• ×

05:26 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ لا أحد ينكر ما للمعلم من تأثير في المواقف التربوية، إذا أنه يعتبر سيده والقائد لمن فيه، وهو الذي يهيئ لهم السبل للانتفاع بما يحويه المنهج، يقول الحسن البصري رحمه الله : (لولا العلماء ـ أي المعلمون ـ لصار الناس مثل البهائم، أي أنهم بالتعليم يخرجونهم من حضيض البهيمية إلى الأفق الإنسانية) (سنن الدارمي).
ويرى د. احمد حسن عبيد : (أن نوع الأمة يتوقف على نوع المواطنين الذين تتكون منهم، وان نوع الموطنين يتوقف إلى حد كبير على نوع التربية التي يتلقونها وإن أهم العوامل في تقرير نوعية التربية هو نوع المعلمين)، (ولو شبهنا المدرسة والمجتمع بكائن ينبض بالحياة والنشاط، للزمنا أن نضع المعلم موضع القلب الذي يزود أعضاء الجسم بكل مقومات الحياة لأنه متى صلح المعلم صلحت المدرسة وصلح المجتمع، ومتى فسد ـ والعياذ بالله ـ ساءت حال المدرسة وتردى المجتمع إلى حضيض التأخر والانحطاط) لذلك يعتبر المعلم حجر الزاوية في العملية التربوية والتعليمية وبنجاحه في أداء عمله تتحقق جميع الأهداف المرسومة مهما كانت الصعوبات والإمكانيات.
وبالرغم مما في مهنة التعليم من مشقة وصعوبات لا تساويها أي مهنة أخرى، إلا أنه يقابل ذلك من الفضل والرفعة والأجر للمعلم متى اخلص واتصف بالصفات الحميدة مالا يجده غيره، يقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) (ابن عبد البر ـ بيان العلم وفضله).
وذكر الدارمي في مسنده عن ابن عجلان قال : كان يقال : (إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف عنهم) وعن هشام بن الحسن قال : (لان أتعلم باباً من العلم فاعلمه مسلماً احب إلي من أن تكون لي الدنيا اجعلها في سبيل الله) (البغدادي ـ الفقيه والمتفقه ج1 /15).
وورد عن ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن قتادة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاثاً : ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية يبلغه أجرها وعلم ينتفع به من بعده).
يقول ابن جماعة (وأنا أقول إذا نظرت وجد معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم، أما الصدقة الجارية : فإقراؤه إياه وإفادته، وأما الدعاء الصالح فالمعتاد على السنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم).
وقال عليه الصلاة والسلام : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئاً) (مسلم 4832).
وغير ذلك من النصوص الكثيرة في فضل العلم أهله والتي لا يتسع المقام لذكرها فماذا بعد هذا الفضل والرفعة ؟

♦ أخي المعلم :
يا من تحترق لتضيء الطريق للآخرين، يأمن ذكراه تبقى محفورة في ذاكرة تلاميذه، وجميلة في وجدانهم وتأثيره في حياتهم، كن واثقاً من نتيجة ما تعمل ولتكن ثقتك اكبر بما عند الله تعالى، يقول تعالى : (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل 97).
يقول المربي (بالمر) : (ليس من العدل أن تدفع لي جامعة هارفارد راتباً شهرياً على وظيفة أنا مستعد الاستعداد كله أن ادفع راتباً عليها لما فيها من شرف وجاه، هذه الوظيفة هي تدريس الشباب).

♦ صفات المعلم المسلم الناجح :
إن المعلم المسلم الناجح كما يجب أن يكون صالحاً في علاقته مع ربه وخالقه فيتعامل معه على أساس من الإيمان والصدق واليقين القوي الذي يدفعه إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فإن من الواجب عليه أيضاً أن يكون صـالحاً في خلقه وعاداته وسجاياه التي يتعامل بها مع الطلاب أو أفراد المجتمع ، والأخلاق الحميدة تستمد قوتها وحسنها من الشريعة المحمدية والسلوك النبوي طلباً لمرضاة الله وابتغاء رضوانه، والمعلم بحاجة ماسة إلى أن يتصف بكل الصفات الحسنة، التي تجعله محبوباً داخل مجتمع المدرسة أو خارجها، أما عدم التحلي بها فسيؤدي إلى الإخفاق في تأدية الرسالة التي نذر نفسه من أجل تأديتها على أكمل وجه، وحينذاك لا تغني معرفة استراتيجيات التدريس التي تعلمها أو يتعلمها فتيلا، ويمكن أن تقسم الصفات الحسنة إلى ما يلي :
■ أولاً : الصفات الإيمانية.
إذا كانت صفة الأيمان ضرورية لكل مسلم فإنها اشد ضرورة للمعلم المسلم الذي يتوقع منه المجتمع أن يساعد على غرس عقيدة التوحيد بين التلاميذ وعلى إرساء قواعد الأيمان الصحيح بين أفراد المجتمع، ومن الصفات الإيمانية :
1- التقوى : قال تعالى : (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) (البقرة : 197) ـ ويقول تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) (الطلاق : 2) ويقول تعالى : (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) (الطلاق : 4)، والمعلم المسلم الذي يعي مسؤولياته وواجباته وحاجاته إلى الاستزادة من العلم ويسعى إلى تحقيق ما عليه بإخلاص وجد يكون على جانب كبير من هذه الصفة الإيمانية .
2- مطابقة القول العمل : وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من مخالفة الإنسان عمله قوله، فعن انس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مررت ليلة أُسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقارض من نار، قال : قلت : من هؤلاء ؟ قالوا : خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفـسهم) (احمد بن حنبل المسند ج 3-121) وأكد على وجوب إبلاغ كل فرد عما تعلمه. فعن أبى برزة السلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) (الترمذي ـ الجامع الصحيح - ج4/529)، وعن معاذ رضي الله عنه قال : (اعْلمَوا ما شئتم أن تَعلموا، فلن يأجركم الله بعلم حتى تُعلموا) (ابن عبد البر ـ جامع بيان العلم وفضله ج2/6) .
3- الإخلاص : قال تعالى : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (البينة : 5) فلا يقبل عمل إلا بإخلاص وإذا فقد ذلك وقع الإنسان في الشرك، ولان التعليم من أهم الأعمال الصالحة لذا ينبغي مجاهدة النفس على الإخلاص، ويروى عن أحد علماء السلف قوله : (اثنان أنا أعالجهما منذ ثلاثين سنة، ترك الطمع فيما بيني وبين الناس، وإخلاص العمل لله عز وجل) (أبو نعيم ـ الحلية 7 /217).
4- المتابعة : ولا يقبل عمل صالح إلا بتحقق هذا الشرط مع سابقة (الإخلاص) والمتابعة تعني أداء العمل كما ورد عن الشارع، والمتابعة هنا تعني الاهتمام بتحقيق الأهداف المرسومة لسياسة التعليم كما نظمتها الوزارة ما لم تعارض الشرع، وذلك بإتباع التوجيهات والتعاميم وتنفيذ القرارات والبحث والتطوير المسـتمر والمشاركة الفاعلة في الارتقاء بالمهنة، يقول الله تعالى : (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) (النساء : 59)، ويقول عليه الصلاة والسلام : (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، ولا يتم الإتقان إلا بالمتابعة ولا تكون المتابعة إلا بالطاعة والتنفيذ في غير معصية الله.

■ ثانياً : الصفات الخلقية.
1- الصدق : الصدق تاج على رأس كل معلم إذا فقده فقد ثقة الناس واحترامهم له، فعلى المعلم أن يكون صريحاً صادقاً، لا يختال ولا يرائي يقول الحق ويؤيد الحق، ويعترف بخطئه إن أخطأ ويتراجع عنه بكل سرور، قال تعالى : (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين) (التوبة : 119)، وقال عليه الصلاة والسلام : (أن الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة، وان الرجل ليصدق و يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) (البخاري ـ كتاب الأدب ـ ج10/507)، وروى البيضي بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : (كان ابغض الخلق إليه الكذب)، وفي حديث صفوان بن سليم أنه قيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام : (أيكون المؤمن كذاباً ؟ قال : لا) (مالك بن أنس ـ الموطأ ـ ج2/277)، وفي حديث أبى هريرة مرفوعاً (من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة) (احمد - المسند - ج2/452)، ويقول يوسف بن أسباط : (يرزق الصادق ثلاث خصال : الحلاوة، والملاحة، والمهابة) (ابن القيم ـ مدارج السالكين ـ ج2/277)، وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إياكم والكذب فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له ) (ابن ماجة ـ السنن ـ ج1/18).
2- الرحمة والرفق : يجب أن يكون المعلم رفيقاً في غير ضعف، قوياً في غير قسوة، يزن الأمور بموازينها الصحيحة فلا يشتط في حكم ولا يتساهل في حق وإنما يسلك طريقاً وسطي بين هذا وذاك، قال تعالى : (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك) (آل عمران : 159)، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : سمعت أبا القاسم عليه الصلاة والسلام يقول : (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) (أبو داود - السنن - ج5/232)، وعن جرير بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من لا يرحم لا يرحمه الله) (الترمذي ـ الجامع الصحيح - ج4/284)، وفي صحيح مسلم قال : صلى الله عليه وسلم : (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ومالا يعطي على سواه) وفيه أيضاً : قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : (عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، إذا الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيئ ألا شانه)، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (من يحرم الرفق يحرم الخير)، وفيه عن انس بن مالك قال : (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى عليه وسلم)، وفيه قال صلى الله عليه وسلم : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به)، وقد أوصى ابن جماعة رحمه الله المعلم : (بأن يعتني بمصالح الطالب ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو والشفقة عليه والإحسان إليه) (وإن اخطأ يوقفه عما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف وتعسف).
3- التواضع والحلم : التواضع خلق حميد يضفي على صاحبه إجلالاً ومهابة ورفعه يقول تعالى : (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) (الزمر : 60)، وفي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : (وما تواضع أحد لله ألا رفعه) وقوله صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ومن أثار التكبر : جحود الحق والغرور بما لديه من العلم أو ترك طلب العلم أو سوء التعامل مع الزملاء والمتعلمين - عدم القدرة على تحقيق الأهداف المرسومة ـ نفور الطلاب منه، فعلى المعلم ألا يفسر كل حركة أو مخالفة من الطلاب تفسيراً خاطئاً فيتصور أنها موجهة ضده بقصد الإساءة إليه.
4- الصبر واحتمال الغضب : وهذه الصفة تستدعي من المعلم همة عالية وإيمان صادق وطول ممارسه حيث أن المعلم يتعامل مع أفراد مختلفي الطباع والفكر والأخلاق مع ما يواجهه من صعوبات التحضير والتدريس والتصحيح ومواجهة المشكلات المختلفة لذلك يجب أن يعتاد الصبر لان فقدانه قد يوقعه في الحرج الشديد، كما أن الغضب قد يفقد صاحبه الاتزان ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (البخاري 5649 - مسلم 4724 - احمد 6921 - مالك 1409)، وقد امتدح الله الصابرين في قوله تعالى : (وأصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) (هود : 115)، وقال تعالى : (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) (الفرقان : 75)، وقال بعض السلف : (ومالي لا أصبر، وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال، كل خصلة خير من الدنيا وما فيها).
5- العدل والمساواة قال تعالى : (اعدلوا هو اقرب للتقوى) (المائدة : 8)، والمعلم يتعرض لمواقف كثيرة تقتضي العدل سواء في توزيع المهام أو الوجبات أو وضع الدرجات أو في العقوبة وغيرها مما يجب فيه معاملة الجميع بنفس المعاملة وبما يجب أن يعامل به أبنائه قال صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) (البخاري 12 - مسلم 64 - الترمذي 2439 - النسائي 4934)، وروي عن مجاهد قوله : (المعلم إذا لم يعدل بين الصبية كتب من الظالمين) (ابن مفلح ـ الآداب الشرعية ـ ج1181)، وعن الحسن قوله : (إذا قوطع المعلم على الأجرة فلم يعدل بينهم ـ إي الطلاب ـ كتب من الظلمة) (ابن سحنون ـ آداب المتعلمين ج1/20)، ومن الظلم للطلاب عدم الاهتمام بالضعفاء منهم وعدم بذل النصيحة لهم والأخذ بأيديهم.
6- الأمانة في العمل : يقول تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تخونـوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وانتم تعلمون) (الأنفال : 27)، قال صلى الله عليه وسلم : (ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة) (رواه البخاري) والمعلم في عنقه أمانة فلذات الأكباد ومهجة الأرواح وبيده تربيتهم وتشكيلهم حسبما يريد ومن ثم تزيد مسؤوليته في غرس العقيدة الإسلامية وتمكينها في قلوبهم وإعدادهم ليكونوا مواطنين مؤمنين صالحين يدركون ما عليهم من حقوق وواجبات تجاه دينهم وولاة أمرهم وسائر أفراد مجتمعهم، وتنمية الشعور لديهم بالمسؤولية والولاء لله تعالى وتلقينهم أصول الخير ورسم القدوة الحسنة لهم في المظهر والمخبر والفعل والقول لأن أمامه أجهزة تسجيل في مخ كل منهم لكل همسة وكلمة منه، وعليه أن يدرك أن الطلاب مهما صغر سنهم يعرفون معنى كل حركة يتحركها المعلم ومغزى كل عمل يأتيه وإن كانوا يظهرون الجهل والسذاجة في أغلب الأحيان، كما أن من الأمانة نقل المعلومات الصحيحة لهم وحفظ أسرارهم.
7- الخلق الحسن وتجنب السخرية والكلام الفاحش : يقول الله تعالى : (لا يسخر قوم من قوم) (الحجرات : 11)، قال صلى الله عليه وسلم : (إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم) (أحمد)، ويقول أيضاً : (البر حسن الخلق) (مسلم)، ويقول صلى الله عليه وسلم (إن الله ليبغض الفاحش البذيء) (الترمذي أبو داود)، ويقول أيضا : (أن من خياركم أحسنكم أخلاقا) ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا : (مأمن شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن)، ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم : (سباب المؤمن فسق وقتاله كفر) (أحمد)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) (مسلم).

■ ثالثاً : الصفات الجسمية.
1- حسن المظهر : ليكن لك أخي المعلم في رسول الله أسوة حسنه فقد كان له ثياب خاصة بلقاء الوفود وثوب خاص بصلاة الجمعة والعيدين، ولتكن رائحتك دائماً طيبه ومشيتك متزنة غير متكبرة أو ذليلة وليكن كلامك مع طلابك جاداً فكم من كلمة طيبة لمعلمينا لا زالت تقرع مسامعنا، وكم من كلمات نابيه وسلوكيات منحرفة ومواقف مؤسفة لم ننسها رغم مرور عشرات السنين، قال صلى الله عليه وسلم : (إذا أتاك الله مالاً فلير أثر نعمته عليك وكرامته) (النسائي - السنن ج8/196)، وقال صلى الله عليه وسلم : (واستجد ثيابك واستفره دابتك، وأكثر من استعمال الطيب)، وقال صلى الله عليه وسلم : (أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه)، وقال صلى الله عليه وسلم : (البسوا من هذه الثياب البيض فإنها من خير ثيابكم) (أبو داود - السنن - ج4/209)، وكان الأمام مالك رحمه الله : (إذا جلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب) (السمعاني ـ آداب الإملاء ص89).
2- التمتع بالصحة الجيدة : وهذا مما يساعد المعلم على مهنة التدريس الشاقة، لذلك يجب على المعلم الاهتمام بصحته والبعد عن التدخين لما فيه من مضار صحية عديدة بالإضافة إلى حرمته الشرعية وما يعكسه على صاحبه من صفات كريهة وعليه بممارسة أنواع الرياضة والاعتناء بمأكله ومشربه ليكون قوياً يستطيع أداء مهمة على أكمل وجه، يقول عليه الصلاة والسلام : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) (مسلم ـ ابن ماجه).

■ رابعاً : الصفات العقلية والنفسية.
1. الذكاء : القدرة العامة للفرد على ملائمة تفكيره شعورياً للمواقف الجديدة وظروف الحياة، ويعرفه آخرون على أنه القدرة على حل المشكلات العامة الجارية في الحياة، والذكاء يمكن المعلم من التصرف بطريقة سريعة ومناسبة في المواقف المختلفة بحكمة واتزان، ومن هنا يجب أن يعي المعلم أن دوره في عملية التعلم في التربية المعاصرة هو تنظيم العملية التعليمية والإشراف والتوجيه أي أن ذلك يعني أن تنمية ذكاء المتعلم واجب أساسي من واجبات المعلم الناجح في المدرسة التربوية الحديثة، وهكذا لم يبق التعليم عملية تلقين وتلقي معلومات تقاس بكميتها، بل غدت العملية التعليمية تربية شاملة تسعى إلى إيجاد نوعية صالحة من المتعلمين مدربين على التفكير السليم وقادرين على معالجة ما يعرض لهم من مشكلات متصلة بالمدرسة والبيئة.
2. الاستشارة للخير : يقول تعالى : (وأمرهم شورى بينهم) (الشورى : 38)، ويقول تعالى : (وشاورهم في الأمر) (آل عمران : 159)، والتشاور يحقق الكثير من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية، وفيه تنوير الأفكار وتقرير لإصابة الحق وتوفير للوقت والجهد واستفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم، يقول ابن عباس رضي الله عنه لما نزلت الآية : (وشاورهم في الأمر)، قال صلى الله عليه وسلم : (أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن الله جعلها رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا).
3. التأني في سرد المعلومات : عن عائشة رضي الله عنها قالت : (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه) (رواه مسلم)، وفي رواية عند البخاري : (كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه).
4. المداومة على تحصيل العلم : فالمعلم يعرض بضاعة كل يوم فلا بد من التجديد وتخصيص وقت من يومه ليقرأ عن الجديد وخاصة في مجال تخصصه وان يسأل نفسه أين هو من التقدم الهائل والموجات العلمية المتلاحقة، ولكي يحصل المعلم على ما يريد من ثقافة عامة واطلاع واسع وشامل يجدر به أن يجيد فن القراءة الجادة كلها، لأن القراءة أهم السبل المؤدية إلى اكتساب المعرفة، وقد تكون القراءة غير مفيدة بل قد تصبح (رذيلة لا عقاب عليها) كما قال فاليري لاربو حين تكون سطحية عابرة يجهل القارئ أساليبها الصحيحة أو يتهرب بواسطتها من دنيا الواقع تخلصاً مما يلح عليه من مزعجات الأفكار، وهو في كلتا الحالتين من الخاسرين، لأنه يهلك الوقت والجهد دون مقابل، فيعجز عن استشفاف ما بين السطور واستخلاص ما تنطوي عليه العبارات من حقائق وآراء. وتراه يقرأ ويقرأ بلا تدبر ولا تبصر ولا إمعان، ظناً منه أن الخير في الكم لا في الكيف وأن مجرد عبور الكتاب سيجعله في مستقبل الأيام علماً من الأعلام.
5 . التعرف على طبيعة العلم وعدم التصادم معها : فالمعلم الناجح هو الذي لا يتكلم إلا فيما يعلم، ولا يُعلم إلا ما يتقن وعليه إتباع طرائق التعليم الحديثة وإلا يستهين بها فيتعثر، وألا يتجاهل طبيعة العلم فيخفق، وعليه أن يكون على دراية بعلم النفس بفروعه المختلفة ليتعرف على مراحل نمو تلاميذه وخصائصهم النفسية والجسمية ويستطيع التعامل معهم بما يناسب ميولهم واتجاهاتهم، كما عليه أن يدرك أن المقرر الدراسي ليس غاية بل هو وسيلة وان المنهج الدراسي ليس المقرر فقط بل هناك عناصر أخرى تتطلب الإلمام بها ليؤدي الرسالة على اكمل وجه.

■ خامساً : الصفات المهنية.
1. الغزارة العلمية في المادة ووسائلها : يقول ابن خلدون : إن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصول.
2. الاستزادة من طلب العلم : يروى عن ابن عباس قوله : لو كان أحداً مكتفياً من العلم لاكتفى موسى على نبينا وعليه السلام ولما قال : (هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً) (الكهف : 66)، وقال سفيان الثوري رحمه الله : (لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا).
3. المهارة في التعليم : وذلك باكتساب المهارات المختلفة من تدرج في التعليم والعرض والإقناع واستخدام الثواب والعقاب وإسداء النصيحة واحترام للقرارات ومساهمة في الأنشطة، وغير ذلك من الصفات المهنية التي لا يتسع المقام لسردها والكفاءات التعليمية التي ينبغي على المعلم الاطلاع عليها والإلمام بها والاشتراك في البرامج التدريبية التي تنميها، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فلم يكن التعليم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعتمد على التلقين دون فهم أو استيعاب، بل كان القرآن الكريم يربي الصحابة بالأحداث ويتنزل الحكم مع الواقعة، وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم ينوع في أساليبه التعليمية للصحابة فتارة عن طريق التساؤلات، كما في حديث (أتدرون من المفلس) (رواه مسلم)، وتارة بالمناقشة والاستقصاء كما حدث مع الشاب الذي جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : (أترضاه لأمك. أترضاه لأختك ! الحديث إلى أن أقتنع الشاب ثم تاب) (رواه أحمد)، وأحياناً كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستخدم الرسوم التوضيحية كما في حديث (خطوط أمل أبن آدم وأجله) (البخاري)، وأحياناً أخرى كان يترك الحكم للصحابة ليتناقشوا في الأمر ثم يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم القول الفصل كما في حديث : (السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب) (رواه البخاري ومسلم)، إلى غير ذلك من الأساليب المتنوعة التي كان عليه أفضل الصلاة والسلام يستخدمها في تعليم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ويرسم بها الخطوط السليمة لكل معلم من بعده والتي لو تتبعناها لتحققت الأهداف والطموحات المرجوة.

 0  0  7211
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:26 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.