشورى والبيعة والحق إلى دائرة أشبهها بالحكم العرفي البغيض الذي قطعاً يجافى العدل.
وخلال هذه المرحلة الكل يعرف ما حدث من إراقة الدماء بلا ثمن ليس إلا لمأرب شخصي والمعلوم لدينا أن عمالقة الحضارة الإسلامية وعظمائها مع إيمانهم الراسخ بالإسلام وبرسالته ومدى عبقريتهم التي من خلالها أدركوا معاني السياسة والغايات الكبرى للوجود الإنساني جميعها شكلت المبادئ والمنطلقات التاريخية التي دافعت عن قيم الإسلام والقوى التي رسخت قيمه ومفاهيمه وهى الحصون التي عنيت بحماية مكاسبه التاريخية.
في ظل هذه الحضارة العظيمة برسالتها وهذا الزخم من قادة وعباقرة نجد هذه المكاسب التاريخية للإسلام تبددت وتلاشت بشكل تدريجي مع وصول أصحاب النفوس المريضة التي هدفها وغايتها الدنيا وسنام طلبها الجاه والسلطة والحكم بدأت بالفعل تقرير مصير الدولة الإسلامية فعملت جاهدة على توظيف العقيدة لخدمة أهدافها ومصالحها بدلا من أن توظف وجودها لخدمة الإسلام ورسالته أسوة بالسابقين من الخلفاء الراشدين.
وفى ظل هذه المعادلة السياسية فقدت القيم والمثل جوهرها والقها - قطعا في مجال الممارسة - لأن القيم الإسلامية هي ذاتها لا تتبدل ولا تتغير - وتم تزييف كثير من التصورات والمفاهيم الإسلامية لتلائم مصالح الحكام وتعبر عنها وتجسد في ذات الوقت مصالح وأهداف طبقة سياسية واجتماعية وعسكرية رفعت أهدافها فوق كل عطاءات الإسلام الإنسانية.
وفى ظل هذه المقدمات اصبح الدين خادما للسياسة ولأربابها وشاهد قولنا أن أبو جعفر المنصور كرس ذلك بقوله : (أيها الناس لقد اصبحنا لكم قادة وعنكم زاده نحكمكم بحق الله الذي أولانا وسلطانه الذي أعطانا وأنما أنا سلطان الله في ارضه وحارسه على ماله جعلني عليكم قفلا، إن شاء أن يفتحني لإعطائكم وإن شاء يقفلني) نجد هذا الخطاب نابع من نفس تسلطي فيه مطلق الاستبداد السياسي والاجتماعي، ونبرز صدق قولنا بما قاله الفاروق عمر بن الخطاب : (والله لو تعثرت ناقة في العراق لكنت مسؤولاً عنها) هنا نلمس مدى الأصالة في نفس هذا الرجل بحمله الإسلام في قلبه وعقله بكل ما جاءت به هذه الرسالة من سمو في القيم والمثل والمبادئ التي كرمت الإنسان وصانت إنسانيته، فهو يرى أن الحكم تكليف وليس تشريف وهو مسؤولية مقدسة وحملا ثقيلا وذلك حبا بالله وبرسالته بينما نلمح الدنيوية في خطاب المنصور الذي يرى أن الحكم عطاء ونعمة من الله ينعم بها على الحكام ويدين لهم عبر هذا العطاء رقاب العباد وعطايا البلاد.
والشواهد في التاريخ الإسلامي كثيرة يصعب حصرها وسنورد شاهداً آخر للدلالة على ذلك خاصة قي مفهوم الحكم والسلطة ذلك الخطاب الديني السياسي من خدمة العقيدة إلى خدمة السلطان فها هو الفاروق رضى الله عنه يقول : (أن راءيتم اعوجاجاً فقوموني ما أنا إلا كأحدكم فأعينونا على نفسي بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم ومنزلتي من مالكم كمنزلة ولى اليتيم من ماله) بينما في المقابل نجد احد الخطباء ويشير إلى معاوية فيقول : (إن هذا هو أمير المؤمنين فان مات فهذا هو خليفته - يقصد يزيد - ومن تحدى فالحكم لهذا - ملوحاً بالعصا - فهتف اتباع معاوية استحسانا ومن ثم اعتبر معاوية هذا موافقة بالإجماع أو بيعة له. والمعلوم لدينا أن عمالقة الحضارة الإسلامية وعظمائها مع إيمانهم الراسخ بالإسلام وبرسالته ومدى عبقريتهم التي من خلالها أدركوا معاني السياسة والغايات الكبرى للوجود الإنساني جميعها شكلت المبادئ والمنطلقات التاريخية التي دافعت عن قيم الإسلام والقوى التي رسخت قيمه ومفاهيمه وهى الحصون التي عنيت بحماية مكاسبه التاريخية.
فى ظل هذه الحضارة العظيمة برسالتها وهذا الزخم من قادة وعباقرة نجد هذه المكاسب التاريخية للاسلام تبددت وتلاشت بشكل تدريجى مع وصول اصحاب النفوس المريضة التى هدفها وغايتها الدنيا وسنام طلبها الجاه والسلطة والحكم بداءت بالفعل تقرير مصير الدولة الاسلامية فعملت جاهدة على توظيف العقيدة لخدمة اهدافها ومصالحها بدلا من ان توظف وجودها لخدمة الاسلام ورسالته اسوة بالسابقين من الخلفاء الراشدين، وفى ظل هذه المعادلة السياسية فقدت القيم والمثل جوهرها والقها - قطعا فى مجال الممارسة - لأن القيم الاسلامية هى ذاتها لا تتبدل ولا تتغير - وتم تزييف كثير من التصورات والمفاهيم الاسلامية لتلائم مصالح الحكام وتعبر عنها وتجسد فى ذات الوقت مصالح واهداف طبقة سياسية واجتماعية وعسكرية رفعت اهدافها فوق كل عطاءات الاسلام الانسانية.
وبناءا على ما تقدم يمكننا القول ان القلوب الطيبة والارادات السليمة العامرة بالايمان لم تجدى نفعا لحماية المكاسب الاسلامية ذات الطابع الروحى التى هدفها الانسان وصون انسانيته وبالتالى تحفظ قيم العدالة والمساواة والكرامة والتسامح والحرية الى غير ذلك من القيم والمثل الاسلامية والشمائل التى لم ولن تعرفها وضعيات البشرية جمعاء حتى باعتقادى الديانات التى سبقت الاسلام فى النزول وبالتالى ندرك ان الاساس الدينى الخالص بالحكم ليس كافيا وحده لحماية المكاسب التاريخية لحقوق المسلمين، اذن الملاحظ ان العقل قد توقف وطاله التجمد على قوالب صاغها فقهاء السلطة والحكام واضحت تاليا كل نزعة تميل للتحرر بدعة تحمل صفة الخيانة العظمى وتؤدى بالتالى الى التعذيب والقتل.
مقيتة وغايات دنيوية دنيئة ومصالح ضيقة التىفعلا حصدت جموع المسلمين والمؤمنين على مر المراحل التاريخية السابقة وذلك فى اتون حروب طاحنة من اجل السلطة وحروب مذهبية وحركات سياسية ازهقت فيها ارواح المسلمين وسلبت حقوقهم التى تمثلت فى كافة المبادىء والقيم والمثل النبيلة، وبالجزم فما يمكن ان يكرسه الايمان يمكن اندثاره تحت تاثير ايمان ضعيف هزيل وهمم فاترة او ضعف الحماس الدينى وهذا فعلا المنطق بعينه فالواضح ان ما حدث تاريخيا لا نستطيع عبره ان نقارن بين عهدين لخليفتين امويين هما يزيد بن معاوية وعمر بن عبدالعزيز فالشقاء كان فى عهد الاول بينما نعموا باعظم عطاءات الاسلام فى عهد الثانى فهو بحق الخليفة الراشدى الخامس على اعتبار اصالته الاسلامية.
ولا شك باجماع ارباب العلم ان كتاب الله وسنة نبيه هما دستورا لحقوق الانسان فى المجمل الا ان هناك فئة كانت ترفع شعارا قوامه ان كتاب الله هو دستور المسلمين ومع كل ذلك هذا لم يكن كافيا حتى يتم المحافظة على القيم وايضا العمل بالدستور القدسى فكتاب الله لا يحقق نفسه بنفسه وايضا السنة النبوية لا تجد طريقها بنفسها الى ساحات العمل وكلاهما يقتضيان سواعد المسلمين الصادقين القادرين على تجسيد هؤلاء الذين تعمر وتتشبع قلوبهم بالايمان ونصيرهم العزيمة والقوة والارادة الصلبة للنهوض الدائم والذين يجب عليهم ان يكونوا ايضا فى سدة الحكم والمسؤولية والقيادة بغض النظر عن الموقع حتى يتمكنوا من تحقيق وتطبيق القيم الانسانية الشاملة للاسلام قرانا وسنة.
وباعتقادى ليس كافيا لتطبيق وبث قيم الاسلام فقط بيد من هم فى موقع المسؤولية فالتاريخ الاسلامى بعد عصر الرسول عليه الصلاة والسلام وجزء قصير من تاريخ الخلفاء الراشدين تؤكد ان دولة القانون التى تشكل اساس حقوق الانسان لم تتحقق فعلا وعليه فالنصوص القرانية والسنن النبوية التىتعبق بقبسات نورانية من حقوق الانسان لم تجد تاريخيا ضمانات تجسدها والضمان الذى تقر به بعض الاتجاهات الدينية لهذه الحقوق يدور فى فلك الايمان وتشعباته وهذا يعنى ان المجتمع الذى يغيب عنه الايمان او يضعف يتم فيه حقا التنكر لحقوق الانسان والتعسف باستخدام السلطة باشكالها اما المجتمع الملتزم بالثوابت الايمانية تتراجع فيه اطماع الحكام وتتغلب فيه ايضا المصلحة العامة على الخاصة وتنحسر الشهوات بصنوفها المعهودة.
على كل الاحوال أن الدارس للتاريخ الاسلامى يجد ان مجتمع الايمان النقى والمتجرد من الاطماع الدنيوية يجده فقط فى قديم هذا التاريخ ويلمسه تحديدا فى ممارسات الخلفاء الراشدين وعصر عمر بن عبدالعزيز علما بان العهد الراشدى ايضا لم يخلو من النزاعات والصراعات الدامية والممارسات المجافية لحقوق الانسان والاطماع الدنيوية.
اذن النصوص الدينية يجب ان تجد من يطبقها فهى لا تفرض نفسها بنفسها ومهما بلغت الثقة بقواعد الاسلام الثرة كمنطلق لفرض العدالة الاسلامية بشمائلها الجمة بواسطة من يملكون الضمائر الحية والحرة كالقضاة مثلا ينسون احيانا ان تعببنهم فى وظائفهم كانت نتيجة تسامح نفس الحكام الذين ممكن ان يكونوا موضع مساءلة هؤلاء القضاة على اعمالهم ففى ظل الحكم العثمانى امثلة حية لشيوخ الاسلام وعلمائه كانوا يقفون فى وجه الحاكم ولكن ايضا هناك الصورة المعاكسة بحيث كانت الوظيفة الاساسية لهم هى اضفاء الصفة الشرعية على الافعال المشينة التى كان يقوم بها الحكام.
ليس فالباحث فى الفكر الاسلامى يفاخر بالجزم بما جاء به الاسلام قرانا وسنة من قيم ومثل سامية ورغم ذلك فان هذا يجب ان لا ينسيه ابدا هذه المفارقات التى تقوم بين علياء النظرية الاسلامية لحقوق الانسان والممارسة والتطبيق وعلينا ايضا الا نتجاهل تلك المواقف التاريخية التىتعرض فيها المسلمون لمواسم القهر والتعذيب هذا عداك عن الظروف التى يعيشها الانسان العربى فى العصر الحالى من قهر وظلم وتنكيل وفقر واغتراب .. الخ، فى ظل انظمة شمولية يدركها القاصى والدانى ويدرك انجازاتها على صعيد قهر هذا المواطن وهى ايضا تسعى الى تبديد كل المحاولات التى تعمل على النهوض به وتعمل على بناء حقوق فعلية للانسان فقد تحمل ما لا تحمله الجبال ولكن قدرنا النهوض ان شاء الله فلا بد للقيد ان ينكسر والبوادر ظاهرة على الساحة وربيعنا ات لا محالة فجل الممارسات والاعمال المنافية لحقوق الانسان تسطر حضورها فى بعض المجتمعات العربية المعاصرة وجميعها يتنافى مع الحقائق القرانية والسنن النبوية التى خطها الاسلام فالانسان العربى خارج صف التكريم كخليفة الله على الارض لان الظلم والقهر الذى حاق به ويجلده علنا واضح لا ينكره الا جاهل.
وبعد ذلك هل يمكن للنصوص الدينية ان تقف سدا فى وجه الانتهاكات المتكررة لحقوق هذا المواطن رغم كل ما نشر من تقارير وشهادات تدمى القلب ويندى لها الجبين حتى اضحى مهزوما من الداخل وعاجز عن الرد تحت هول الضربات المتكررة والمتلاحقة حتى اضحى فاقدا للاحساس بحقوقه تحت تاثير هزيمة داخلية شاملة افرزتها مراحل تاريخية طويلة من الشقاء الانسانى والممارسات التى تتنافى مع مبادىء الحق والوجود فالاستبداد والظلم والقمع المزمن الذى شهده تاريخنا العربى استطاع ان يجرد الانسان من القدرة على الاحساس بقيمته كانسان يمتلك حقوقا تاريخية فى الوجود الانسانى المتحرر من كافة اشكال الاضهاد والظلم ولانه لم يعد قادرا على المطالبة بحقوقه ازاء هذا المد التاريخى البائس فانه يلتمس فى النص القدسى ما يعوضه هذا الاحساس الشامل بالهزيمة التاريخية.
الواقع ان الشورى فيها الميراث الاصيل المتصف بالغنى ويجعل من الشورى فلسفة للحكم والحياة والسلوك ولم يطبق بكل قيمه الرفيعة الا فى العهود الزاهرة فى التاريخ الاسلامى هذا من جانب اما الميراث الثانى فهو الذى استبدل الاستبداد بالشورى فعمت من خلاله مقولات الشرعية لمن نال الغلبة اما الامامة فى السياسة والصلاة لمن تغلب على تعبير الدكتور محمد عمارة وما الرعية الا ان تشكر الحاكم اذا عدل وتصبر عليه اذا جار وظلم جملة هذه الاراء وزبدتها هى ثمرة لواقع تاريخى استثنائى تنسب الى ائمة وفقهاء مثل احمد بن حنبل وغيره.
اذن كافة القيم والمثل والمبادىء كونت فى الاسلام عصر الازدهار الذى حقا تميز بانتشار الاجتهاد والاستنباط العقلى على ضوء المستجدات والواقع المفروض وذلك ضمن اطار النصوص الشرعية المعهودة الثابتة بغاياتها واهدافها اما عصر التخلف قطعا نجد ان دور العقل والاستنباط فيه قد تراجع وانحسر وعم ما يعرف بالتقليد وحل الجدل مكان تلك المناظرات العلمية الحرة واشتد النزاع بين المجتهدين الذى يفترض ان يعم بينهم التسامح وانقسم الكثير من ابناء الامة الى فرق وطوائف وكتل واحزاب ادت بوحدة كلمتهم وشتت شملهم وبالتالى وقعوا فى شباك الضعف والوهن ولكن الخير سيبقى فى هذه الامة الى ان يرث الله الارض ومن عليها.
وعلى أثر ذلك ظهر أن التراجع الحضارى والانحسار التاريخى للمد الثقافى الإنسانى الإسلامى قد ترافق وتلازم بانحسار الحضور الحقيقى لحقوق الإنسان التى كما أشرنا انفاً تجسدت فى القيم الاسلامية وفى مبادىء الدين الحنيف، حيث عمت قيم الظلم والاستغلال والتعصب والاستبداد فغابت الحضارة لغياب تلك الروح القيمية التى دعى إليها الإسلام وعمل من اجلها رسول الله عليه الصلاة والسلام وقادة المسلمين وافذاذهم الغر الميامين.
الواقع أن حركة التراجع الحضارى لمعت منذ اللحظة التاريخية التى ثار فيها نفر من المسلمين على ولاية عثمان بن عفان رضى الله عنه واشتعلت نار الفتنة بمقتله فدارت رحى الحروب والفتن وبداء التاريخ الاسلامى يسجل الماساة تلو الماساة وكثرت وعمت الفواجع على اثر ذلك ورغم هذه المحطات الماساوية فى تاريخنا الاسلامى نهض رجال عظماء حاولوا ان يعيدوا للرسالة الاسلامية القها ووهجها وان يعيدوا للمسلمين مفاخر وامجاد العطاء الإسلامى والروح الإسلامية الخلاقة امثال الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز وهارون الرشيد والمعتصم والأمين والمامون والقائمة تطول الذين حاولوا جاهدين أن يعطوا دفعة حيوية للممارسات الإسلامية الحقيقية الصادقة.
وفى خضم الصراع على السلطة ظهرت إلى الوجود فرق سياسية ودينية متنازعة فانتقل المسلمون من حالة التجانس المطلق فى الفكر والعقيدة والمذهب إلى حالة التنوع والتعدد والاختلاف ومن حالة التوافق التام إلى حالة من الضياع والاصطراع فى مختلف وشتى المجالات الدينية والمذهبية والسياسية حيث سالت الدماء وازهقت الارواح ظلماً وعدواناً وقهراً وبداءت تتلبد الغيوم الحالكة السواد لتخيم بظلالها القاتمة على عالم المسلمين حاجبة ذلك الاشعاع الحضارى للإسلام مغيبة بذلك قيم ومعانى الحرية والاخاء والإنسانية السامية فعاشت الأمة الإسلامية ولا سيما فى العصر العباسى الثانى عصر القهر والضعف والاستبداد السياسى وحالة غياب كامل لتلك القيم الحضارية وحقوق الإنسان التى وهبها الله جلت قدرته للمسلمين والبشر وبداء الظلم يحل مكان العدل والقهر مكان الرحمة والتعصب مكان التسامح بمعنى غياب جليل للقيم التى نادى بها الإسلام.
الشاهد أن التاريخ يعلمنا أن أى حضارة تزدهر وتمتد وتثمر كلما تاصلت قيم المساواة والعدالة وحقوق الإنسان بتشعباتها المختلفة والثابت أن أى حضارة خالطها التعصب والظلم والجهل والتسلط وغياب الحرية شمسها لا محالة غائبة وهذا يدلنا ويرشدنا إلى أن حقوق الإنسان التىتتمثل فى الحرية والديموقراطية والتسامح هى مقومات الوجود الحضارى لأى حضارة عرفها التاريخ الإنسانى.
