• ×

11:37 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ يقول شلزنجر المستشار السياسى للرئيس الأمريكى الراحل كنيدى (إن المجتمع الأمريكى يأكل بعضه بعضا من الداخل بسبب الجنسيات المختلفة والديانات وهو يحاول أن يثبت وجوده ويؤكد هويته بافتعال العداء مع الأخرين).
شعوب الأرض قاطبة يبدو أن سؤال الهوية يلح عليها ويشغلها بمضامينه المختلفة ذات الهوية والخصوصية والعلاقة التبادلية أنا مع الآخر والآخر منى وما انجازاتى فى الإرث الإنسانى وما قدمت وماذا اضافت الإنسانية بارثها وتاريخها لى ومن هو الأصيل ومن هو الدخيل وهل أنا تابع أم متبوع وما موقعى السياسى على خريطة العالم وما موقع الاخر فيه .. الخ، كثيرة تلك الاسئلة التى تبدو قمة المنطقية كى نثبت هويتنا التى بمجملها تكونت ونمت على امتداد التاريخ البشرى منذ وجد على الأرض ونضج إنساناً متميزاً عن غيره من الكائنات بعشائرها وقبائلها وجماعاتها .. الخ، واحترف الصيد ولكن باحتمائها بالآخر راحلة تارة للبحث عن الطعام وتارة أخرى للهروب من التصحر، ثم اخذت بالتطور كلما اكتشف شيئاً جديداً تم التوصل إليه بالمصادفة وهكذا إلى أن تبلورت شعوبا دون أن تزول تماماً البنى الأولية التى اخذت تدخل فى الانساق الجديدة وهكذا بداءت تظهر الامبراطوريات والدول واخذ يحتدم النزاع فيما بينها سواءً بقصد فرض السيطرة أو الاستحواذ على الثروات بكافة انواعها أو بهدف السيطرة على طرق المواصلات .. الخ.
وعليه كلما كانت هذه الكيانات - دول وممالك وامبراطوريات - تراكم فائض من الثروة وتحسن إدارته ويكون هناك عدالة فى توزيعه كانت تضع حجراً فى بنيانها الحضارى وركنا فى حضارتها ومن هنا اخذت العلوم والمعارف بكل انواعها واشكالها تتطور - فنون، رياضيات، فلك، فلسفة، .. الخ.
ونقطة غاية فى الأهمية لابد من الاشارة إليها ألا وهى القطاع الزراعى المنطلق فى الحضارة الإنسانية والذى تم اكتشافه - وهذا ثابت - من قبل المراءة وهذا القطاع يعد حقاً الأساس فى الحضارة والإستقرار الإنسانى من هنا اخذت الشعوب تصنع هويتها المتميزة وتحديداً حول مصادر المياه بمعنى تصنع بالعمل حضارتها ولغتها وعليه فإن انتاج ما يحقق الاكتفاء الذاتى ويحقق الفائض هو حقاً الأساس المتين والأول لصنع أى حضارة .. مقدمة كان لا بد منها لارتباطها بذات الموضوع.
فلقد اهتم علماء المسلمون بموضوع الهوية وادركوا مدى اهميته فمثلاً الجرجانى عرف الهوية بقوله (إنها الأمر المتعقل من حيث امتيازه عن الاغيار) وعلى ضوء هذا التعريف فالهوية تتميز بصفة الاختلاف عن الاخر سواءً كانت تلك العلاقة تفاعلية تكاملية أو صراع فهوية الإنسان بداية هو مغايرته للمخلوقات الاخرى كونه إنسان وعاقل وهذا هو ابسط وأول مستوى توضع فيه الهوية الإنسانية.
والمشاهدة الواقعية لتعريف الجرجانى أنه لم توجد ولم يبقى احداً فى حالة اللاحركة بل كان وبقى على الدوام فى حالة سيرورة شاملة على الرغم من أن الظاهر يوحى لنا بأنه ثابت أحياناً بمعنى أنه فى حالة من الحركة والتغيير الدائمين التى من خلالها وبها تتفاعل مكونات شتى تتجلى فى مستويات ثقافية وعلمية وفكرية - اقتصادية سياسية اجتماعية - فى وضع محدد وفى زمن محدد يقصر أم يطول لحظة سرعان ما يجرى نفيها وتجاوزها على اعتبار أن الهوية ليست معطى ثابتاً لا يتغير وهذا قطعاً يرفضه المثاليون وهم اصحاب نظرية الجوهر الثابت وأيضاً كافة التيارات الإسلامية وحتى القوميون والمحافظون .. الخ.
أما بالنسبة للعرب والمسلمين فالثابت أنه كان لهم اسهامهم الراقى المميز فى الحضارة الإنسانية زمن تفتح الثقافة العربية الإسلامية وازدهارها وقدرتها الفائقة على الافادة من الثقافات والحضارات الاخرى خاصة فى البلدان التىطالها الفتح الاسلامى وهذا حقا المستند لدعاة النهضة المستعادة عن السعى للرجوع اليه فى تصورات ارتجاعية غير عقلانية قولى أن هذا المستند فيه بعض الشىء للحفاظ على المجد التليد وفيه أيضاً شىء من الحفاظ على الهوية فالبعض يعتبر هؤلاء كالباكى على الاطلال أو كمن فاته القطار. ليس الآن باعتقادى أن سؤال الهوية يعتبر الاهم والأكثر الحاحاً فى فكرنا العربى المعاصر وهذا الطرح طال مستويات عدة بل وتنشغل بدرجات متفاوته التيارات الرئيسة الأربع فى حياتنا :
1- التيار الإسلامي .
2- والتيار الاشتراكى .
3- والتيا ر القومى .
4- والتيار الليبرالى .
من مداخل متباينة فى سعيها الحثيث لبلورة مشروعاتها للخروج من الازمة العميقة لدخول باب المستقبل، باعتقادى أيضاً أن سؤال الهوية فى واقعنا العربى ليس سؤال ازمة عميقة انتجت قلقاً هائلاً فواقع الحال يقول أن الازمات ليست دائماً سلبية فربما يتولد عنها فى بعض المراحل عالماً جديداً بمعنى أن تكون الازمة هنا ازمة نمو وتنامى وفى حالتنا هذه فأن القلق الناتج عنها يكون خلاقاً ينتج عنه قطعاً كافة التساؤلات الجذرية التى تؤدى إلى التطور والنهوض وبالتالى الاجابات المتنوعة عليها القائمة على خليط من المشاريع واليوتوبيات اما بالمعنى الايجابى الاستشراقى أو النكوصى السلبى.
واقعنا يقول أن ازمتنا الراهنة فى الوطن العربى من المحيط الى الخليج ليست ازمة نمو مهما بلغنا من التفاؤل ولهذا دلائل كثيرة وشواهد ظاهرة نذكر من ذلك الانكسار الاقتصادى الذى حقا يضعنا فى مصاف العالم الرابع - قصداً - وليس العالم الثالث كما يقال وهذا من قبل المركز الراسمالى - صنع القرار العالمى - وبالتالى لم يعد لنا أى مبادرة أو قول فى مسار الاحداث العالمية ورسم السياسات الدولية وبالتالى اصبحنا امة تستهلك اكثر مما تنتج ونستورد اكثر مما نصدر وحتى الفائض النفطى لم يعد يسعفنا وخاصة بعد الاحداث الاخيرة فى الوطن العربى والتى لا يجهلها احد وما ترتب عليها من مصائب للمنتصر والمهزوم على حداً سواء ومن ماسى هذه الاحداث أيضاً تلك الضربة القاسية لمصداقية وجدارة الايدلوجية القومية ونذكر من اثارها أيضاً القضاء على التضامن العربى - بحدوده الدنيا - .. الخ.
وبالحكم أيها السادة فى واقعنا فأن الحرية وليست بالمعنى المطلق بل بمعناها النسبى هى دون شك احدى الأدوات الرئيسة للتاريخ ولنمو الامم وازدهارها وتفتح ابداعات ومواهب الافراد فان الوضع البائس للحريات فى الوطن العربى الذى يهيمن عليه الاستبداد بصوره الشتى لا يفسح المجال لتحويل الازمة القائمة إلى ازمة نمو بل يغلق الابواب والامال امام هذا الاحتمال فهو قطعاً جعجعة بلا طحن.
واخطر ما فى الموضوع أيها السادة أن الوضع الراهن البائس يفتح الباب على مصرعيه امام نمو الهويات الفرعية أو الصغرى - قبطى كردى .. الخ، - وأيضاً حتى هذه الثنايات ذاتها ممكن أن تحدث الانقسام والهوية بجزئيتها كقولنا مسيحى ارثوذكسى بروتستنت ارمنى .. الخ، تصور يا رعاك الله مدى الخطورة ومدى ردائة الوضع الراهن ويترتب على ذلك أن كافة هذه الهويات يمكن تفاعلها وتجادلها واختلافها ضمن نسيجنا العربى إذا ما كان هناك مناخ فيه هامش من الحرية والمزيد من الديموقراطية فتثرى بعضها البعض أو تتنازع إذا تعرض بعضها للضغط - الشواهد كثيرة ويغص بها واقعنا العربى - والحصار والتمييز أو سعى احداها لفرض الهيمنة، علينا ان نعلم ايها السادة ان عدونا من مصلحته ان ينمى هذه الولاءات تحت مظلة القومية ويشجعها قاصدا بث الفرقة والتفتيت وصدق شاعرنا حينا قال :
تابى الرماح إذا اجتمعن ● ● ● تكسراً وإذا انفرداً تكسرت احاداً
وبالمنظور الايدولوجى الصهيونى العنصرى المقيت فى ظل الصراع معهم يراهن على تفتيت الوطن العربى ليبقى محصوراً فى حدود هذه الانتماءات والولاءات الهزيلة والوقوف دون تحولها لعناصر اثراء لامتنا الواحدة.
وبحدود علمنا لم نجد بلداً واحداً على سطح هذا الكوكب الا بحدود ضيقة ونادرة متجانساً دينياً أو عرقياً أو ثقافياً ويمكن أن نسوق هنا النموذج الامريكى فهى اقوى دول العالم اقتصادا فى هذه المرحلة هذا عداك عن انها تهيمن ودون منازع على سياسات المركز الراسمالى الذى يقود العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط حائط برلين وانهيار القطب أو المنظومة الاشتراكية، ويمكن أن نضيف النموذج الهندى والتى زاد عدد سكانها عن المليار نسمة وتضم طوائف عديدة لا يجهلها الا قلة وتتشكل جغرافياً من خمسة وعشرون ولاية أما لغاتها فقد تجاوزت الثمانية عشر لغة رئيسة هذا عداك عن الالاف اللهجات وكذلك كافة الاديان التى عرفتها البشرية بقضها وقضيضها وأيضاً تتعدد فيها القوميات بلوش بوهوت بنغال باتان .. الخ.
بعض المفكرين الدارسين للموضوع الهوية يعتمد ويؤكد على الربط بين القوة والهوية - بمعنى أن القوة اساس فى الحفاظ على الهوية - ويعتبرها احدى التجليات المتنوعة للاخيرة، هذا يقودنا إلى أن الهوية الامريكية قامت على هذا الاساس وعلى هذا النحو وفى هذا الزمن إذا ربطنا تعريف الهوية بالقوة دائماً بالامبراطوريات والقوى الاستعمارية حتى ان هوية الحضارة الراسمالية السائدة حتى الآن قامت على شعور عميق ومتعمق بالتفوق الخلقى والثقافى للحضارة الغربية على بقية البشرية.
أما بالنسبة للنموذج الهندى فأن تجربتها الديموقراطية الاصيلة كاكبر ديموقراطية فى العالم - بمضمونها الذى ذكرنا انفاً وبالتعدد المعهود - التى تتوافق كل القوى بتنوعها على حمايتها وصونها واحترامها وهى حاضنة هويتها ففى الهند كما فى امريكا هناك توافق عام حول الاعتراف بالتنوع الثقافى الذى هو بعد نخبوى والتعدد الثقافى الذى هو بعد انثروبولوجى، وعليه فاعتماد التنوع الثقافى وتعدده يعتمد أساس فى الحفاظ على الهوية، فيا حبذا لو عالمنا العربى يعتمد ذلك علماً بأن التقارب فى كل شىء واضح وبين ولكن التنازع القطرى البغيض قادنا حكماً إلى التفتت لأسباب لا يجهلها أحد وبالتالى هدم أركان الهوية بعد أن كانت قائمة بحكم الواقع والطبيعة.
■ وإلى الجزء الثانى بعونه تعالى.

 0  0  2611
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:37 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.