• ×

01:20 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ لقد أصبحت مشكلة الذاكرة في النصف الثاني من القرن العشرين من أكثر مشكلات علم النفس العلمية التي حظيت بالدراسة والاهتمام، وقد تمخضت هذه الدراسات عن حجم هائل من الأدبيات يقدر بثلث ما كتب وأنجز في ميادين علم النفس كلها.
■ ويعود سبب ذلك إلى جملة أسباب من أهمها ما يلي :
1_ إن تطور تقنيات الآلات الحاسبة الالكترونية المرتبطة بنمذجة عمليات الذاكرة، كشفت عن مدى تعقد هذه العمليات.
2_ الانجازات التي حققها التحليل البيولوجي لطبيعة الآثار التي تتركها التأثيرات المختلفة في الذاكرة حيث سمحت الدراسات البيولوجية التي جرت في المستوى الجزيئي بالتوصل إلى سلسلة وقائع تشير إلى احتمال قيام الحمض الريبي النووي (RNA) بدور حاسم في عمليتي تسجيل وحفظ الآثار . إضافة إلى المعطيات التي تم التوصل إليها في الدراسات التي أجريت في المستوى العصبوني (النيروني), إذ تبين أن التنبيه الذي ينشأ في العصبون يتعرض إلى تغيرات متلاحقة, مما يؤدي إلى تغير فاعلية الخلية العصبية, كما يؤدي إلى انتشار التنبيه والاحتفاظ بأثره, وفي الوقت نفسه إلى تكون الإشراط الخاص به. وقد ساعدت هذه الدراسات على فهم الدور التي تساهم به هذه العمليات العصبية في عمليات الذاكرة.
3_ التطور السريع لعلم النفس، وكشف طبيعة بناء العمليات المعرفية, وعدَّها عمليات فعالة استقصائية انتقائية, تقوم بمهمة تمثل تأثيرات الوسط الطبيعي والاجتماعي, واستيعابها. وهذه العمليات تعتمد على منظومة الأفعال المنظمة ذاتياً التي تأخذ شكل بناء هرمي, وتؤلف رأسمال ضخم موجود تحت الطلب تستثمره الشخصية عند مواجهة أي موقف جديد أو قديم. ويأتي على رأس هذه العمليات عمليات الذاكرة التي تتبادل التأثير مع العمليات النفسية الأخرى كافة.

■ مكانة الذاكرة في حياة الإنسان :
إن التعقد التدريجي للسلوك والارتقاء الدائم به يتحقق بفضل تراكم الخبرة الفردية والنوعية والاحتفاظ بهما. وتكون الخبرة أمر غير ممكن فيما لو تلاشت صور العالم الخارجي وإشاراته التي تنشأ في الدماغ بدون أن تترك أثراً فيه. ونظراً لأن سلوك الإنسان في كل لحظة من اللحظات، وفي أي موقف من المواقف التي يواجهها، تحدده الخبرة السابقة "الذاكرة" بأنواعها المختلفة ومستوياتها المتعددة من خلال تآزرها مع التفكير واستخدامها لطرائقه وعملياته, فإنها تحتل مكانة عظيمة في حياة الإنسان وهي العامل الحاسم في تقدمه وتطوره وفي استمرار هذا التقدم وديمومته, لأن الإنسان بدون ذاكرة يبدو كما لو أنه يولد من جديد في كل لحظة وسيكون التعلم والنمو غير ممكنين.

■ الذاكرة والتعلم :
إن مصطلح الذاكرة (Memory) يشير إلى الدوام النسبي لآثار الخبرة. وهذا الأمر شرط لحدوث التعلم . ولهذا فإن الذاكرة والتعلم يتطلب كل منهما وجود الآخر. فإذا كان التعلم يشير إلى حدوث تعديلات تطرأ على السلوك من جراء تأثير الخبرة السابقة فإن الذاكرة هي عملية تثبيت هذه التعديلات وحفظها وإبقائها جاهزة للاستخدام. وهكذا يجمع عدد كبير من الدارسين المعاصرين للذاكرة والتعلم Smirnov سمير نوف 1966، Norman نومان 1970، Klatzky كلاتسكي 1978، Hofman هوفمان 1982 على أن العوامل التي تؤثر في التذكر والاحتفاظ والاسترجاع هي نفسها التي تؤثر في التحصيل والاكتساب، كما أن الشروط التي تسهل التعلم هي نفسها التي تيسر الاحتفاظ وأن مستويات التذكر والاسترجاع هي نفسها مستويات التعلم، من وجهة النظر المعرفية.

■ مستويات دراسة الذاكرة :
بالرغم من أن الذاكرة من بين المسائل الكبرى في عدة فروع علمية عريقة ومتطورة مثل : علم النفس، البيولوجيا, التربية، علم الاجتماع .. الخ, فإنه لا توجد حتى الآن نظرية علمية شاملة للذاكرة البشرية. وإنما يوجد تنوع كبير في النظريات وفي الأعمال التجريبية وفي الموديلات الافتراضية والتطبيقية. وقد أدى هذا التعدد في تناول موضوع الذاكرة إلى دراستها في عدة مستويات هي :
1_ المستوى السيكولوجي .
2_ المستوى البيولوجي :
أ_ المستوى العصبي الفيزيولوجي .
ب_ المستوى البيو ـ كيميائي .
3_ المستوى السبراني ـ مدخل النظم .
ويعد المستوى السيكولوجي في دراسة الذاكرة أقدم المستويات المذكورة من الناحية الزمنية. وتمثل هذا في العدد الأكبر من الأبحاث والاتجاهات والنظريات.

■ عمليات الذاكرة :
للذاكرة تعريفات عديدة ومختلفة منها ما يركز على الطبيعة العامة للذاكرة كما في تعريف "سوكولوف" : هي الاحتفاظ بمعلومات عن إشارة بعد أن يكون تأثير هذه الإشارة قد توقف .
ومنها يهتم بخصوصية الذاكرة البشرية في مستوياتها الراقية كما جاء في تعريف "بنفليد" : هي ذاكرة المفاهيم والتعميمات والكلمات.
ومنها ما يشير إلى الذاكرة من حيث قدرتها على الاحتفاظ بالآثار لفترة زمنية ما : الذاكرة هي الذاكرة قصيرة الأمد، والذاكرة العملياتية، والذاكرة طويلة الأمد.
ومنها ما يركز على عمليات الذاكرة كما في تعريف "سمير نوف" : تكمن الذاكرة في التذكر والاحتفاظ، وفي التعرف والاسترجاع اللاحقين لما كان قد مر بخبرتنا السابقة.
وتتألف عمليات الذاكرة من التذكر والاحتفاظ والتعرف والاسترجاع والنسيان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :
منصور, علي : التعلم ونظرياته . مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية, منشورات جامعة تشرين, اللاذقية, 1421هـ-2001م.

 1  0  3875
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1432-05-15 09:30 صباحًا د. محمد الشدوي :
    شكرًا للكاتبة ، وكم نحن بحاجة إلى مثل هذه المقتطفات االيانعة .

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:20 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.