• ×

09:45 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ ثمرات الاعتكاف عظيمة، وهنا يأتي السؤال : لماذا نعتكف ؟ لماذا ننقطع عن أهلنا ونترك بعض مشاغلنا، إن لم تكن لها ثمرة فلا قيمة لها ؟
■ أختصر وأقول ثمرات الاعتكاف أو بعض ثمرات الاعتكاف من أهمها :
● أولاً : الإخلاص والتعويد والتربية على الإخلاص لأنك في معتكفك لا يراك أحد إلا الله جل وعلا، فالإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأنت في معتكفك تصلي وتصوم وتذكر الله جل وعلا وتقرأ القرآن تربي نفسك على الإخلاص وهذا كما تعلمون ركن من أركان كل عمل صالح (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).

● ثانياً : التربية على التخلص من فضول الكلام والطعام والنوم والخلطة وتعويد النفس على ذلك.

● ثالثاً : التربية على العبادة وخاصة قيام الليل وقراءة القرآن والاستغفار والذكر والمناجاة.

● رابعاً : تقوية الصلة بالله تعالى واللجوء إليه ومناجاته.

● خامساً : التفكر والتعود على الاستخدام الأمثل لنعمة العقل وخاصة في زمن الفتن والمحن.

● سادساً : ابن القيم يقول (فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حيث لا أنيس له إلا ذاك) أي : أن الاعتكاف يهيئك لوحدتك في القبر، ومن هذا المعنى أقول : كثير من الناس إذا ابتلي وفرض عليه الانفراد ضعف وانهار، والاعتكاف يعود المسلم على مواجهة الشدائد بل يصبح يتلذذ بذلك، وأعرف أناساً فرض عليه الانفراد عدة سنوات فلم يهنوا ولم يخضعوا ولم يجبنوا أسأل الله أن يثبتنا وإياهم، بل حرموا من الأهل والولد فلم يزدهم ذلك إلا قوة وثباتاً، الاعتكاف يعودك على الثبات وهناك أناس عندما فرض عليهم الانفراد وابتلوا عدة أيام ضعفت قواهم وفي هذه الحالة لا يحقق أهدافه التي يسعى إليها، لأن الإنسان مدني بطبعه كما يقول ابن خلدون يحب الناس يحب الخلطة يحب الاجتماع تعود على العيش مع والديه وزوجته وأبنائه وإخوانه وأصدقائه من الشباب وعلى جيرانه، فلما عزل عن الناس لم يستطيع أن يثبت، الاعتكاف يربيك على الثبات وهو درس عظيم أسأل الله أن يحفظنا وإياكم وأن يجنبنا وإياكم الابتلاء، فالاعتكاف يعودك على هذا الأمر يصبح سهلاً عليك في أي موضع كنت وفي أي حال كنت. فعود نفسك على قلة الطعام على قلة الأكل على قلة النوم على الانفراد عن الناس لأن غالب من يبتلى يصاب في هذا النوع، الحرمان تحرم من نوع من الطعام الحرمان من النوم أحياناً الحرمان من الناس الحرمان من فضول الحاجات، الاعتكاف يربي عندك هذه الخصلة على الانفراد على الحرمان من أشياء كثيرة في حياتك لأنك قد تعودت على ذلك إذا اعتكفت الاعتكاف الصحيح.

● سابعاً : من ثمرات الاعتكاف مراجعة النفس ومحاسبتها في أمور الدين والدنيا في أمور العبادة وغيرها، وليعوض جوانب التقصير في حياته وخاصة في أمور العبادة كلنا الآن نشكو من التقصير في العبادة من قراءة القرآن ومن الصلاة وغيرها في الاعتكاف تعوض شيئاً من ذلك.

● ثامناً : التربية على الاستخدام الأمثل للوقت وعدم تضييع الثواني فضلاً عن الدقائق والساعات. أعرف بعض إخوانكم ممن يعتكف الدقيقة عنده تعادل ساعة في الأيام العادية والساعة تعادل يوماً لأنك بين ذكر واستغفار وقراءة القرآن وتفكر والنظر في بعض مسائل العلم إن احتجت إليها فتصبح الدقيقة لها قيمة هذه حياتك، إذا كنت استطعت أن تجلس عشرة أيام استثمرتها هذا الاستثمار الأمثل فكذلك في بقية حياتك تتعود على الاستخدام الأمثل والاستثمار الأمثل للدقائق والثواني.

● تاسعاً : من ثمرات الاعتكاف التربية الجادة والأخذ بعزائم الأمور.

● عاشراً : إحياء سنة عظيمة من أعظم السنن التي هجرها كثير من الناس وهي سنة الاعتكاف. قبل سنوات ما كان يعتكف إلا بعض كبار السن أما الآن فقد أحييت هذه السنة، وانتشر في المساجد إحياء هذه السنة فإذا اعتكفت يا أخي فأنت تحيي سنة عظيمة كاد أن يهجرها كثير من الناس.

● الحادي عشر : من ثمرات الاعتكاف ترك المعاصي أو التقليل منها.

● الثاني عشر : وهو درس مهم وثمرة مهمة وذلكم التربية على الصبر ومجاهدة النفس وعدم إتباع الهوى والشيطان ونحن في هذه الأزمة التي تعيش فيها هذه الأمة نحتاج إلى التربية على الصبر نحتاج إلى التربية على مجاهدة النفس نحتاج إلى التربية على التخلي عن كثير من الأمور والعادات التي كسبناها ولا حاجة إليها فالاعتكاف يربي فيك هذه الخصلة.

● وهنا وقفة مهمة بعض الإخوان يقول أنا لا أستطيع أن اعتكف العشر الأواخر.
يا أخي الكريم اعتكف خمس ليالي اعتكف على الأقل كل ليلة من ليالي الأوتار لعلها توافق ليلة القدر اعتكف من ليلة السابع والعشرين إلى التاسع والعشرين على حسب طاقتك وظروفك، فهي أيام قليلة وتخرج بهذه الثمار بل أكثر من هذه الثمار؛ لأن ما ذكرته ليس على سبيل الحصر فربما تخرج بفوائد وثمرات لم يعرفها غيرك ولذلك لو التقيت بالمعتكفين بعد انتهاء الاعتكاف وجلسوا يتدارسون ماذا استفادوا من الاعتكاف؟ كل واحد يعطي فائدة قد لا يجدها الآخر، إما لظرف مر به أو بسبب عمله أو تجربته أو حياته يكتشفه مالا يكتشفه الآخرون، أعرف بعض كبار السن من سنوات طويلة قد تصل إلى عشرين أو ثلاثين سنة لم يتركوا الاعتكاف مرة واحدة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يترك الاعتكاف حتى مات، منذ بدأه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى مات إلا إذا كان خارج المدينة، بل السنة التي تركها في رمضان بسبب قضية أزواجه قضاه في شوال صلى الله عليه وسلم، وصية ونصيحة : أنصح بعض الشباب أن يتخلوا عن كثير من أنواع الاعتكاف التي أراها من تجمعات وحفلات ومطاعم وأحاديث بل غيبة ونميمة وهزل وضحك ويقولون نحن معتكفون، وكثير من مظاهر الاعتكاف رأيتها في الحرم وهو أفضل مكان يعتكف فيه ومع ذلك يفتقد إلى ضوابط الاعتكاف المشروع، ما تسمعه وما تراه من بعض الشباب هداهم الله ليس هو الاعتكاف، إذا اعتكف أحد منكم فليعتكف الاعتكاف الصحيح وإن وقع منه تقصير أو خطأ فليعد إلى الله سبحانه وتعالى ويلح عليه أن يتقبل منه هذا الاعتكاف.

■ ثم في آخر المطاف اسأل نفسك ماذا استفدت بماذا خرجت ؟ وأنصح الواحد منكم أن يكون عنده قلم وورقة أي فكرة تأتيه في الاعتكاف يقيدها إياك ـ إياك أن تقول أنا أحفظها لن أنساها ساعات وتنساها أو بعد ما تتعدى الاعتكاف بأيام تنساها، كان الإمام البخاري وهو في فراشه فتأتيه الفكرة فيقوم فيوقد السراج فيكتب هذه الفكرة أو هذه الفائدة ثم يطفئ السراج فينام ثم تأتيه الفكرة فيقوم يوقد السراج فيسجل هذه الفكرة ثم ينام، أحياناً يكرر هذا العمل عشرين مرة في الليلة الواحدة، أي فكرة سجلها لا تقل : لا تنفع قد يأخذها واحد آخر ويطورها وينميها قد يكون في هذه الفكرة اليسيرة حل مشكلة من مشكلات الأمة الصعبة، فنصيحتي أن تجعل عندك دفتراً وأنت في معتكفك وسجل فقد تخرج بثروة لا تقدر بثمن، أولا ً تعود نفسك على ذلك في الدروس والمحاضرات، فعودوا أنفسكم على ذلك.
ومن ثمرات الاعتكاف في العشر الأواخر الحرص على ليلة القدر كما ذكر العلماء ولذلك اختارها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونص على ذلك، فألحوا على الله واجتهدوا بالدعاء لكم ولأسركم ولعائلاتكم ولإخوانكم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ولإخوانكم المأسورين الذين ينتظرون منكم الدعاء، ينتظرون منكم مناجاة تناجون ربكم أن يفك أسرهم، وأن يفرج كربتهم وأن يعيدهم إلى أهلهم غانمين سالمين، إخوانكم في فلسطين الآن ينتظرون دعاءكم وينتظرون مواقفكم وينتظرون تبرعاتكم وزكاتكم فألحوا على الله في هذه الأيام المباركة، يا أخي الكريم ليلة واحدة أفضل من 83 سنة والله أعلم بمقدار هذه الخيرية، وهذه ليلة واحدة مضمونة لو واظبت على العشر الأواخر بل قد تكون تسع ليالي مضمون لك موافقتها، إذا قمت إيماناً واحتساباً وصدقت مع الله، كيف نضيع هذه الفرص، ثلاث فرص جاءتنا في رمضان والمحروم من حرمها، "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، والخسران الذي تمر عليه كل هذه الفرص الثلاث ولا يغفر له، ثلاث فرص قد تحصل عليها جميعاً بإذن الله إذا صدقت (إيماناً واحتساباً) فاصدقوا مع الله وتوبوا إلى الله وعودوا إلى الله وجاهدوا أنفسكم.

■ أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم وأن يوفقنا لليلة القدر وأن يتقبل منا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقتبس من مختصر في (فقه الاعتكاف) للشيخ الأستاذ الدكتور ناصر بن سليمان العمر.

 0  0  2999
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:45 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.