• ×

03:10 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ زعيم عربي شهير بحكمته الفطرية، حرص على تقديم الشكر إلى وزير دفاعه الذي أحبط محاولة انقلابية في جزء مهم من أجزاء الدولة، كانت هذه المحاولة ستؤدي بشكل أو بآخر إلى انهيار تلك الدولة، أتدرون ما المكافأة ؟ أجلسه بجانبه في سيارته، وقدم له تمرة !

تمرة واحدة، كبيرة في معناها، مرادفة لـ «أحسنت صنعاً»، مملوءة بالتقدير على الجرأة والشجاعة اللتين تحلى بهما وزير الدفاع الشاب، الذي دخل بنفسه مكان الانقلاب، وألقى القبض على مدبريه، هذه التمرة كانت أغلى هدية يتلقاها ذلك الوزير، وكان لها أثر كبير في رسم ملامح شخصيته، وأصبحت ذكرى يعتز بها، ويرويها لأولاده، وأفراد شعبه في ما بعد.
الحكمة هنا تكمن في تقدير المتميز، مهما كانت وظيفته، لأن التقدير له من التأثير ما لا يمكن أن يصنعه المال، إنه بناء للثقة في القلوب، وطريق معبد للإبداع، والحصول على أفضل ما يمكن الحصول عليه من الموظفين طواعية بالشكل الأمثل.
الجميع يحتاج إلى التقدير المعنوي والمادي، وهناك من البشر من يعنيهم المعنوي بشكل أكبر، كل حسب طبيعته، لا يهم ذلك، فالنفوس متغيرة، لكنها في كل الأحوال محقة، فالعمل الجيد والمتميز يحتاج أيضاً إلى لفتات مميزة، والإبداع يدفن بعد فترة إن لم يجد حضناً دافئاً يستوعبه ويحفزه، إنها ليست نظريات إدارية، بل هو واقع نعيشه، «من جَدّ وجد» هذا صحيح، ولكن من نال التقدير ضاعف العمل والتميز.
الإدارة ليست شدة، وإصدار أوامر وتعليمات غير قابلة للمراجعة والنقاش، بل هي فن انتزاع الإبداع من الموظفين، وهذا الفن ربما لا يجيده كثيرون، لأن مفهوم الإدارة لديهم انحصر في جوانب، وأهمل جوانب أخرى أكثر تأثيراً، لا ننكر أن التعامل مع العقول ونفسيات البشر لا يمكن أبداً أن يتم بصيغة واحدة، وأسلوب واحد، والكلمة الطيبة ليست دائماً فعالة، لكن ذلك لا يجب أن يكون مبرراً للشدة الزائدة.
هناك قيود كثيرة تفرضها القوانين والأنظمة الإدارية، وقوانين الموارد البشرية تحد كثيراً من صلاحيات مسؤولين في تنفيذ سياسات تحفيزية للموظفين، وهذا واقع لا يمكننا إنكاره، لكن هناك مئات من الأساليب الأخرى التي يمكن أن يتبعها هؤلاء المسؤولون، ربما لا تكلفهم شيئاً، لكنها ذات تأثير إيجابي لرفع المعنويات، وبث الحماس، وزيادة معدلات الطاقة الإيجابية عند الموظفين.

ربما يصنف البعض كلامي هذا على أنه من النظريات، والمثالية غير الواقعية، لكنني متأكد من وجود موظفين تكفيهم الكلمة الطيّبة، وتكفيهم الابتسامة، وتكفيهم كلمة من نوع «أحسنت» أو «بيّض الله وجهك»، وهناك من يطير فرحاً برسالة شكر وتقدير، تماماً كفرحة وزير دفاع بتمرة من زعيم حكيم، مع أن ذلك الزعيم كان قادراً على تقديم ما هو أكثر بكثير من تلك التمرة، لكنه كان متأكداً أن أي شيء آخر لن يكون بحجم ذلك التأثير في معنويات الوزير الشاب.

