• ×

09:47 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ تحفل الجزائر بعدد لا يستهان به من علماء أجلاء وجهابذة نجباء عبر مختلف الحق التاريخية المختلفة والزمنة الغابرة، كان لهم إشعاع علمي وفكري وفق رؤية إصلاحية دينية وعقدية مستوحاة من الكتاب والسنة فراحوا يؤلفون ويدونون ويكرسون جهدهم ووقتهم لحدمة العقيدة والدين، ومن ثم الحفاظ على هوية هذه الأرض المقدسة بلد المليون ونصف المليون شهيد بلا منازع.
فبرزوا في ميادين وفنون مختلفة كالفقه وأصوله والأدب والتاريخ والعلم، وما إلى ذلك من المعارف وقدموا لبلدهم خدمات جليلة يعرفها العام والخاص على مستوى العالم العربي والإسلامي.
إنه عالم يعتبره الأستاذ السوري الدكتور مصطفى ديب البغا أنه تلميذ له ووالده في مجال العلم والمعرفة، وعالم حاضر ودرس وحضر دروس من عاصروه من علماء بلاد الشام كالشيخ الدكتور سعيد رمضان البوطي والشيخ الدكتور وهبة الزحيلي وغيرهم كثر من علماء بلاد الشام ممن يشهدون له بكرم الأخلاق وعلة الهمة ومكانته في مجال العلم.
ومن بين هؤلاء الأعلام ومن أشهرهم العلامة الأصولي والفقيه والمفتي والمؤرخ ورائد البحث المصدري في الجزائر المرحوم الشيخ الأطرش السنوسي، ولا أريد الغوص في تفاصيل حياته واستعراض أبحاثه ومقالاته ومشاركاته في المنتديات العلمية داخل الوطن وخارجه، بقدر ما أردت تسليط الضوء على مسائل ثلاث :
• مميزات الشيخ وخصاله.
• ريادته للبحث المصدري.
• نماذج من نفائس المخطوطات التي تضمنتها خزانته الخاصة.

● مميزات الشيخ وخصاله :
تميز الشيخ الأطرش السنوسي رحمه الله بميزات وخصال حميدة قل نظيرها ويمكن إجمالها فيما يلي :
1. ثقافته العامة : والتي لم تكن مركزة على الفقه أو الدراسات الإسلامية وحدها بل تعدتها إلى علم التاريخ والأدب والفكر وهي أمور كان لها أثرها في تعامله مع كافة أنواع الكتب والمخطوطات النفيسة والمطبوعة وتصنيفها وفهم مضامينها.
2. أفاد الشيخ الأطرش السنوسي الباحثين والمؤرخين بمؤلفاته الشخصية التي كتبها مثل : "الإمام مالك ومدرسة المدينة، تيسير الوصول لعلم الأصول".
3. علمه الدؤوب ضمن لجنة المجلس العلمي لمديرية الشؤون الدينية، وتتابع عمله ضمن حقل الفتوى.
4. كما أفاد الشيخ الأطرش السنوسي طالبي العلم بمكتبته الغنية بنفائس الكتب والمخطوطات القيمة التي تحتاج إلى دراسة وعناية مركزة.
5. حافظته القوية التي تستوعب أسماء الرجال وعناوين مؤلفاتهم ومضامين الكتب وتواريخ الأحداث.
6. عطفه الكبير على الطلبة والباحثين وإظهار العناية بهم والاستماع إليهم في تواضع عز نظيره، وفي نكران ذات لا يعطيه الله إلا للمخلصين المتقين من عباده.

● ريادته للبحث المصدري :
يتميز الشيخ الأطرش السنوسي بمنهج خاص به في البحث، يتمثل في الكشف عن المصادر الدفينة في الفقه وأصوله والتاريخ والأدب والمخطوطات المتصلة بحضارته والتعريف بمصادر فقهية وأدبية وإطلالة سريعة على آثار الشيخ الأطرش السنوسي تؤكد ذلك.
فأما المؤلفات التي تعد من روائع البحث المصدري على سبيل المثال لا الحصر فهي :
1- الإمام مالك ومدرسة المدينة.
2- تيسير الوصول لعلم الأصول.
ويمكن أن نضيف إلى هذه المؤلفات مقالات مهمة صدرت للشيخ الأطرش السنوسي - رحمه الله في منابر مختلفة، خصوصا في مجلات الحضارة الإسلامية ومجلات عربية محكمة، إضافة إلى مشاركته في العديد من الملتقيات والندوات العلمية المحلية والدولية.

● نماذج من نفائس مخطوطات خزانته :
مما لاشك فيه أن أغلب الباحثين في الدراسات العربية التي تهتم بالتراث يعرفون دلالة خزانة الشيخ الأطرش السنوسي وأجداده، وما تحويه من نفائس المخطوطات والوثائق وفرائد المطبوعات من كتب على اختلاف مشاربها ومضامينها ومجلات متنوعة كما سبق ذكره لأن صاحبها - رحمه الله - اتصف بالسخاء والكرم في هذا المجال.
وقد اهتديت إلى خزانة الشيخ السنوسي كونها جعلها وقفا لله تعالى بمكتبة مديرية الشؤون الدينية لولاية وهران، فكانت الفائدة أعم وأشمل.
إن الشيخ العلامة الشيخ أحمد الشريف الأطرش السنوسي، غني عن التعريف بشخصه الكريم، فهو كما يعرفه الباحثون العالم المتنوع المعارف، السخي بعلمه المتواضع بشخصه، الذي خدم العلم عقودا طويلة، وجمع من الكتب ما كون بها خزانة عامرة، وإذا كان شيخا غنيا عن التعريف فإن ذخائر مكتبته تحتاج إلى تعريف القارئ بها فمما غمرني به من نوادرها مخطوط ألفه الشيخ يقع في أجزاء عدة سماه "تاريخ الجزائر عبر خمسة قرون الأخيرة أو تاريخ الجزائر عبر العصور" ولله الحمد والمنة أننا سوف نرى خروجه إلى النور بعد طبعه وتوجيهه إلى عامة الباحثين والمؤرخين والمهتمين بتاريخ الجزائر عبر مختلف حقبها التاريخية.
تبلغ صفحات هذا الكتاب الضخم حسب الفهرس الموجود عندنا 1513 صفحة، يبتدئه الشيخ بإعطاء لمحة موجزة عن التوسعات المسيحية التي شملت أجزاء المغرب الإسلامي وتبيان الوضع العام لهذه البلاد والولوج مباشرة إلى تواجد الاسبان بالغرب الجزائري وتوسعاته فيما بعد، مرورا بطلب النجدة من الإخوة بربروس عروج وخير الدين، وذكر بعض الحوداث التاريخية المهمة التي لم يرد ذكرها بالتفصيل في الكتب التاريخية الأخرى كحادثة ابن عريبي وقدور بالمخفي مع الأمير عبدالقادر وكذا ما تعلق الأمر بالثورة التحريرية الكبرى وما قبلها، لأن الشيخ عايش تلك الفترات المهمة من تاريخنا.
كما يتعرض بعد ذلك إلى قضية تحرير وهران من التواجد الإسباني فاصطدام العثمانيين بحركتي درقاوة والتيجانيين، ثم يتعرض بعدها إلى ذكر أنظمة العثمانيين بالجزائر الإدارية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية الثقافية فالتوسع الفرنسي والمقاومة وظهور شخصية الأمير عبدالقادر وأهم الأحداث التي جرت في عهده ثم ذكر لأهم التغيرات ومن ثم إحداث تنظيمات أو أنظمة اقتصادية واجتماعية وثقافية كما يتطرق الشيخ الأطرش السنوسي إلى استسلام الأمير عبدالقادر عام 1847م وكذا استسلام أحمد باي عام 1848م وتواص المقاومات الشعبية فيما بعد، ثم وصف دقيق للحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية عشية الاحتلال الفرنسي إلى غاية ظهور الحركات الوطنية السياسية قبل الحرب العالمية الأولى وما بعد الحرب العالمية الثانية.
كما يتناول الشيخ الأطرش السنوسي في كتابه الضخم بعض الأحداث التاريخية التي تكاد غامضة في تاريخنا المعاصر من انتفاضة 19 جوان 1965م ثم التعريج إلى حركة التعليم الأصلي والعالي والإصلاح الجامعي ثم ذكر مآثر الفترة البومدينية وإصلاحاتها في مختلف الميادين ثم يختم الشيخ كتابه المطول بالحديث عن دور اتحاد الأدباء العرب والثورة الثقافية والتعريب، فاللجنة الوطنية للتعريب.
فمن جملة تلك الحوادث التاريخية التي فصل فيها الشيخ أيما تفصيل "حادثة ابن عريبي وقدور بلمخفي" "ففي شهر جوان من عام 1834م كان نبأ عصيانهما حديث القاصي والداني، سيما وقد عقد الرجلان عهدا بينهما على توحيد المجابهة زمانا ومكانا، فخيم المغامران بموقع "البرج" شرقي معسكر على أمل الهجوم عليها وفي 17 جوان من نفس السنة حمل الأمير عبدالقادر على ابن عريبي ورهطه في "قبيلة البرجية"، فأمر رجالها وسبى نساءها ومن بينهم حريم ابن المخفي وبنوه، وفر ابن المخفي عندما رأى رجاله يتساقطون وأذعن بقيتهم".
"وأما ابن عريبي الذي اعتبذ في القلعة فقد تأخر بجموعه إلى نواحي نهر الشلف ومينا، إثر ما بلغه من نبأ صاحبه فتابع الأمير غزواته حتى قضى على حركتهما وأطاع أنصارهما، ثم ولي خليفة عنه في تلك النواحي السيد بوشاقور".
وفي أواخر شهر أوت وفد على الأمير عبدالقادر بمعسكر الشيخ ابن الغماري رئيس قبيلة "أنكاد أو أنقاد" وابن عريبي وقدور بالمخفي في جميع من أعيان قبائلهم طلبا للعفو وإعلانا بالطاعة، فعفا عن ابن المخفي وحده وقبض على ابن الغماري وابن عريبي، وصهره محمد ابن المداح وأودعهم السجن رهن التحقيق وقد مات الأخيران ضحية داء الكوليرا، وأما ابن الغماري ففر من سجنه ولحق بقبيلة المشارف من نواحي معسكر، حيث قبض عليه هناك وأعيد إلى معسكر فأعدمه الأمير مع خادمه" وهناك حوادث تاريخية مهمة أخرى فلنترك للباحث استنباطها وتوظيفها في مكانها اللائق بها.
هذه ومضات خاطفة عن أحد علماء الجزائر خلال القرن العشرين الذين وهبوا حياتهم من جهد ومال ونفس ونفيس في سبيل نشر تعاليم الدين أولا، وتربية الناشئة على خلق الاسلام الرفيع هناك وهناك الكثير من هؤلاء الأعلام المغمورين الذين يحتاجون منا نحن الباحثون والمهتمون بتاريخ الأمم القديمة وأعلامها إلى عناية أكبر، وتحفيز طلابنا على الغوص في كنه هذه الكنوز النفيسة.

الكاتب : حمدادو عمر
 0  0  3570
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:47 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.