أدب الاختلاف : الخيران أبي بكر وعمر «منهجاً»

د. منيف علي المطرفي

11271 قراءة 1435/01/20 (06:01 صباحاً)

د. منيف علي المطرفي.
۞ عدد المشاركات : «20».
أدب الاختلاف : الخيران أبي بكر وعمر «منهجاً».
◗قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حق المسلم على ست : إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فاجبه، وإذا أستنصحك فأنصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه).
■ الإخوة القراء ؛
إني أدعوكم لقراءة هذا المقال الذي لا فضل لي فيه، إنما الفضل لأهل الفضل والسمو، إنها مأدبة فكرية خٌلقية إنسانية؛ نعيش وقائعها مع الخيرين أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ، وهما من أمرنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن نقتدي بهما ونسير على نهجهما وطريقتهما المثلى، فالخيران ـ رضي الله عنهما ـ كانت بينهما أخوة في الله ومحبة فيه، وكانا يختلفان، وكانا في قمة السمو في المحبة، وقمة السمو عند الاختلاف، فلا عجب أن يأتي المرء بمكرمة أو محمدة أو أثرا طيبا حال صفوه، وعند فرحه، فينعم بالخير من يتعامل معه، إنما العجب أن يترك المرء أثرا إيجابيا بعد الاختلاف معه، فالاختلاف الذي يتحرى أصحابه الحق لن يهديهم إلا لخير، والاختلاف الذي يتحرى أصحابه الهوى سيقودهم إلى خلاف فجدل فشقاق فنزاع فخصومة.
كان الخيران رضي الله عنهما جامعة لكل بر، ونبراس لك خير، وسأعرض في مقالي هذا مواقف عدة ـ باختصار وتصرف ـ للشيخين الجليلين رضي الله عنهما، اختلفا فيها وتوافقا واختلفا وتوافقا، فكيف كان الاختلاف وكيف كان منهجهما.
وحري بنا قبل أن نستعرض المواقف؛ التعريف المختصر للفظة (الاختلاف)، فالاختلاف والمخالفة أن ينهج كل شخص طريقا مغايرا للآخر في حاله أو قوله، وقيل أن الاختلاف هو التباين في الرأي والمغايرة في الطرح، قال ابن القيم : وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه.
والاختلاف إما أن يكون لتحري الحق أو بدافع الهوى؛ فإلى مواقف الخيرين.

● الموقف الأول : (أسرى غزوة بدر).
(لما كان يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى، فقال أبو بكر : يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام .. وقال ابن الخطاب : لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكني من فلان (قريب لعمر) فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ..، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، فلكان كان من الغد جاء عمر ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر يبكيان، فقال يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة].
■ التعليق :
1- انظر ـ عافاك الله ـ إلى حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم وهو يجلي المواقف ويرجح الأقوال وتأمل ثناؤه على أصحاب الرأي، وإن كان يميل لرأي دون آخر، فلقد شبه في هذا الموقف (الصديق رضي الله عنه بإبراهيم، وشبه عمر بموسى ونوح عليهم السلام أجمعين) ـ لم تذكر في الموقف اختصارا ـ، فلم ينقص من قدر هذا ويعلي من قدر ذاك لمجرد أنه وافقه الرأي، بل ترك مجالا لتبادل الآراء والاختلاف حتى نصل إلى البديل الأمثل، وترك مجالات أرحب وأوسع للالتقاء والاستفادة من أصحاب الرأي في أحداث أخرى، فكبت الآراء غير المتوافقة مع أصحاب القرار مدعاة إلى كبح انطلاق المبدعين، مما سيعطل عقولا، والخاسر الأكبر هو المجتمع.
2- تأمل قول عمر رضي الله عنه : (والله ما أرى ما رأي أبو بكر)، فهو يذكر من يختلف معه بكنيته، كناية عن الإجلال والتقدير، ولم يقل : لا أرى ما رأى هذا، أو ينعته بصفة لا تليق أو يذكره باسم قبيح لا يحبه، أو يسقط عليه إسقاطات تسفه من شخصه ورأيه وتقلل من شأنه.
3- حينما بدأ عمر رضي الله عنه يعرض رأيه، ابتدأ بنفسه في تطبيق الرأي، فقال : فتمكني من فلان (قريب لعمر) فأضرب عنقه.
4- تطبيق القول المأثور : (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية)؛ فعندما رأى عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق يبكيان، سألهما عن بكائهما مشاركة لهما، وحين علم بالأمر لم يشمت أو يعنّف، أو يقول : قلت لكم ذلك ولم تسمعوا قولي .. ألخ من عبارات.
5- حفظ الفضل لأهل الفضل، فعمر رضي الله عنه يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم : (ماذا يبكيك أنت وصاحبك ؟) اعترافا بفضل أبي بكر ومكانته وسابقته في الإسلام.
6- الرجوع إلى الحق فضيلة، وذاك ديدن رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحبه، فها هم يتعرفون بالقول الراجح ولم ينقص من قدرهم شيئا، (فلنتأمل حالنا مع فضلائنا وأساتذتنا وإخوتنا في الله، وكيف نصنع معهم عندما نختلف !).

● الموقف الثاني : (إمارة وفد تميم).
(ذكر عبدالله بن الزبير كاد الخيران أن يهلكا لارتفاع أصواتهما في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد اقبل وفد بني تميم، وقال الصديق رضي الله عنه : أمّر عليهم يا رسول الله القعقاع بن معبد، وقال عمر رضي الله عنه : لا يا رسول الله، أمّر عليهم الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي يا عمر ؟ فرد عمر : والله ما أردت خلافك يا أبا بكر، فنزلت الآية : (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ..)، فقال أبو بكر : الله لقد آليت على نفسي يا رسول الله ألا أكلمك بعد اليوم إلا كأخي السرار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عمر بعد ذلك حتى يستفهمه لانخفاض صوته).
■ التعليق :
1- تأمل الأدب الجم بين الشيخين حتى في اختلافهما، فالصديق رضي الله عنه يذكر اسم عمر (ما أردت إلا خلافي يا عمر)، وعمر يذكر الصديق رضي الله عنه بكنيته، ويحلف بالله ما أردت خلافك، طمأنة له.
2- عندما نزلت الآية الكريمة، لاحظ ردة فعل الخيرين، فكلاهما أخذ نفس المنهج عند حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخفض صوتهما، وهذا دلالة على أن رفع الصوت عند الاختلاف ليس دليل قوة، بل قد يعوق من الاختلاف البناء المفضي إلى نتائج مثمرة، فيمنع الاحترام، ويؤدي إلى تأثير الهالة فنحكم على بقية الصفات من خلال صفة واحدة، وقد يمسك الأفاضل وأصحاب الرأي عن عرض أرائهم خشية الوقوع في جدل وشقاق وخصومة (فاحذر !).
3- الخيران تركا رأيهما واختلافهما لوقوع أمر أكثر أهمية وخطبا من تولية (القعقاع ـ الأقرع) رضي الله عنهما. فأنظر إلى الأدب وسمو خلق الخيرين.

● الموقف الثالث : (بنود صلح الحديبية).
(حينما أبرم صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفار قريش، رأى عمر أن بنود الصلح كانت تميل إلى كفة المشركين، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى، قال عمر : فلم نعط الدنية في ديننا إذا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، ثم ذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما، وسأله ذات الأسئلة ورد عليه أبو بكر رضي الله عنهما بنفس رد رسول صلى الله عليه وسلم، وقال : أيها الرجل إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصيه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فو الله إنه على الحق، قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا).
■ التعليق :
1- أنظر الديمقراطية في الحوار والاتصال الرأسي والأفقي في عهد النبوة، فعمر رضي الله عنه يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم بشفافية ووضوح وأدب جم مركزا على الأساسيات والقضايا الجوهرية دون خوض في غمار التفاصيل، والرسول صلى الله عليه وسلم يجيبه بثبات القادر الواثق، موضحا سبب إبرام الصلح وفق هذه البنود وأن ذلك طاعة لله، وذكر نتيجة هذه الطاعة بقوله : وهو ناصري.
2- يذهب عمر رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه ليعرض رأيه مستفهما بأدب جم عن الوضع، فيجيبه أبو بكر بثبات، ويقدم له النصيحة : (استمسك بغرزه)، فلا يعني أن تختلف معا أن نقدم الكره على المحبة، فعمر رضي الله عنه يستفهم من أبي بكر رضي الله عنه وأبو بكر يجيبه ومن ثم يقدم له النصيحة التي تعينه على الخير ولم يعنفه أو يتهمه بإثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار في صفوف المسلمين .. ألخ من عبارات وضع الأمور الإنسانية في غير نصابها من حق الاستعلام والتعبير عن الرأي.
3- الاختلاف الراقي الذي يتبناه أصحاب الألباب هو بوابة التعلم والفهم ويقود العقلاء إلى الأخذ بالرأي الصائب، فعمر رضي الله عنه عندما وصلت المعلومات إليه وأدركها وتدبر عواقبها المتمثلة في طاعة الله وأن النتيجة هي نصر الله، عاد والتزم ولزم غرز الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمِل لذلك أعمالا، ولم تأخذه العزة والأنفة، وذاك ديدن عقلاء المختلفين فأمر اختلافهم لهدف عام ولمصلحة عامة وليس للهوى، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : من خاصم لنفسه فهو ممن اتبع هواه وانتصر لنفسه (فتأمل !).

● الموقف الرابع : (أما صاحبكم فقد غامر).
(كانت بين أبي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر مغضبا، فتبعه أبو بكر يسأله أن يغفر له، فلم يفعل عمر، حتى أغلق باب منزله في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بطرف ثوبه حتى بدت ركبتيه، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام أما صاحبكم فقد غامر؛ فسلم، وقال : يا رسول الله إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يغفر الله لك يا أبا بكر) ثلاثا، ثم عن عمر رضي الله عنه ندم على ما كان منه فأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل وجه النبي يتمعر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، وقال : يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم (مرتين)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر : صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي (مرتين)، فما أوذي بعدها).
■ التعليق :
1- لا غرابة أن يختلف الأخوة في الله، ولا غرابة أن يغضب الأخ من أخيه، ولكن الذي علمنا إياه أبو بكر رضي الله عنه أن الإنسان يسعى بجهده وقواه أن لا يصل الاختلاف إلى خلاف فقطيعة فكره ومقت وحقد، حيث أنه لما شعر بخطئه ذهب إلى منزل عمر يسأله الصفح والعفو، وهذا من حسن الخلق وزيادة في الإحسان وتطييب الخواطر وإظهار الكرامة لمن وقع الخطأ عليه بأن زاره في منزله، فما رفض عمر أن يغفر له، لم يركن أبو بكر رضي الله عنه إلى الشيطان ويدع الفجوة تتسع بينه وعمر، فذهب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لشكوى عمر رضي الله عنه، بل ليسعى الحبيب صلى الله عليه وسلم في الأمر.
2- رحمة القائد العظيم بأهل الفضل وإن حصل منهم خطأ؛ أمر جدير أن يتعلمه القادة والمديرين والرؤساء والآباء، فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما جاءه أبو بكر رضي الله عنه متأثرا، واساه بالدعاء له ولم يعنفه ولم يقل له الكلمة التي نسمعها من البعض أحياناً : إنها كبيرة منك، مثلك لا يفعل ذلك، ماذا تركت للصغار (فتأمل !).
3- القادة يربون من يعولون على الإحسان إلى الفضلاء وكبار القوم والأخيار، وان لهم مكانة التقدير والاحترام وإن حصل منهم خطأ وزلل، فعلى المرء اختيار الطريقة المثلى التي يخاطبهم بها ويصوب ما وقع منهم بالتي أحسن.
4- صدق التعامل من الصديق رضي الله عنه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لأبي بكر ويثني عليه ويشدد على عدم إغضابه، وأبو بكر يعترف ويقول : أنا يا رسول الله كنت أظلم، وذلك أمام القائد والناس (فتأمل !) وما خطبك بحال بعض الناس الذين لهم مكانة لدى القادة ويستغلون ذلك لتضخيم الأمور وقلب الحقائق وإيغار القلوب على من يختلف معهم.
5- الصفح والتسامح مزية الكرام، وذلك ديدن المسلم الحق ونهجه، فهذا عمر رضي الله عنه يذهب لمنزل أبي بكر ليغفر له، ولما لم يجده ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فما أعظم ذلك البر، والعودة إلى الحق والصواب.
6- المسلم لا ينبغي له أن يرد من اعتذر إليه، ويوصد أبواب الصلح في وجهه.

● الموقف الخامس : (وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم).
((إنا لله وإنا إليه راجعون)؛ عندما توفي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، قام عمر رضي الله عنه وقال : والله مات رسول الله، وليبعثنه الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم، ثم حضر أبو بكر رضي الله عنه وشاهد عمر والناس حوله، فناداه : أيها الحالف على رسلك ! فلما تكلم أبو بكر سكت عمر، وقام أبو بكر و حمد الله وأثنى عليه، وقال : ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى : (إنك ميت وإنهم ميتون)، (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ..)، فخر عمر إلى الأرض وقال عن الآيات التي تلاها أبو بكر : كأني والله لم أكن قرأتها قط).
■ التعليق :
1- هنا الاختلاف أما الجماهير والحشود، فعمر رضي الله يتكلم برأيه أمام الناس، وأبو بكر رضي الله عنه لم يكن حاضرا بادئ الأمر، ولم حضر رضي الله عنه، قال بصوت مرتفع : (أيها الحالف على رسلك) فتأمل رعاك الله هذا التنبيه اللطيف وهذه الحميمية في جذب الأنظار وتحويلها من فرد لآخر، والقدرة على التأثير وتحويل دفة القيادة من عمر رضي الله عنه إليه، فالصديق رضي الله عنه لم يعنف عمر ولم يحط من قدره كأن يقول القائل : دعوه يهذي، وهلموا إلي، أو دعوه فهو لا علم لديه. من كلمات التقريع والحط من قدر الناس، بل ذكر رضي الله عنه عبارته اللطيفة : أيها الحالف على رسلك.
2- في هذا الموقف الجماهيري والحشود بحاجة ماسة إلى الإيجاز في القول وانتقاء العبارات التي تحدد الموقف بالتفصيل وبما يلائم عقولهم وظرف الزمان والمكان ويرضي فكرهم، فالصديق رضي الله عنه أوجز العبارة وأيد قوله بالآيات الكريمات.
3- قال ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه أخبره أن رأيه الذي قاله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اجتهادا منه في تأويل الآية الكريمة : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) فظن أن رسول الله صلى الله عليه سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فنفهم من ذلك أن الواجب علينا بيان وجهة النظر كاملة حتى يعمل أطراف الاختلاف غيرهم سبب الاختلاف.
4- قيل أن أبا بكر رضي الله عنه لما فرغ من خطبته، سأل عمر رضي الله عنه عن قوله، فذكره بالآيات وأنها نزلت في يوم كذا وكذا، فالصديق رضي الله عنه لما فرغ من الإرشاد الجمعي، لم ينسى الإرشاد الفردي وصاحبه عمر رضي الله الفقيه العالم الحَبر؛ فعمد إليه مذكرا ومرشدا في حوار فردي دون توبيخ أو تعنيف (فا الله ـ الله !).

● الموقف السادس : (إنفاذ بعث جيش أسامة).
(حين علم أسامة بن زيد رضي الله عنهما بوفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عاد بجيشه إلى المدينة، ولما بويع أبو بكر رضي الله عنه قال لأسامة : (أنفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فأتاه عمر رضي الله عنه ونفر من الصحابة يطلبون تأخير إنفاذ الجيش أو تولية من هو أسن من أسامة رضي الله عنه، فرد عليهم أبو بكر ردا حازما وقال : والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت جيش أسامة ولا بدأت بأول منه، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء يقول : أنفذوا جيش أسامة، ولكن خصلة اكلم بها أسامة، أكلمه في عمر يقيم عندنا، فإنه لا غنى بنا عنه، والله ما أدري يفعل أسامة أم لا ؟ والله إن أبى لا أكرهه).
■ التعليق :
1- مكانة عمر لدى أبي بكر رضي الله عنهما، جعلته يختلف معه ويصدع برأيه ويذكر له طلبا رآه وغيره من المسلمين.
2- أبو بكر رضي الله عن كانت لديه الحجة والقوة في الثبات على موقفه، دونما تقليل من رأي الآخرين، فكان رده متعلقا بالموقف، ولم يتعرض لأصحاب الرأي الآخر.
3- تطبيق مبدأ الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، فها هو عمر رضي الله عنه يختلف مع أبي بكر، في إنفاذ جيش أسامة، وأبو بكر رضي الله عنه يتمسك بموقفه، ومن ثم يطلب من أسامة رضي الله عنه برفق ولين أن يترك له عمر ليعينه في المدينة (فما أعظم تلك الصحبة !).
4- هنا أمر إداري يعلمنا إياه أبو بكر، وأن القادة الجدد يجب أن يكملوا مسيرة السابقين، فليس معنى أن تتولى القيادة والرئاسة والأمارة أن تلغي ما سبق.
5- وهنا أمر إداري آخر يعلمنا إياه أبو بكر وهو أهمية أخذ رأي الرؤساء المباشرين للأفراد، قبل تكليفهم في مهمات أخرى.

