• ×

07:24 مساءً , الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017

◄ الزمن من الناحية النفسية.
الزمن موضوع مهم ولكن قليلاً ما يبحث فيه الناس، وسوف اتحدت قليلاً هنا عن الزمن من الناحية الفيزيائية والبيولوجية والفلسفية والنفسية، أولاً، ما هو الزمن من الناحية الفيزيائية ؟
الزمن مرتبط بحركة شيئ ما أو بالتغير، فمثلاً عندما تلف الأرض دورة كاملة حول نفسها نقول أن يوماً قد مضى، إو عندما ينهي عقرب الدقائق دورة كاملة نقول أن ساعة قد مضت، أو عندما تنهي الأرض دورة كاملة حول الشمس بأن عاماً قد مضى، الزمن والحركة مرتبطان، وكل شيئ في هذا الكون يتحرك ويتغير ولا شيئ ثابت، حتى وأنت جالس على مقعدك في البيت فأنت تتحرك، الأرض تدور بك، والخلايا تتحرك، والإلكترونات في جسدك تتحرك، والدم يتحرك، وهكذا، حركة مستمرة وتغير مستمر، الجبال تتغير ولو ببطء، والنجوم والبحار والإنسان وكل شيئ، فلو تخيلنا أن كل شيئ في الكون بلا أي استثناء توقف عن الحركة أو التغير، هل سيكون هناك زمن ؟ ولو لم يكن في هذا الكون أي مادة تتحرك أو تتغير، بمعنى أنه لو كان هناك فراغ تام، هل سيكون هناك زمن ؟ بماذا يقاس ؟ وهل هناك أكوان أخرى يكون فيها مفهوم الزمن مختلف تماماً عنا ؟ علماء الفيزياء من أمثال اينشتين وعلماء الفلك والفلاسفة وغيرهم يبحثون في هذه الأمور، علماء الفيزياء يعلمون أن الزمن في هذا الكون مرتبط بالمادة وحركتها وتغيرها، فمثلاً عندنا في الأرض السنة حوالي 365 يوماً، بمعنى أن دوران الأرض حول الشمس يأخذ هذا الوقت ليتم، ولكن السنة على كوكب آخر ليست 365 يوماً، فكل كوكب يأخذ وقتاً مختلفاً عن الأخر ليتم دورة حول الشمس، وكذلك يأخذ وقتاً مختلفاً ليتم دوره حول نفسه، بمعنى أن اليوم على الأرض ليس كاليوم على كوكب آخر، قد يكون عمرك الآن أربعون عاماً، ولكن لو ولدت على المريخ سيكون عمرك الأن نصف ذلك لأن المريخ ينهي دورته حول الشمس في حوالي 668 يوماً، مع العلم على أن طول اليوم على الأرض مساوي لطول اليوم على المريخ، على كوكب فينس اليوم الواحد أطول من السنة على ذلك الكوكب، بمعنى أن أكثر من عام سيمر قبل انتهاء يوم واحد، وعلى كوكب المركري اليوم يساوي 58 يوماً من أيام الأرض مع العلم أن السنة هناك تساوي 88 يوماً من أيام كوكب الأرض، إذاً الزمن نسبي وله علاقة بحركة الأجرام والأشياء وتغيرها.
وهناك زمن مادي محسوس يعتمد على حركة الأرض والشمس والضوء وما إلى ذلك، وهناك زمن نفسي إنساني يشعر به الإنسان نفسياً، ففي دراسة طلبوا من مجموعة من الناس إغماض أعينهم وأن يضغطوا على زر أمامهم عندما يشعرون أن دقيقة قد مضت وهم مغلقون العيون، ووجدت الدراسة إن إحساس الناس بالزمن ومضي الوقت يختلف من شخص لأخر وحسب العمر، كبار السن يضغطون الزر قبل الصغار، بمعنى أن الكبار في السن يشعرون أن الزمن يمر بطريقة اسرع مقارنة بالصغار، وكلنا يعرف الإحساس الذي يشعر به الناس أحياناً عندما يكونون يستمتعون بوقتهم ويشعرون أن الزمن قد مضى سريعاً "دون أن يشعروا به"، وفي حالات أخرى يشعر الإنسان أن الدقائق تمر ببطء كما في حالة انتظاره أمر ما أو عندما يكون في حالة ملل، وهناك أيضاً الطريقة التي يرى بها الشخص الماضي والمستقبل، فقد يكون هناك شخصان مرا بنفس التجربة قبل عام، احدهما يشعر أن الحدث قد مضى عليه وقت طويل والآخر قد يشعر وكأن الحدث "حدث بالأمس"، وقد يكون هناك موعد سيذهب له شخصان بعد يومين، احدهما قد يشعر أن الموعد قريب جداً والآخر قد يشعر أنه بعيد، عوامل نفسية تدخل في ذلك، ولكن المهم هنا هو أن الناس تختلف في إحساسها بالماضي والحاضر والمستقبل.
والاضطرابات النفسية قد تؤثر على إحساس الشخص بالوقت، فالشخص القلق قد يرى الوقت يمضي سريعاً بينما يشعر المكتئب بأن الوقت بطئ جداً، والشخص الذي يعاني من الانفصام قد يظن أنه يعيش في الماضي أو المستقبل أو أن الزمن يعود للوراء أو قد لا يكون على وعي بالزمن مطلقاً، فقد يسأله الطبيب ما هو اليوم أو في أي سنة نحن. وقد لا يعرف أو قد يتحدث وكأنه في عام آخر، وبعض الجنود المصابون بصدمات الحرب قد يتوقف عندهم الزمن ويعيشون طول الوقت وكأنهم في أرض المعركة حتى لو عادوا إلى بيوتهم، إحساسهم بالزمن يتوقف، وهذا ما يحدث نفسياً أحياناً مع المحطمة قلوبهم نتيجة قصة حب فاشلة مثلاً، فبعض هؤلاء يتوقف الزمن عندهم من الناحية النفسية عند اللحظة التي تحطم فيها قلبهم، الأيام تتغير ولكن نفسياً وعاطفياً لا شيئ يتغير.
ومن الناحية العصبية الوعي بالزمن يختلف من حالة إلى أخرى، فمثلاً الإنسان لا يعي بالزمن وهو نائم، وهذا يحدث أيضاً تحت تأثير بعض المخدرات أو الأدوية، فهل مثلاً تعي القطة أو النملة أو الطير أو السمكة بالزمن بنفس الطريقة التي يعيها الإنسان ؟ هل الوعي بالزمن له أسس وراثية في تكوين الجينات ؟
ووجد الباحثون أيضاً أن حضارة الشخص تلعب دوراً في رؤيته للزمن، فمثلاً هناك شعوب تنظر للزمن وكأنه يسير في خط مستقيم، فالماضي يؤدي للحاضر والحاضر يؤدي للمستقبل، فهم يعتقدون أن ما يفعله الشخص اليوم سيؤثر في المستقبل، وحريصون على الوقت ولا يحبون إهداره، وحريصون على مواعيدهم، ويغضبون إن أضاع شخص وقتهم أو لم يحافظ على الموعد، وهناك شعوب تهتم أكثر بالآن واللحظة التي هم فيها، يستمتعون باللحظة ولا يقلقون كثيراً على المستقبل، وقد يركزون على الماضي أكثر، ولا يهتمون بالدقة في المواعيد، ولا يهتمون بموضوع إهدار الوقت. فعلاقة الإنسان بالوقت تختلف حسب المكان والحالة النفسية والجسمانية والعمر والحضارة وحركة الأشياء والتغير، ومن علامات الصحة النفسية أن تكون علاقتك بالزمن صحيحة، بأن ينتهي "الزمن النفسي" ولا يبقى غير الزمن الخارجي، فعندما يكون عند الشخص مشاكل فأنك تجده "سرحان" ويفكر، هو جالس معك ولكنه يفكر في أمور بيته أو عمله، وقد يفكر في المستقبل أو الماضي، فهو في مكان غير المكان وفي زمان غير الزمان، تخيل لو أنك كنت سعيداً في حياتك ولا يقلقك شيئ، فأنك لن "تسرح"، وستكون "هنا" و "الآن" جسدياً ونفسياً، فكلما زادت التعاسة كلما غادر الشخص المكان والزمان نفسياً، وقد يحاول المغادرة جسدياً أيضاً، فمن السعادة وعلاماتها أن تكون "هنا" و "الآن"، وأن توجه طاقاتك ووعيك للمكان والزمان الذي أنت تعيش فيهما، وكما قال الحكماء، أفضل طريقة للتحضير للمستقبل هي في توجيه طاقاتك ومجهودك لعمل اليوم.
 0  0  4091
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )