• ×

01:20 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ أثناء قراءتي لكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ظفرت بهذه القصّة : قال إسحاق : حدثني أبو السمراء قال : حججت فبدأت بالمدينة، فإني لمنصرف من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا امرأة بفناء المسجد تبيع من طرائف المدينة، وإذا هي في ناحية وحدها، قد قام عنها من كان يجلس إليها، وإذا هي ترجع بصوت خفي شجي، فالتفت فرأيتها، فقالت : هل من حاجة ؟
قلت : تزيدين في السماع.
قالت : وأنت قائم ؟ لو قعدت ! فقعدت كالخجل.
فقالت : كيف علمك بالغناء ؟
قلت : علم لا أحمده.
قالت : فعلام أنفخ بلا نار ؟ وما منعك من معرفته، فو الله إنه لسحوري وفطوري.
قلت : وكيف وضعته بهذا الموضع العالي ؟
قالت : يا عير، وله موضع يوضع به وهو من علوه في السماء الشاهقة ؟
قلت : وكل هؤلاء النسوة التي أرى على مثل رأيك وفي مثل حالك ؟
قالت : فيهن وفيهن، ولي من بينهن قصة.
قلت : وما هي ؟
قالت : كنت أيام شبابي وأنا في مثل هذه الخلقة التي من القبح والدمامة والأدمة، وكنت أشتهي المباضعة شهوة شديدة، وكان زوجي شاباً وضياً، وكان لا ينتشر عليَّ (ينتصب ذكره) حتى أتحفه وأطيبه، فأصر ذلك بي، وكان علقته امرأة قصار تجاورني، فزاد ذلك في غمي، فشكوت إلى جارة لي ما أنا فيه وغلبة امرأة القصار على زوجي فقالت : أدلك على ما ينهضه عليك ويرد قلبه إليك ؟
قلت : وا بأبي أنت، إذاً تكوني أعظم الخلق منة علي.
قالت : اختلفي إلي "مجمع" مولى آل الزبير فإنه حسن الغناء، فاعلقي من أغانيه أصواتاً عشرة، ثم غني بها زوجك فإنه (...) بجوارحه كلها.
قالت : فألظظت بمجمع فلم أفارقه حتى رضيني حذاقة ومعرفة، فكنت إذا أقبل زوجي من مهنته اضطجعت فرفعت عقيرتي، فإذا غنيت صوتاً بت على، وإن غنيت صوتين بت على، وإن ثلاثة فثلاثة، فكنا كندماني جذيمة حقبة، من الدهر حتى قيل لن يتصدعا.
قال : فضحكت والله حتى أمسكت على بطني وقلت : يا هذه، ما أظن الله خلق مثلك.
قالت : اخفض من صوتك.
قلت : ما كان أعظم منة صاحبة الشورى عليك.
قالت : حسبي بها منة، وحسبك بي شاكرة.
قلت : ففي قلبك من تلك اللوعة شيء ؟
قالت : لذع في الفؤاد، فأما تلك الغلمة التي كانت تنسيني الفريضة وتقطعني عن النافلة، فقد ذهب تسعة أعشارها.
قال : فوقفت عليها وقلت : ألك حاجة أن أرم بعض حالك ؟
قالت : أنا في قائت من العيش، فلما نهضت لأقوم قالت : على رسلك، لا تنصرف خائباً، ثم ترنمت بصوت تخفيه من جاراتها : ولي كبد مقروحة من يبيعني، بها كبداً ليست بذات قروح، أبى الناس أن يرضوا بها يشترونها، ومن يشتري ذاعرة بصحيح.
ثم قالت : انطلق لطيتك، صحبتك السلامة.

أختاه المسلمة : من قلب مسلم ناصح نصوح الى كل مسلمة تريد رضاء الله بالدنيا والآخرة، ورضاء الله من رضى الزوج أولاً بالدنيا أقول : إنّ هذه القصّة الطريفة تكشف عن علاج فعّال لمشكلة زوجية مؤرّقة، ألا وهي انصراف الرجل عن امرأته لسبب أو لآخر، لا سيّما في هذا الزمن؛ زمن الإعلام المرئيّ الباهر، الذي يضجّ بالغناء الساحر، وبأصوات رخيمة فاتنة، وخليق بالمؤمن الطاهر الذي امتلأ قلبه محبّة لله ـ عزّ وجلّ ـ، أن يعرض عن هذا اللغو الفاجر : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون : آية 3)، ولكن ما حال امرأة ابتليت بزوج مفتون بالغانيات، هل تسلمه لهنّ ليذهبن بلبّه ؟ ألم يخبرنا حبيبنا ـ صلّى الله وعليه وسلّم ـ أنّ حور الجنّة يغنين لأزواجهنّ، فعن علي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم- : (إنّ في الجنة لمجتمعًا للحور العين، يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن : نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنّا له).
وعن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال : (ما من عبد يدخل الجنّة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين يغنّيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجنّ، وليس بمزامير الشيطان).
وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: (إنّ أزواج أهل الجنّة ليغنّين لأزواجهنّ بأحسن أصوات ما سمعها أحد قطّ، إنّ ممّا يغنّين به : نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام ينظرون بقُرّة أعين، وإنّ ممّا يغنّين به : نحن الخالدات فلا نمتنهْ، نحن الآمنات فلا نخفنهْ، نحن المقيمات فلا نَظْعَنّهْ).
وقال رجل من قريش لابن شهاب : هل في الجنّة سماع، فإنّه حُبّب إليّ السّماع ؟ فقال : أي والذي نفس ابن شهاب بيده، إنّ في الجنّة لشجرًا حِمْله اللؤلؤ والزبرجد، تحته جوارٍ ناهدات (*)، يتغنّين بألوان، يقلن : نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات فلا نموت، يتغنّين بألوان، فإذا سمع ذلك الشجرُ؛ صفّق بعضه بعضًا، فأجبن الجواري، فلا ندري أصوات الجواري أحسن أم أصوات الشجر.
وعن خالد بن يزيد قال : إنّ الحور العين يغنّين أزواجهنّ، فيقلن : نحن الخيرات الحسان، أزواج شباب كرام، ونحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، في صدر إحداهنّ مكتوب : أنت حبّي وأنا حبّك، انتهت نفسي عندك، لم تر عيناني مثلك.
والآثار في ذلك كثيرة، فهلا اقتديت أيتها المؤمنة العفيفة الصابرة بنساء أهل الجنّة، وغنّيتِ لزوجك لتكسبي ودّه، وتملكي قلبه، وتغضّي عن الحرام بصره وسمعه ؟ وقبل ذلك تنالي الثواب الجزيل من الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) فتاة ناهدة : إذا كبرت نهودها عند بلوغ سن الحيض، وأصبحت كالرمان في صدرها ملفتةً للرجال .

 0  0  1630
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:20 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.