 4  0  1993
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1433-02-15 11:44 صباحًا أحمد سعد الغامدي :
    الإدارة فنّ .. عبارة موجزه ، لكن تحمل في طياتها الكثير والكثير .. يسعدني أن أكون من علّق على موضوعك الثريّ ، أستاذي ، أبا طارق ..
  • #2
    1433-02-15 07:30 مساءً عبدالله أحمد هادي :
    أخي الرائع الأستاذ / عمر الأحمدي
    سعدت بقراءة مشاركتك القيّمة ؛ وهي رسالة إدارية مميزة .
    إن التقدير فن وعلم .. ومهاراته لا يُجيد تطبيقها إلا القادة الكبار .
    إن إدراكنا لقيمة التقدير الوظيفي، يُضفي لذواتنا ولزملائنا عبق التفاؤل، ولقد أثبتت العديد من الدراسات الأثر الفاعل للتقدير في مضاعفة أداء العاملين في المنظمة ويُفجر إبداعاتهم الكامنة .
    ومن البديهي أن خبراتنا تنير لنا آلية استخدام نوع التقدير المناسب حيث أن أساليب التقدير تتنوع وتتسع باتساع آفاق وإبداعات الشخص المُقدّر .
    ولكي يؤتي التقدير ثماره فلابد من الاهتمام بالطريقة التي سنوصل فيها رسالة التقدير .
    لا ريب أن واقعنا يزهو بنماذج قيادية رائعة بيد أننا قد نجد من يسيطر عليه وهم تهديد المنصب الوظيفي ، كما يميل البعض إلى التلاعب بالكلمات المعسولة ويطبق القرارات المحبطة .
    تحياتي .
  • #3
    1433-02-16 02:26 صباحًا حمدان الجهني :
    أخي الأستاذ / عمر الأحمدي، أولاً : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
    ثانياً : أهنئك على هذا الطرح الجميل والرائع، ويكفيك تعليق المربي الفاضل الأستاذ / عبدالله هادي، والأستاذ / أحمد الغامدي .
    ثالثاً : عند قرأتي لما كتبت تذكرت مقولة قرأتها في كتاب (إدارة الأولويات، الأهم أولا)، حيث ذكر المؤلف، أن مدير أحد أكبر الشركات في أمريكا كان يذهب ويسافر من العاصمة واشنطن إلى أحد مديري فروع الشركة في أحدى الولايات التي تبعدأكثر من 1200 كم، وعند مقابلته لمدير الفرع في تلك الولاية يبتسم له ويقول أنني أتيت لكي أقدم لك خدمة، هل تحتاجني في شئ أم أرجع من حيث أتيت ... انتهى .
    ما هو أثر هذه الكلمات على مدير الفرع ؟ وما تأثيرها على العمل ؟ وكيف تكون الانتاجية ؟
    وهل يمكن أن يحدث مثل ذلك في مدارسنا ؟ وما هي ردة الفعل ؟
    بمعنى كيف يكون حال مدير المدرسة إذا زاره مشرف الإدارة المدرسية، وقال له أنا أتيت لكي أقدم لك خدمة، تحتاجني أم أذهب إلى مدرسة اخرى ؟
    وقس على ذلك مشرفي المواد الأخرى ورؤساء الأقسام ومديري المكاتب و ،،، الخ .. وشكراً
  • #4
    1433-02-16 06:01 مساءً خالد بن محمد الزهراني :
    التحفيز معناه أن تعطي الشخص دفعة لعمل ما تريد بإثارته لفعل الشيء.

    يحث المنهج الإسلامي علي تحفيز الأفراد لإنجاز الأعمال علي أفضل وجه ممكن، ويوجد أدلة كثيرة على ذلك.

    قال تعالي "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً "(30 الكهف)
    وقد استخدم الرسول صلي الله عليه وسلم التحفيزفي جميع مجالات الحياة وفي مختلف الظروف استثاره لهمم الأفراد لتحسين أدائهم وإتقانه والفوز في الدنيا وبالآخرة.
    كان الرسول صلي الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال قبيل غزوة بدر قائلاً"والذى نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة" وقال وهويحضهم على القتال:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"، وحينئذ قال عُمَيْر بن الحُمَام: بَخْ بَخْ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟" قال : لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قَرَته فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل. رواه مسلم 2 /139 (الرحيق المختوم).
    وكان الرسول مع الصحابة عندما كان يحسن صحابى عمله كان يلقبه بلقب حسن فقد لقب خالد بن الوليد سيف الله المسلول.
    ==============
    شكرا أستاذنا /عمر على طرح مثل هذه الموضوعات التي نحتاجها بين الحين والآخر والتي لا تصدر إلا من خبير .

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:10 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.