• ×

02:51 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ الأساليب التربوية الشرعية «2» ـ بحث علمي.
أما عن الكتب التي اعتنت ذا الكتاب فهي كثيرة، وأوصلها بعضهم إلى مئة وواحد، (وثلاثين كتاباً ما بين مخطوط ومطبوع تتعلق بصحيح البخاري شرحاً أو اختصارًا أو تعليقاً) وهذا يعكس مكانة الصحيح وأهمية هذا الكتاب العلمية التي جعلته في مقدمة كتب السنة النبوية المطهرة.
يأتي كتاب العلم في الترتيب المنهجي لصحيح البخاري الثالث بعد كتاب بدء الوحي، وكتاب الإيمان، وقد بلغت أبواب كتاب العلم ثلاثة وخمسين باباً، اشتملت على مئة وأربعة وثلاثين حديثاً.
وقد افتتح الإمام البخاري كتاب العلم بذكر أحاديث فضل العلم وشرفه ومكانته في التربية الإسلامية، ثم أتبع ذلك ببيان بعض أحاديث آداب العالم، والمتعلم، ورسم معالم منهجية في تحصيل العلم وتعليمه، وبيان المبادئ التربوية المستمدة من خلال الأحاديث النبوية .. ولم يفت الإمام البخاري أن يذكر عددًا من الطرق التربوية التعليمية المستنبطة من الأحاديث النبوية حيث جعلها تراجم وعناوين لأبواب كتاب العلم الأمر الذي يعكس أهمية هذا الكتاب من الناحية التربوية التعليمية.
وقد اشتمل كتاب العلم على الكثير من الأساليب التربوية المتنوعة التي يحتاج إليها المربي، لأنه - رحمه الله - أدرك أثر الأساليب التربوية المتنوعة فهي أداتنا الوحيدة في تحقيق ما نؤمن به من الأهداف؛ لذلك ينبغي العناية الكاملة بها، والتدقيق في بحثها واختيارها إذ الوسيلة الفاسدة، تضيع الهدف الصالح وتحيد عن الطريق.
في التعليم وأساليبه التربوية التي كان وتأتي أهمية كتاب العلم كونه يبين منهج الرسول يمارسها في مدرسة النبوة، وهو يعلّم أصحابه ويزكّيهم، والتي أصبحت منهجاً تربوياً متميزًا على مر التاريخ، التعليمية التي تمثل الإطار العام كما يوضح لنا كتاب العلم أصول طريقة الرسول للتربية والتعليم، ومحاولة الاستفادة من هذا الإطار في إصلاح نظام التدريس في مدارسنا وأوساطنا التربوية، والتعليمية.
لذا فإن العودة إلى الهدي النبوي سبيل الفلاح لأمتنا لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المتغيرات والشبهات والشهوات حيث إن "روضة السنة عامرة بالتوجيهات التي تكفل بعث ليقيم نمطاً جديدًا من الحياة له أشكاله" السعادة العامة في شتى مظاهر الحياة فالرسول المتميزة وروحه الخاصة.
منهجاً فريدًا في غرس ما بعث به من هدي في قلوب الناس حتى صار فيهم وسلك كدمهم به يحيون وبفقده يموتون .. وهذا المنهج جدير بالدراسة لنرى أن عملية التعليم كانت منظمة وتسير وفق إدارة تصل لم بالمتعلم لا إلى الفهم أو الحفظ أو العمل فقط بل لتخرج المعلمين، لأن ما علمه الرسول يكن لجيل فحسب إنما هو للأجيال السابقة واللاحقة حتى ينفض سرادق الحياة وينقلب الأحياء إلى الله.
كانت لإعداد جيل معلم يتجاوز مرحلة السمع إن عملية التعليم في حياة الرسول (والفهم والحفظ والعمل إلى مرحلة التبليغ) ولهذا قام المقال بدراسة هذا الموضوع من خلال كتاب العلم الذي جاء في أصح كتاب في تربيته بعد القرآن الكريم، وهو يرسم بعض معالم التعليم النبوي الذي حرص عليه الرسول لأصحابه وتعليمه إياهم .. والباحث يرجو أن يجلي بعض الأساليب التعليمية التي اشتملت عليها هذه الأبواب لنفيد منها في تربيتنا المعاصرة والتي تؤكد أن تعدد الطرق والأساليب تمكن من الاختيار الأمثل والأصلح حيث "أن أحسن الطرق وآمنها هو تعددها" سواء كانت هذه الأساليب نظرية أم عملية.
لقد كان لتراجم الأبواب دلالة كبيرة على فقهه وقوة استنباطه وقد اعتنى العلماء بهذه التراجم وجمعوها وعلقوا عليها حتى بلغت عند بعضهم أربعمائة ترجمة، وزاد بعضهم أكثر من ذلك (وهذا مما جعل ابن حجر يقول عن هذه التراجم : "إن مما جعل صحيح البخاري مقدماً على غيره من كتب الحديث ما ضمنه أبوابه من التراجم التي حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار").
ويرجو الباحث أن توضح هذه الدراسة إحدى الفوائد العلمية لتراجم الإمام البخاري؛ حيث اشتملت هذه التراجم على الأساليب التعليمية التي تحتاجها التربيات المعاصرة وتنادي.
(الإمام البخاري : هو أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه) الجعفي وكنيته أبو عبدالله.
ولد الإمام البخاري في شوال بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت منه، من سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى، ومات أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر أمه، وألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل : إنه يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث مسنداً، وحج وعمره ثماني عشرة سنة، وأقام بمكة يطلب الحديث.
(قال عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي - رحمه الله - "رأيت العلماء بالحرمين والعِراقَين فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل البخاري") وقال أبو عيسى الترمذي : "لم أر أحد بالعراق ولا بخرسان، في معنى العلل والتاريخ (ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل") قال الحافظ ابن كثير عن الإمام البخاري : "إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في (أوانه والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه").
ونختم هذه التزكيات بما جاء من أن الإمام مسلم بن الحجاج - رحمه الله - جاء إلى الإمام البخاري فقبل عينيه وقال : "دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، ويا طبيب (الحديث في علله").
لقد تلقى علمه من جهابذة العلماء والأساتذة في عصره حيث رحل إليهم في مواقع ولقد بلغ عدد شيوخه، وجودهم، على تباعد أوطانهم، طلباً للعلم وبخاصة حديث رسول الله الذين التقى بهم وسمع منهم ألف شيخ، فقد قال : "كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلا أذكر إسناده"، وقد قسم ابن حجر شيوخ الإمام البخاري إلى خمس طبقات، ومن أشهرهم محمد بن عبدالله الأنصاري، وأبي عاصم النبيل، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية.
لقد أخذ العلم عن الإمام البخاري خلق كثير، فالأوائل يأخذون بالقاعدة التربوية القديمة :
"يؤخذ العلم من أفواه الرجال لا من الأوراق" وكثير ممن قابلتهم خلال عملي بالمملكة العربية السعودية منذعام 1973م من رجال العلم الاوائل وكبار السن ممن يقال عن الفرد منهم عود - بضم العين" يقولون باننا سمعنا من الأولين - الرجال الكهول والقدامى بالعمر والسن - أن من أراد العلم أما أن يكون راغباً أو راهباً - أي أن من أراد أن يتعلم ويرق إلى الدرجات العلمية أما أن يكون مجتهداً ومحباً ومخلصاً لطلب العلم وأما أن يجبره والده ومعلمه بالقوة على تحصيل العلم - ولا مجال لنظريات التربية الحديثة (ممنوع الضرب بالمدارس - مما جعل الطالب مدللاً و مدلعاً بالمدارس - مما سبب للشباب الميوعة وعدم الشعور بالمسؤولية القادمة في مستقبلهم، فأن استلموا مناصب قيادية في دائرة ما فيكون الفشل والترهل الإداري هو نتيجة عدم الأمانة الصحيحة في تحصيل العلم من غش أو ترفيع تلقائي أو واسطات ومحسوبيات عائلية وعشائرية وقبلية - وربما يصل الأمر إلى تقديم الرشوة للحصول على كرتونة مؤهل علمي معين لا يعرف من احقيته بعض الاصطلاحات المشهورة في سطور صفحات المراجع والكتب المقررة منه شيئاً).
ومما يدل على كثرة تلاميذ الإمام البخاري ما ذكر الفربري، أنه سمع الجامع الصحيح من البخاري تسعون ألفاً من تلاميذه، ويرى ابن حجر أنه سمع الصحيح من الإمام البخاري أكثر من ذلك، ورووه عنه، وكان يجتمع في مجلسه ببغداد أكثر من عشرين ألفاً يأخذون عنه ويتلقون درسه.
(استمر رحمه الله في مهمته التعليمية والبحثية حتى توفاه الله عز وجل بمدينة (خرتنك) إحدى قرى سمرقند ليلة السبت عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، سنة (ست وخمسين ومائتين)، وعاش اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشر يوماً).
تعتبر التربية الإسلامية فريضة شرعية، وضرورة تربوية، لإعداد الجيل المسلم الصالح الذي يحقق العبودية لله عز وجل، ويعمر الكون بمقتضى الشهادتين؛ لأن في صلاح الفرد صلاحاً للأسرة، وبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، ويستقيم على أمر الله، وبصلاح المجتمع تصلح الأمة الإسلامية.
وهذا أسمى هدف تسعى إليه التربية الإسلامية من خلال وسائطها التربوية المختلفة والوسيلة التي تحقق هذا المقصد المهم، وهو العلم والتعليم.
وهذا يعكس أهمية الأساليب التربوية التعليمية التي تساعد المربين على القيام بواجبهم التربوي في مناشط التعليم وبيئات التربية المختلفة، وتحقق أهداف التربية السامية؛ لأنه أصبح من المقرر "أن المعلم لأنه يعلّم بمادته فحسب وإنما بطريقته وأسلوبه وشخصيته وعلاقاته مع تلاميذه".
ولعل الباحث يورد مثالاً بسيطاً يوضح من خلاله أهمية أساليب التربية، فلو تصورنا أن إنساناً واقفاً على شاطئ نهر جار متدفق بالمياه العذبة، ويرغب هذا الإنسان العبور على الشاطئ الآخر من النهر، فإنه لابد أن يبحث عن واسطة نقل كقارب مثلاً يحمله إلى مبتغاه، إن هذا القارب هو بمثابة وسيلة أسهمت في تحقيق هدفه، وكذا الحال مع الأساليب التعليمية التي من خلالها تتحقق الأهداف المحددة والمبتغاة، وبدونها لن نحقق ما نسعى إليه بصورة صحيحة وفاعلة.
إن المربي المسلم يسعى إلى بناء الشخصية الإسلامية المنتجة، وذلك من خلال الوسائط التربوية المختلفة، مستخدماً لذلك الأساليب المناسبة لمقتضى الحال، ويرغب الباحث في استنباط بعض الأساليب التعليمية التي تضمنها كتاب العلم في صحيح البخاري، وتوظيفها في تحقيق أهداف التربية الإسلامية ويزيد من أهمية هذه الأساليب كونها مستمدة من مشكاة النبوة.
ولقد اهتم العلماء بأسلوب التعليم قديماً وحديثاً حتى قالوا : "إن المعلم الناجح هو في حقيقته طريقة ناجحة توصل الدرس إلى المتعلمين بأيسر السبل، مهما كان المعلم غزير المادة، (الذي لا يملك الطريقة الجيدة، فإن النجاح لن يكون حليفة في عمله التربوي)".
وفي الاسطر التالية أهم الأساليب التعليمية حيث تنوعت أساليب التعليم وطرقه، وهذا ما تتطلع إليه التربية الحديثة بأساليبها وتحاول بشتى السبل الوصول إليه.
الأسلوب : مأخوذ من الفعل (سلب) والسلب : السير الخفيف السريع، و انسلب : أسرع في السير جدًا، والسلب أصل واحد : يعني أخذ الشيء بخفة واختطاف، ومنه سمي الطريق : (أسلوباً؛ لأنه يسار فيه بخفة وسرعة) ويطلق على المذهب والطريقة فيقال : (هم في أسلوب سوء أو خير ويجمع على أساليب) والأُسلوب بالضم هو الفن، يقال : (أخذ فلان في أساليب من القول)، أي أفانين منه، والأساليب هي أجناس الكلام وطرقه، وأسلوب الكاتب طريقته في الكتابة.
الطرق التي يسلكها المربي في تربيته وتعليمه أو بمعنى آخر : هي الإجراءات التي يتخذها المعلم في تنفيذ طريقة من طرق التدريس من أجل تحقيق الأهداف المحددة للمادة التعليمية (مستعيناً بوسيلة من الوسائل التعليمية المناسبة).
وسوف يحاول الباحث أن يستفيد من هذا التعريف في بحثه لاتفاق المضمون والطريقة، الوسيلة مأخوذة من الفعل الثلاثي : (وسل) يقال : (وسله له وإليه وسيلة)، وجمعها (وسائل) ويقال : (أنا متوسل إليه بكذا، وتوسلت إلى الله بالعمل) أي تقربت ورغبت إليه بذلك العمل، وأصل الوسيلة ما يتوسل به إليه الشيء ويتقرب به.
قال ابن العربي : "الوسيلة : هي السبب الذي يحاول به المطلوب" .. ويقول ابن كثير : "الوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود".
وفي الاصطلاح : ما يتوصل به المربي إلى تحقيق الأهداف التي يسعى إليها في ميدان التربية والتعليم.

● الفرق بين الأسلوب والوسيلة يتضح من خلال النقاط التالية :
1- الأسلوب أشمل من الوسيلة؛ حيث يحتوي على أكثر من وسيلة مادية ومعنوية حسب الموقف التربوي التعليمي.
2- يغلب على الوسائل أنها مادية، وما كان منها معنوياً فإنه يكون في الغالب مرتبطاً بوسيلة مادية، وقد تكون مقابلة بكلمة (مهارة).
3- تعد الوسائل أوعية للأساليب وحاملة لها، فالأسلوب هو الطريقة والوسيلة (الأداة المستخدمة لتحصيل المطلوب أو السبب الموصل لمحتوى تلك الطريقة).
4- ومن الأمثلة التطبيقية التي توضح الفرق بين الأسلوب والوسيلة : خطبة الجمعة فهي وسيلة تربوية دعوية، أما طريقة الخطيب في الإلقاء والتعبير عن المعاني فهي أسلوب تعليمي دعوي، ومثل ذلك المدرسة تقام فيها البرامج والأنشطة التعليمية التربوية المختلفة بينما طريقة إلقاء المحاضرات والندوات والدروس العلمية تسمى أسلوباً تعليمياً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحث علمي للدكتور علي بن إبراهيم الزهراني ـ بعنوان : (الأساليب التعليمية المستقاة من خلال تراجم الإمام البخاري) (يتبع).

 0  0  2337
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:51 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.