● الموقف السابع : (قتال ما نعي الزكاة).
(لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولى أبو بكر كفر من كفر من العرب وامتنع عن أداء الزكاة من امتنع، فأراد أبو بكر قتالهم، ورأى عمر رأيا آخر : كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم من ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله)، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال .. والله لو منعوني عناقا كان يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر : فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه للقتال فعرفت أنه الحق).
■ التعليق :
1- الاختلاف يجب أن يدعم بالأدلة والحجج، وإلا اعتبر ضربا من الحوار الذي لا طائل منه، فعلى أي أساس نتحاور ونختلف ونحن لا نملك الحجة والبرهان الذي يعضد قولنا ويشفع له ويخولنا الدفاع عنه، فهذا عمر رضي الله عنه حينما ذكر رأيه دعمه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما انصرف إليه ذهن عمر رضي الله عنه في عدم القتال، وهذا الصديق رضي الله عنه يعرض قوله وحجته ويتمسك بها، ويقنع الغير بالأخذ بها.
2- عدول عمر رضي الله عنه عن رأيه لما رأى الحق، والصدع بعدوله أما الآخرين، في تربية ونهج إسلامي بليغ ليقتدي به الناس.

■ خاتمة القول :
1- ما سبق ذكره من بعض المواقف التي حدثت بين أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، تؤكد أن الاختلاف ليس بابا للخلاف أو الجدل والشقاق والخصومة والقطيعة؛ بل لإتباع الحق، فكل منهما لديه شعور بأن ما ذهب إليه أخوه يحتمل الصواب كالذي يراه لنفسه، وهذا يكفل احترام كل فرد للآخر، والبعد عن هوى النفس والتعصب للرأي، فالاختلاف هنا اختلاف رأي لا اختلاف قلوب.
2- اختلاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في عدد من المواقف لا يلغي تقديرهما لبعضهما البعض، وحفظ الفضل لأهل الفضل وزيادة الحب بينهما، فالصديق يقول في عمر رضي الله عنه؛ حينما استخلفه : (اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك)، ويقول عمر رضي الله عنه في أبي بكر حينما قال أحد الناس : أنت خير من أبي بكر، فأجهش عمر بالبكاء وقال : والله لليلة من أبي بكر، خير من عمر وآل عمر ..) (فتأمل !).
3- الرفق في التعامل، فما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وليس القصد من الاختلاف رفع الصوت واحمرار الوجه، وضرب الكف بالكف، فهذه حيلة العاجزين، فبإمكانك أن تختلف وتسمع صوتك وهو منخفض، وأنت في سمت الكبار، فالهدوء مزية يتحلى بها العاقل، وعرض الموضوعات والحجج والبراهين سيكون لها الحظ والنصيب من استجابة الآخرين لك ولرأيك، وإن لم يكن هناك استجابة فيكفيك فخرا أنك تركت أثرا حسنا بتعاملك.
4- الهدف الأسمى من الاختلاف هو نصرة الحق لا نصرة الهوى، فإن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.
5- واجب على المسلم أن لا يقوده الاختلاف إلى الخصومة ومن ثم العداء وإيقاع الأذى بالآخرين، فإن ذلك ليس من خلق الكرام، قال الشاعر :
إن الكريم إذا تمكن من أذى • • • جاءته أخلاق الكرام فأقلعا
وترى اللئيم إذا تمكن من أذى • • • يطغى فلا يبقي لصلح موضعا
فحري بنا قبل أن تختلف أن ننظر إلى عواقب الاختلاف، وان لا نضرب إسفينا يشرخ علاقتنا مع من نختلف معه، كأن نقول : لقد أخطأت حينما تحدثت مع مثلك، أو إن من المعيب أن أتحاور معك، فليتنا نقتدي بالخيرين ونحفظ الود مع من نختلف معه.
فإلى الباحثين عن سمو الأخلاق والآداب، لن تجد أمريء تتفق معه في كل شيء، وإن حاولت جهدك فلن تجد، وذلك ليس من باب التشاؤم أو القنوط، إنما من باب وضع الموازين في مواضعها، فالاختلاف أمر طبيعي ويحدث وسيكون إيجابيا إن لم يتجاوز حدوده، وتم الالتزام بآدابه.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :