■ في ختام الشهر الكريم تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال .. وكل عام وأنتم بخير.

المشرق العربي والمفهوم التاريخي ـ بحث علمي

طارق فايز العجاوي
1433/03/01 (06:01 صباحاً)
5546 قراءة
طارق فايز العجاوي.

عدد المشاركات : «49».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المشرق العربي والمفهوم التاريخي ــ بحث علمي.
بداية لا بد من الإشارة إلى جملة من العلوم التي اهتمت في قضية (التكوين التاريخي للشعوب) ونذكر منها التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الأثآر والجغرافيا وفقه اللغة وفي وقتنا الراهن بزغ فجر علوم هدفها ذات الهدف وتحت مسميات جديدة فهي في الأدبيات الغربية الإثنولوجيات وانتروبولوجيا والاتنوغرافيا والأخير عرف في أدبيات الروس فهو يشغل الاهتمام الأول في دراسته تناول الثقافة المادية والروحية لشعوب (الاثنوسات).
أما في حقول المعرفة العربية الإسلامية فقد لاقى حقل الملل والنحل والأنساب رقياً كبيراً حيث فسحت له أمهات الكتب الأخبار الطوال والمساحات الكبيرة من الاهتمام لكن ثمة قطيعة أخرى في المعرفة المعاصرة حالت دون استئناف هذا الجهد المعرفي وإعادة تأهيله بأدوات العصر لقد كانت نتيجة الغياب المعاصر لهذا المبحث غياب التأهيل الموضوعي لمسألة التكوين التاريخي للامة العربية الأمر الذي فتح الطريق أمام المتربصين للبحث عن تواريخ جهوية ومواقيت للبدء بعيداً عن المحصلة التاريخية لصيرورة الهوية. المدار الحضاري المشرقي العربي تعرض لثلاث محاولات معاصرة وحديثة للتشويه والنهب والمصادرة التاريخية ومحاولة رابعة قديمة أما المحاولات المعاصرة والحديثة فهي :
1- الهجمة الاستشراقية التي صاحبت الهجمة الاحتلالية للغرب الرأسمالي اعتباراً من القرن الثامن عشر حينما نشطت الجهود والتفاعلات التي صبت باتجاه المشرق العربي بغية إعادة صياغته وفق متطلبات مشروع الإمبريالية آنذاك.
2- المحاولة الثانية فقد جاءت متزامنة مع الهجمة الصهيونية في النصف الأول من القرن العشرين وبدايات التكوينات الأولى للمشروع القطري في المشرق العربي، وفى هذه المرحلة نشطت المدارس التوراتية والبعثات الأثرية الموجهة نحو مشرقنا العربي بل أنشئت مدارس وأكاديميات خصيصاً لهذه المهمة وهذا الإقليم من العالم بالذات.
3- وهي المرحلة الراهنة التي نعيش والتي يتعرض لها المشرق العربي في ظل سباق طرح الأنظمة الإقليمية البديلة من الشرق أوسطية وغيرها في أجواء التسوية السلمية وفي ظل تيار العولمة والاندماج الذي يضرب بالمجتمعات وخصوصيتنا المحلية وهي كثيرة لا يتسع المجال لسردها - كوثيقة بيرس - التي هدفها طمس معالم حضارتنا من خلال تلقين النشء ذلك والأكمة تخفي ما ورائها.

■ أما تاريخياً فقد نفدت المحاولة القديمة على مرحلتين :
● الأولى : حاول العبرانيون اقتلاع جذور الكنعانيين من المنطقة وملاحقة وتزييف وجودهم الحضاري.
● الثانية : ترافقت مع قدوم الهجمة الرومانية الاحتلالية على المشرق العربي وتدميرهم للوجود الحضاري الفنيقي الممتد من صور إلى قرطاج ثم تلتها الهجمة الاحتلالية الرومانية التي تعرضت لها مملكة العرب الأنباط واحتلال عاصمتهم في مطلع القرن الميلادي الثاني في الوقت الذي كان فيه الوجود الهليني في المنطقة بمثابة وجود حضاري مشرقي الصبغة انجزه أبناء المشرق العربي من علماء وفلاسفة و .. الخ.
على كل الأحوال يسعى المقترب المعرفي إلى محاولة تقديم الاستدراك التاريخي الذي تأخر ظهوره حول المفهوم التاريخي للمشرق العربي في محيط قراءة مختلفة تستند إلى أدوات النقد التاريخي المخولة عملياً بهدم المعماري التقليدي النظري الذي استهلكته المقولات والرؤى الأيدلوجية خلال عقود القرن الراهن.
والثابت أن المشرق العربي هو المكان الأكثر تعرضاً لعبث التنظير التاريخي والأكثر إيغالاً في الفهم الخاطئ للبدء والاستئناف والقطيعة والتواصل أما لأنه المكان الذي تعرض لأكبر محاولات التزوير والتشويه من جهة والمحو والإلغاء من جهة أخرى وغاب فيه دور الفاعل التاريخي حينما استبدلت الأدوار وبدلت الأسماء وهذا مدعاة لطرح عدة تساؤلات تخطر ببال كل من عاش على هذه الأرض - اقصد مشرقنا العربي - كطرحنا ماذا لو افترضنا أن موطن العرب ومهدهم الأول لم يكن الجزيرة العربية أو اليمن ؟ وهناك الكثير من الأسئلة التي تخطر بالبال.
إن الهدف من البحث لأي افتراض موضوعي تتأكد عمليتها بمدى القدرة على ربطها بالإطار والبعد المجتمعي وهذا يعنى استمرار متوالية الأسئلة بصيغها الراهنة فكيف التقت البدايات الأولى في التنظير للمشروع الصهيوني المعاصر مع البدايات الأولى للتكوين القطري العربي وكيف عملا معاً على تشويه المفهوم التاريخي للمشرق العربي ؟ وعلينا إنعام وإعمال النظر في كيفية مساهمة القوى الاستعمارية في هجماتها المتتالية على المشرق العربي في ظل غياب الحضور التاريخي العربي في تفكيك وإضعاف التكوين المادي والاجتماعي لهذا الإقليم مقدمة لمحوه حضارياً.
وأيضاً إعمال النظر في كيفية مساهمتها - أي القوى الاستعماري - في تأخر ظهور النخب المثقفة في بعض مناطق المشرق العربي في غياب حلقات تاريخية هامة هي بمثابة حجر الأساس الذي أهمله الآخرون حينما حاولوا بناء نظرية ما حول التكوين التاريخي القومي لهذه المنطقة.
ترى هل نحن المشرق العربي أم الشرق الأوسط أم الشرق الأدنى أم .. الخ ؟ لقد غابت وتلاشت عدة مباحث عن عقل المجتمع العربي عن طريق الإزاحة التاريخية الكبرى التي أوجدها عقل الدولة عبر التاريخ العربي المتوسط والحديث والمعاصر ونلمس غياب هذه المباحث في إرباكنا التاريخي المعاصر طوال هذه الحقب الطويلة أقصد القرن العشرين حتى ساعتنا الراهنة أمام الإجابة عن أسئلة الشرعية والهوية ومستقبل التاريخ، وأهمها على الإطلاق غياب مبحث التكوين التاريخي القومي ومبحث الجغرافيا التاريخية للوطن العربي وهذا الإلحاح في البحث عن إجابات لأسئلة عقل المجتمع لا يعنى بأي حال البحث عن فرص لإعادة تأهيل التاريخ ولا يعنى البحث عن مكان آخر للحاضرين بين الموتى ولا يعني محاولة عقد شراكة مع التاريخ بقدر ما يعبر هذا الحراك المعرفي بأبعاده المجتمعية عن البحث عن مستقبل التاريخ ومصير الحاضر.
إن الجغرافيا التاريخية هي اللغز الممعن بالحيرة ومثل الأحاجي الكبيرة كما هي مفتاح لعبة التاريخ والشاهدة على ميلاد المكان ضمن السياق الزمني الممعن في البعد لظرفية الأشياء والكلمات والجغرافيا التاريخية مبحث علمي يقصد التاريخ عبر المكان مثلما يكون التاريخ هو الجغرافيا عبر الزمان على حد تعبير (اليزيه ركلوس) ذلك لأن التكوينات التاريخية منذ الانوية الأولى للتنظيم الاجتماعي وصولاً إلى القبيلة والجماعة القومية والأمة والدولة الموحدة قومياً هي أيضاً ابنية زمنية وظرفية خاضعة للتطور عبر البيئة المكانية فالحضارات هن بنات البيئات المحلية وعلى قدر ما كانت البيئة المكانية هي شرط الوجود الحضاري فأن الصراع المكاني أو البيئي كان أحياناً شرط هذا الوجود حينما صاغ مقومات التحدي والبحث عن قدرات تكيفية مدهشة حدت من نفور البيئة وعصيانها وأصبحت هذه القدرات فيما بعد القاعدة الصلبة للبناء الحضاري ولعل ظهور مفهوم الوطن في التاريخ هو نتاج بيئي محضر تحقق عن طريق التكيف والتحدي معاً.
هنا الجغرافيا التاريخية تغوص في المكونات الأولى للمجتمعات والحضارات والأوطان والدول وتسدل دلالاتها الهامة على ماهيتها ومصيرها ومستقبلها أيضاً فطالما بقى الإنسان دون أن يدري يحاول التفاهم مع المكان ويضع على هامش هذا التفاهم الأحداث والتواريخ بينما المكان والزمان يكونانه ويمنحانه في كل مرة لونهما. ونحن بهذا الصدد لا بد من الإشارة إلى المبحث الهام في سياق مراجعة المفهوم التاريخي للمشرق العربي ألا وهو مبحث التكوين التاريخي للوجود القومي العربي فلقد غاب مبحث التكوين التاريخي للعرب وفق الرؤية العلمية التي تسعى إلى تقديم البناء النظري المتماسك القائم على مجموعة من المقدمات ويستخدم المنهج العلمي في الوصول إلى النتائج والحقائق في حين تشابكت الأدبيات القومية حول عدة مباحث فالملاحظ أن بعضهم تناول مبحثاً ما في الوقت الذي يقصد به مبحثاً آخر إلى جانب الإرباك الواضح في تناول الأدوات المعرفية، والله من وراء القصد.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :