• ×

07:12 صباحًا , الخميس 15 ربيع الثاني 1441 / 12 ديسمبر 2019


أثر الخطابين : (السياسي ـ الديني) في التاريخ الإسلامي ـ قراءة موجهة.
جاء الإسلام بجملة من القيم النبيلة التي هدفها دون أدنى شك إسعاد بنى البشر وهى كثيرة وجليلة منها الإخاء والمساواة والمحبة والسلام والحرية بقيمها الثابتة والعدالة بأشكالها، وبالمجمل جميع قيم الإسلام هي مطلب لكافة أمم الأرض. كيف لا وهى الرسالة التي جاءت للبشر كافة وجاءت وسطية فلا هي مادية بحتة ولا هي روحية بحتة، فكانت النبراس للبشرية بقضها وقضيضها الطريق وكانت الرسالة الكاملة الشاملة التي تخلو من المثالب والعيوب - باعتبار المصدر - وهذا واضح لكل منعم للنظر سالكا لدرب الحق والحقيقة، وهي قطعاً الرسالة التي توافق الجبلة الإنسانية السليمة والفطرة التي لم يطالها التلوث وهذه الحقائق اذعن أمامها الآخر، والدلائل كثيرة والشواهد ماثلة أمامنا. فالإسلام العقيدة والشريعة طال بالتنظيم كافة جوانب الحياة ولم يهمل حتى أدق التفاصيل بينما نجد الوضعي من الأيدلوجيات تغص بالمثالب والعيوب وكان سقوطها حتمي لأنها لا توافق الفطر السليمة في النفس الإنسانية بينما الإسلام بكل قيمه ومبادئه يوافق الفطر السليمة بكل ما حوت وبأدق التفاصيل باعتبار المصدر وهو الخالق الذي يعلم أدق تفاصيل هذه النفس الإنسانية ويعلم مكنوناتها وخفاياها لهذا كانت الموافقة تماماً لتلك الجبلة والفطرة البشرية ودونه تنعدم القدرات فكثر أولئك المارقين الذين حاولوا تشويه تلك الحقائق الإسلامية ولكن دون جدوى فالعجز حليفهم والعيب رفيقهم والنقص شاهدهم وذهبت أطروحاتهم أدراج الرياح وكانت في مزبلة التاريخ شاهدا على عجزهم فما ينفع هو الماكث.
فانعم بالإسلام وبرسالته الإنسانية بكل ما فيها الرسالة التي تكفل الخالق بحفظها وهذا بحد ذاته صيغة إعجازية فلم يطلها التحريف ولا التشويه رغم كل العاديات وذلك مصداقاً لقوله تعالى : (نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) نعم أيها السادة تكفل الله بدستور هذه الأمة - القرآن الكريم - وبالفعل كان الشاهد على ذلك على اعتبار أن التحريف والتشويه لم يطاله فبقى دستورنا المنزل من الله وهذا هو الإعجاز بعينه.
فعلاً للإسلام سحر تلك الطاقة الخلاقة التي طالت الإنسانية جمعاء وكان للحضارة الإسلامية ذلك الوهج التاريخي من قيم أصيلة ومتأصلة ومن ممارسات نبيلة أذهلت البشرية جمعاء ولقد تأصلت الأسرار الحقيقية لحضارة الإسلام في تلك القيم الجليلة من محبة وإخاء وسلام ومساواة واستطاعت هذه القيم أن تجد من يتمرس بها ومن يحققها ويجسدها بصورة واقعية في التطبيق لا تقبل الجدل ولا الشك وفى الخلفاء الراشدين لنا أسوة حسنة بالفعل جسدوا قيم الإسلام ومبادئ الحق ولقد ادهشوا أمم الأرض قاطبة بقدرتهم الهائلة على تمثل قيم الإسلام وتجسيد نظريته على أرض الواقع وبصورة حقيقية فعمت وانتشرت قيم التسامح والحرية والعدل والحق في أرجاء الأرض كافة.
فكان الإسلام بكل ما حوى من قيم ومثل ومبادئ هو الأنموذج الذي تسعى إليه الشعوب وتطالب فيه الأمم وتناضل في أثره طلباً للحرية وللمساواة والعدالة الاجتماعية فالحضارة الإسلامية قد ازدهرت مقاماتها ونمت على أساس هذه الخلفية التاريخية الممارسة الإسلامية الصادقة، ولكن عندما انحسرت الممارسة الحقيقية لقيم الإسلام وبدأت في الانحسار - بمعنى التطبيق - بدأت مرحلة التراجع الحضاري وهى حكما عندما خباء وهج الممارسة الحقيقية لقيم الإسلام ولمبادئ تشريعه العظيم سرعان ما بدأت مرحلة الانحسار التاريخي للوهج الحضاري الإسلامي، وبانحسار هذا الوهج انتشرت وعمت المظالم الاجتماعية وغابت الشورى بقيمها النبيلة الثرية في الممارسة السياسية وطغى على السطح الاستبداد والقمع السياسي وغربت قيم الاجتهاد والعقل حتى بالفعل تشتت طاقات أمة الإسلام وبدأت شمس الحضارة العربية الإسلامية بالغروب ولسان حالها يقول :
يسعون في خفضي واطلب رفعهم • • • شتان بين مرادهم ومزادي

وأنا أقول أيها السادة واطلق على هذه المرحلة - مرحلة الظلام - التي يؤرخ لها في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي حيث عم الظلم وساد القهر وتراجعت قيم السلام والمودة والألفة التي نادى بها الإسلام وعلى اثر ذلك ظهر أن التراجع الحضاري والانحسار التاريخي للمد الثقافي الإنساني الإسلامي قد ترافق وتلازم بانحسار الحضور الحقيقي لحقوق الإنسان التي كما اشرنا انفا تجسدت في القيم الإسلامية وفى مبادئ الدين الحنيف. حيث عمت قيم الظلم والاستغلال والتعصب والاستبداد فغابت الحضارة لغياب تلك الروح القيمية التي دعا إليها الإسلام وعمل من اجلها رسول الله عليه الصلاة والسلام وقادة المسلمين وأفذاذهم الغر الميامين.
الواقع أن حركة التراجع الحضاري لمعت منذ اللحظة التاريخية التي ثار فيها نفر من المسلمين على ولاية عثمان بن عفان رضى الله عنه واشتعلت نار الفتنة بمقتله فدارت رحى الحروب والفتن وبداء التاريخ الإسلامي يسجل المأساة تلو المأساة وكثرت وعمت الفواجع على اثر ذلك ورغم هذه المحطات المأساوية في تاريخنا الإسلامي نهض رجال عظماء حاولوا أن يعيدوا للرسالة ألإسلامية القها ووهجها وان يعيدوا للمسلمين مفاخر وأمجاد العطاء الإسلامي والروح الإسلامية الخلاقة أمثال الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز وهارون الرشيد والمعتصم والأمين والمأمون والقائمة تطول الذين حاولوا جاهدين أن يعطوا دفعة حيوية للممارسات الإسلامية الحقيقية الصادقة.
وفي خضم الصراع على السلطة ظهرت إلى الوجود فرق سياسية ودينية متنازعة فانتقل المسلمون من حالة التجانس المطلق في الفكر والعقيدة والمذهب إلى حالة التنوع والتعدد والاختلاف ومن حالة التوافق التام إلى حالة من الضياع والاصطراع في مختلف وشتى المجالات الدينية والمذهبية والسياسية حيث سالت الدماء وأزهقت الأرواح ظلماً وعدواناً وقهراً وبدأت تتلبد الغيوم الحالكة السواد لتخيم بظلالها القاتمة على عالم المسلمين حاجبة ذلك الإشعاع الحضاري للإسلام مغيبة بذلك قيم ومعاني الحرية والإخاء والإنسانية السامية فعاشت الأمة الإسلامية ولا سيما في العصر العباسي الثاني عصر القهر والضعف والاستبداد السياسي وحالة غياب كامل لتلك القيم الحضارية وحقوق الإنسان التي وهبها الله جلت قدرته للمسلمين والبشر وبداء الظلم يحل مكان العدل والقهر مكان الرحمة والتعصب مكان التسامح بمعنى غياب جليل للقيم التي نادى بها الإسلام.
الشاهد أن التاريخ يعلمنا أن أي حضارة تزدهر وتمتد وتثمر كلما تأصلت قيم المساواة والعدالة وحقوق الإنسان بتشعباتها المختلفة والثابت أن أي حضارة خالطها التعصب والظلم والجهل والتسلط وغياب الحرية شمسها لا محالة غائبة وهذا يدلنا ويرشدنا إلى أن حقوق الإنسان التي تتمثل في الحرية والديموقراطية والتسامح هي مقومات الوجود الحضاري لأي حضارة عرفها التاريخ الإنساني.
لقد ثبت تاريخيا إنه يمكن للإرادات الإنسانية الصادقة أن تلعب دوراً جوهرياً في صنع الحضارة وهذا يتطلب أيضاً المحافظة على مقومات وجودها ولكن هذا التاريخ أيضاً يؤكد أن المجتمعات الإنسانية تنطوى على قوى اجتماعية وتاريخية هدفها وغايتها نيل ملذات الحياة وزخرفها وتضحي بالمبادئ والعقائد والقيم من اجل وضعية دنيوية تمتلك فيها المقدرة فتعيث في الأرض فساداً من ظلم وجور وفتكا، ولكن هي المفاجأة التاريخية أن ثلاثة من أهم عمالقة القيادة في صدر الإسلام ومن اكثرهم صدقاً وحمية للخير ومبادئ الإسلام بقيمه ومثله قد طالتهم يد الخيانة وتعرضوا للاغتيال السياسي.
فقد سقط الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه شهيداً راضياً مرضياً وقد وقع ضحية مؤامرة سياسية وذلك باعتقادي بسبب إقامته حق الله وتصديه للفساد والفاسدين ووقوفه في وجه الطبقات الأرستقراطية التي كانت تسعى وبكل السبل للوصول للحكم والسلطة ولقد قام بأعمال من شانها أن تهدد مصالح شريحة من الفئات الاجتماعية التي هدفها الاستيلاء على السلطة. ولقد اشتهر عن الفاروق تلك المقولة التي أعجزت الأدبيات الإنسانية على مر العصور وستبقى شاهداً على عظمة ديننا وعلى عدالته بكل ما حمل من قيم ومثل كرمت الإنسان وصانت كرامته واحترمت إنسانيته وهى التي تمثلت بقوله رضى الله عنه (والله لو أنني استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضل أموالهم ورددته ألي الفقراء فلا يبقى هناك فقير أو غنى) وهي بحق من اعظم المقولات في تاريخ الإنسانية جمعاء. ولقد اجمع الدارسين لتاريخ هذا الرجل العظيم رحمه الله أن هذه المقولة البت عليه أغنياء المسلمين وغير المسلمين الذين ارهبهم قول الفاروق وأيضا صفاته وآلتي اجلها أنه كان حازما صارما في حبه للمساواة والعدالة كل هذه مجتمعة جعلت طبقة التجار والعسكريين التي أهدافها لا تخفى على احد أن تنقم على عمر وتخطط لتخلص منه واغتياله.
وهناك كثر من عمالقة حضارة الإسلام طالهم ما طال عمر نذكر منهم على بن أبي طالب رضى الله عنه والتي حقا تظهر مآسي الصراع بين الحق والباطل بين إرادة الإسلام المتمثلة في طهارة الغاية وقيم الحب والخير والسلام إلى غير ذلك من مزايا وإرادة الحياة الدنيا المتمثلة قي الظلم والفساد حيث حمل على كاهله تركة ثقيلة جداً ودخل في سلسلة من الصراعات التاريخية المدمرة صونا لحقوق المسلمين وحرياتهم انتهت باغتياله وكان هذا الاغتيال سبب خروج المسلمين من دائرة الشرعية التي تمثلت بالشورى والبيعة والحق إلى دائرة أشبهها بالحكم العرفي البغيض الذي قطعاً يجافى العدل.
وخلال هذه المرحلة الكل يعرف ما حدث من إراقة الدماء بلا ثمن ليس إلا لمأرب شخصي والمعلوم لدينا أن عمالقة الحضارة الإسلامية وعظمائها مع إيمانهم الراسخ بالإسلام وبرسالته ومدى عبقريتهم التي من خلالها أدركوا معاني السياسة والغايات الكبرى للوجود الإنساني جميعها شكلت المبادئ والمنطلقات التاريخية التي دافعت عن قيم الإسلام والقوى التي رسخت قيمه ومفاهيمه وهي الحصون التي عنيت بحماية مكاسبه التاريخية.
في ظل هذه الحضارة العظيمة برسالتها وهذا الزخم من قادة وعباقرة نجد هذه المكاسب التاريخية للإسلام تبددت وتلاشت بشكل تدريجي مع وصول أصحاب النفوس المريضة التي هدفها وغايتها الدنيا وسنام طلبها الجاه والسلطة والحكم بدأت بالفعل تقرير مصير الدولة الإسلامية فعملت جاهدة على توظيف العقيدة لخدمة أهدافها ومصالحها بدلا من أن توظف وجودها لخدمة الإسلام ورسالته أسوة بالسابقين من الخلفاء الراشدين.
وفى ظل هذه المعادلة السياسية فقدت القيم والمثل جوهرها والقها - قطعا في مجال الممارسة - لأن القيم الإسلامية هي ذاتها لا تتبدل ولا تتغير - وتم تزييف كثير من التصورات والمفاهيم الإسلامية لتلائم مصالح الحكام وتعبر عنها وتجسد في ذات الوقت مصالح وأهداف طبقة سياسية واجتماعية وعسكرية رفعت أهدافها فوق كل عطاءات الإسلام الإنسانية.
وفى ظل هذه المقدمات اصبح الدين خادما للسياسة ولأربابها وشاهد قولنا أن أبو جعفر المنصور كرس ذلك بقوله : (أيها الناس لقد اصبحنا لكم قادة وعنكم زاده نحكمكم بحق الله الذي أولانا وسلطانه الذي أعطانا وأنما أنا سلطان الله في ارضه وحارسه على ماله جعلني عليكم قفلا، إن شاء أن يفتحني لإعطائكم وإن شاء يقفلني) نجد هذا الخطاب نابع من نفس تسلطي فيه مطلق الاستبداد السياسي والاجتماعي، ونبرز صدق قولنا بما قاله الفاروق عمر بن الخطاب : (والله لو تعثرت ناقة في العراق لكنت مسؤولاً عنها) هنا نلمس مدى الأصالة في نفس هذا الرجل بحمله الإسلام في قلبه وعقله بكل ما جاءت به هذه الرسالة من سمو في القيم والمثل والمبادئ التي كرمت الإنسان وصانت إنسانيته، فهو يرى أن الحكم تكليف وليس تشريف وهو مسؤولية مقدسة وحملا ثقيلا وذلك حبا بالله وبرسالته بينما نلمح الدنيوية في خطاب المنصور الذي يرى أن الحكم عطاء ونعمة من الله ينعم بها على الحكام ويدين لهم عبر هذا العطاء رقاب العباد وعطايا البلاد.
والشواهد في التاريخ الإسلامي كثيرة يصعب حصرها وسنورد شاهداً آخر للدلالة على ذلك خاصة قي مفهوم الحكم والسلطة ذلك الخطاب الديني السياسي من خدمة العقيدة إلى خدمة السلطان فها هو الفاروق رضى الله عنه يقول : (أن راءيتم اعوجاجاً فقوموني ما أنا إلا كأحدكم فأعينونا على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم ومنزلتي من مالكم كمنزلة ولي اليتيم من ماله) بينما في المقابل نجد أحد الخطباء ويشير إلى معاوية فيقول : (إن هذا هو أمير المؤمنين فان مات فهذا هو خليفته - يقصد يزيد - ومن تحدى فالحكم لهذا - ملوحاً بالعصا -) فهتف اتباع معاوية استحسانا ومن ثم اعتبر معاوية هذا موافقة بالإجماع أو بيعة له. والمعلوم لدينا أن عمالقة الحضارة الإسلامية وعظمائها مع إيمانهم الراسخ بالإسلام وبرسالته ومدى عبقريتهم التي من خلالها أدركوا معاني السياسة والغايات الكبرى للوجود الإنساني جميعها شكلت المبادئ والمنطلقات التاريخية التي دافعت عن قيم الإسلام والقوى التي رسخت قيمه ومفاهيمه وهي الحصون التي عنيت بحماية مكاسبه التاريخية.
في ظل هذه الحضارة العظيمة برسالتها وهذا الزخم من قادة وعباقرة نجد هذه المكاسب التاريخية للإسلام تبددت وتلاشت بشكل تدريجي مع وصول أصحاب النفوس المريضة التي هدفها وغايتها الدنيا وسنام طلبها الجاه والسلطة والحكم بدأت بالفعل تقرير مصير الدولة الإسلامية فعملت جاهدة على توظيف العقيدة لخدمة أهدافها ومصالحها بدلا من أن توظف وجودها لخدمة الإسلام ورسالته أسوة بالسابقين من الخلفاء الراشدين، وفى ظل هذه المعادلة السياسية فقدت القيم والمثل جوهرها والقها - قطعا في مجال الممارسة - لأن القيم الإسلامية هي ذاتها لا تتبدل ولا تتغير - وتم تزييف كثير من التصورات والمفاهيم الإسلامية لتلائم مصالح الحكام وتعبر عنها وتجسد في ذات الوقت مصالح وأهداف طبقة سياسية واجتماعية وعسكرية رفعت أهدافها فوق كل عطاءات الإسلام الإنسانية.
وبناءا على ما تقدم يمكننا القول أن القلوب الطيبة والإرادات السليمة العامرة بالإيمان لم تجدي نفعا لحماية المكاسب الإسلامية ذات الطابع الروحي التي هدفها الإنسان وصون إنسانيته وبالتالي تحفظ قيم العدالة والمساواة والكرامة والتسامح والحرية إلى غير ذلك من القيم والمثل الإسلامية والشمائل التي لم ولن تعرفها وضعيات البشرية جمعاء حتى باعتقادي الديانات التي سبقت الإسلام في النزول، وبالتالي ندرك أن الأساس الديني الخالص بالحكم ليس كافيا وحده لحماية المكاسب التاريخية لحقوق المسلمين، إذن الملاحظ أن العقل قد توقف وطاله التجمد على قوالب صاغها فقهاء السلطة والحكام وأضحت تاليا كل نزعة تميل للتحرر بدعة تحمل صفة الخيانة العظمى وتؤدى بالتالي إلى التعذيب والقتل.
مقيتة وغايات دنيوية دنيئة ومصالح ضيقة التي فعلا حصدت جموع المسلمين والمؤمنين على مر المراحل التاريخية السابقة وذلك في أتون حروب طاحنة من اجل السلطة وحروب مذهبية وحركات سياسية أزهقت فيها أرواح المسلمين وسلبت حقوقهم التي تمثلت في كافة المبادئ والقيم والمثل النبيلة، وبالجزم فما يمكن أن يكرسه الإيمان يمكن اندثاره تحت تأثير إيمان ضعيف هزيل وهمم فاترة أو ضعف الحماس الديني وهذا فعلا المنطق بعينه، فالواضح أن ما حدث تاريخيا لا نستطيع عبره أن نقارن بين عهدين لخليفتين أمويين هما يزيد بن معاوية وعمر بن عبدالعزيز فالشقاء كان في عهد الأول بينما نعموا بأعظم عطاءات الإسلام في عهد الثاني فهو بحق الخليفة الراشد الخامس على اعتبار أصالته الإسلامية.
ولا شك بإجماع أرباب العلم أن كتاب الله وسنة نبيه هما دستورا لحقوق الإنسان في المجمل إلا أن هناك فئة كانت ترفع شعارا قوامه أن كتاب الله هو دستور المسلمين ومع كل ذلك هذا لم يكن كافيا حتى يتم المحافظة على القيم وأيضا العمل بالدستور القدسي، فكتاب الله لا يحقق نفسه بنفسه وأيضا السنة النبوية لا تجد طريقها بنفسها إلى ساحات العمل وكلاهما يقتضيا سواعد المسلمين الصادقين القادرين على تجسيد هؤلاء الذين تعمر وتتشبع قلوبهم بالإيمان ونصيرهم العزيمة والقوة والإرادة الصلبة للنهوض الدائم، والذين يجب عليهم أن يكونوا أيضا في سدة الحكم والمسؤولية والقيادة بغض النظر عن الموقع حتى يتمكنوا من تحقيق وتطبيق القيم الإنسانية الشاملة للإسلام قرانا وسنة.
وباعتقادي ليس كافيا لتطبيق وبث قيم الإسلام فقط بيد من هم في موقع المسؤولية فالتاريخ الإسلامي بعد عصر الرسول عليه الصلاة والسلام وجزء قصير من تاريخ الخلفاء الراشدين تؤكد أن دولة القانون التي تشكل أساس حقوق الإنسان لم تتحقق فعلا، وعليه فالنصوص القرانية والسنن النبوية التي تعبق بقبسات نورانية من حقوق الإنسان لم تجد تاريخيا ضمانات تجسدها والضمان الذي تقر به بعض الاتجاهات الدينية لهذه الحقوق يدور في فلك الإيمان وتشعباته، وهذا يعنى أن المجتمع الذي يغيب عنه الإيمان أو يضعف يتم فيه حقا التنكر لحقوق الإنسان والتعسف باستخدام السلطة بأشكالها، أما المجتمع الملتزم بالثوابت الإيمانية تتراجع فيه أطماع الحكام وتتغلب فيه أيضا المصلحة العامة على الخاصة وتنحسر الشهوات بصنوفها المعهودة.
على كل الأحوال أن الدارس للتاريخ الإسلامي يجد أن مجتمع الإيمان النقي والمتجرد من الأطماع الدنيوية يجده فقط في قديم هذا التاريخ ويلمسه تحديدا في ممارسات الخلفاء الراشدين وعصر عمر بن عبدالعزيز علما بان العهد الراشد أيضا لم يخلو من النزاعات والصراعات الدامية والممارسات المجافية لحقوق الإنسان والأطماع الدنيوية.
إذن النصوص الدينية يجب أن تجد من يطبقها فهي لا تفرض نفسها بنفسها ومهما بلغت الثقة بقواعد الإسلام الثرية كمنطلق لفرض العدالة الإسلامية بشمائلها الجمة بواسطة من يملكون الضمائر الحية والحرة كالقضاة مثلا ينسون أحيانا أن تعببنهم في وظائفهم كانت نتيجة تسامح نفس الحكام الذين ممكن أن يكونوا موضع مساءلة هؤلاء القضاة على أعمالهم. ففي ظل الحكم العثماني أمثلة حية لشيوخ الإسلام وعلمائه كانوا يقفون في وجه الحاكم ولكن أيضا هناك الصورة المعاكسة بحيث كانت الوظيفة الأساسية لهم هي إضفاء الصفة الشرعية على الأفعال المشينة التي كان يقوم بها الحكام.
ليس الباحث في الفكر الإسلامي يفاخر بالجزم بما جاء به الإسلام قرانا وسنة من قيم ومثل سامية ورغم ذلك فان هذا يجب أن لا ينسيه أبدا هذه المفارقات التي تقوم بين علياء النظرية الإسلامية لحقوق الإنسان والممارسة والتطبيق، وعلينا أيضا ألا نتجاهل تلك المواقف التاريخية التي تعرض فيها المسلمون لمواسم القهر والتعذيب، هذا عداك عن الظروف التي يعيشها الإنسان العربي في العصر الحالي من قهر وظلم وتنكيل وفقر واغتراب .. الخ، في ظل أنظمة شمولية يدركها القاصي والداني، ويدرك إنجازاتها على صعيد قهر هذا المواطن، وهي أيضا تسعى إلى تبديد كل المحاولات التي تعمل على النهوض به وتعمل على بناء حقوق فعلية للإنسان فقد تحمل ما لا تحمله الجبال، ولكن قدرنا النهوض إن شاء الله.
image الثقافة والإعلام وما بينهما.
image في المواد التوثيقية : مصطلح القراءات.
 0  0  3924