لقد ثبت تاريخيا أنه يمكن للإرادات الإنسانية الصادقة أن تلعب دوراً جوهرياً فى صنع الحضارة وهذايتطلب أيضاً المحافظة على مقومات وجودها ولكن هذا التاريخ أيضاً يؤكد أن المجتمعات الإنسانية تنطوى على قوى اجتماعية وتاريخية هدفها وغايتها نيل ملذات الحياة وزخرفها وتضحى بالمبادىء والعقائد والقيم من أجل وضعية دنيوية تمتلك فيها المقدرة فتعيث فى الأرض فساداً من ظلم وجور وفتكاً.
ولكن هى المفاجاءة التاريخية أن ثلاثة من اهم عمالقة القيادة فى صدر الاسلام ومن اكثرهم صدقاً وحمية للخير ومبادىء الإسلام بقيمه ومثله قد طالتهم يد الخيانة وتعرضوا للاغتيال السياسى فقد سقط الخليفة الثانى الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه وارضاه شهيداً راضياً مرضياً وقد وقع ضحية مؤامرة سياسية وذلك باعتقادى بسبب اقامته حق الله وتصديه للفساد والفاسدين ووقوفه فى وجه الطبقات الارستقراطية التى كانت تسعى وبكل السبل للوصول للحكم والسلطة ولقد قام باعمال من شانها ان تهدد مصالح شريحة من الفئات الاجتماعية التى هدفها الاستيلاء على السلطة.
ولقد اشتهر عن الفاروق تلك المقولة التى اعجزت الادبيات الانسانية على مر العصور وستبقى شاهدا على عظمة ديننا وعلى عدالته بكل ما حمل من قيم ومثل كرمت الانسان وصانت كرامته واحترمت انسانيته وهى التى تمثلت بقوله رضى الله عنه (والله لو اننى استقبلت من امرى ما استدبرت لاخذت من الاغنياء فضل اموالهم ورددته الى الفقراء فلا يبقى هناك فقير او غنى) وهى بحق من اعظم المقولات فى تاريخ الانسانية جمعاء.
ولقد اجمع الدارسين لتاريخ هذا الرجل العظيم رحمه الله ان هذه المقولة البت عليه اغنياء المسلمين وغير المسلمين الذين ارهبهم قول الفاروق وايضا صفاته والتى اجلها انه كان حازما صارما فى حبه للمساواة والعدالة كل هذه مجتمعة جعلت طبقة التجار والعسكريين التىاهدافها لا تخفى على احد ان تنقم على عمر وتخطط لتخلص منه واغتياله.
وهناك كثر من عمالقة حضارة الاسلام طالهم ما طال عمر نذكر منهم على بن ابى طالب رضى الله عنه والتىحقا تظهر ماسى الصراع بين الحق والباطل بين ارادة الاسلام المتمثلة فى طهارة الغاية وقيم الحب والخير والسلام الى غير ذلك من مزايا وارادة الحياة الدنيا المتمثلة فى الظلم والفساد حيث حمل على كاهله تركة ثقيلة جدا ودخل فى سلسلة من الصراعات التاريخية المدمرة صونا لحقوق المسلمين وحرياتهم انتهت باغتياله وكان هذا الاغتيال سبب خروج المسلمين من دائرة الشرعية التىتمثلت بالشورى والبيعة والحق الى دائرة اشبهها بالحكم العرفى البغيض الذى قطعا يجافى العدل.
وخلال هذه المرحلة الكل يعرف ما حدث من اراقة الدماء بلا ثمن ليس الا لمارب شخصية مقيتة وغايات دنيوية دنيئة ومصالح ضيقة التىفعلا حصدت جموع المسلمين والمؤمنين على مر المراحل التاريخية السابقة وذلك فى اتون حروب طاحنة من اجل السلطة وحروب مذهبية وحركات سياسية ازهقت فيها ارواح المسلمين وسلبت حقوقهم.
 0  0  3600
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:57 صباحًا الأحد 9 ذو القعدة 1439 / 22 يوليو 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.