• ×

09:25 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبدالله النبي العربي الأمين المبعوث رحمة للعالمين بقرآن يتلى على الثقلين بلسان عربي مبين، أما بعد :
فإنني أتحدث إليكم إخواني المعلمين وأبنائي طلاب العلم من شباب الإسلام المخلصين في موضوع طالما تحدث فيه من هو أفضل مني علماً ممن نعدهم من الغيورين على لغة القرآن الكريم ـ اللغة العربية الشريفة ـ لكنني رأيت أنه من الضروري جداً التحدث معكم ومناقشة بعض العناوين التي كثيراً ما استوقفتني وشغلت ذهني وأنا أقرأ وأسمع وأرى تكالب الأعداء ومحاربتهم للغة القرآن الكريم وليت أولئك الأعداء من غير أبناء العروبة والإسلام كان الأمر هيناً لكننا ـ وللأسف الشديد ـ نرى أن ألد أعداء لغتنا العربية الباقية هم من أبنائها المقربين الذين ظلموها ظلماً كبيراً مما جعلها تردد قول الشاعر :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ● ● ● على القلب من وقع الحسام المهند

■ أحبتي :
محاضرتنا إن شاء الله تعالى سوف تتمحور حول النقاط الآتية :
1- اللغة العربية وموقف المسؤولين القدماء مما كان يرتكب فيها من لحن.
2- خصائص اللغة العربية والرد على من يتهمها بالضعف.
3- معاول هدم اللغة العربية الفصحى ومنها :
1- مشكلة العامية والتجديد المشبوه في اللغة.
2- اللغة العربية والإعلام والعولمة.
3- رؤية خاصة حول الإجراء المناسب الذي يجب اتخاذه للمحافظة على لغتنا العربية خالصة نقية طاهرة من دنس الأعداء المغرضين والأذناب المأفونين.

● أولاً : اللغة العربية وموقف المسؤولين القدماء مما يرتكب فيها من لحن :
أقول وبالله التوفيق : إن اللغة العربية هي إحدى اللغات السامية الجنوبية وموطنها قلب شبه الجزيرة العربية وقد بلغت مستوى النضج والاكتمال حينما صارت لغة الإسلام ونزل بها القرآن الكريم على الرسول الأمين لنشر هذا الدين في المعمورة وعندما بدأت الفتوحات الإسلامية دخل في دين الله أمم من البشر وكان عليهم أن يتعلموا هذه اللغة ليعبدوا الله على بصيرة إلا أن تأثرهم بلغاتهم الأصلية حال دون إجادة اللغة الجديدة - عند بعضهم - فنتج عن ذلك اللحن في القول والخطأ في اللفظ مما جعل العرب يهتمون بتأسيس علم النحو لتوثيق لغتهم فألفت الكتب وأنشئت المدارس لتعليم اللغة العربية.
وكان الخلفاء يستبعدون من يثبت لحنهم في الخطب أو الرسائل من وظائف الدولة.

● وقد كان العرب ينفرون ممن يلحن في لغتهم ومن الأمثلة على ذلك :
1- ظهور اللحن في اللغة على ألسنة الموالي والمتعربين منذ زمن النبي عليه السلام فلقد لحن رجل بحضرته فقال صلى الله عليه وسلم : (أرشدوا أخاكم).
2- ويقول أبو بكر : (لئن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن).
3- ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يسيؤون الرمي فقرَّعهم فقالوا : إنا قوم - متعلمين - فغضب وقال : والله لخطؤكم في كلامكم أشد عليَّ من خطئكم في رميكم.
4- وقد دخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون فقال : (سبحان الله ! يلحنون ويربحون ونحن لا نلحن ولا نربح) فانظروا أيها الإخوة كيف جعل الأعرابي اللحن في اللغة مدعاة للخسارة وعدم الربح.
ومما تقدم يتضح لنا رد الفعل العنيف من المسؤولين وأنهم كانوا ينكرون اللحن أشد الإنكار ويعتبرونه عيباً لا يجدر بالرجل معه أن يتولى وظيفة أو عملاً تعليمياً أو إدارياً.

● ثانياً : خصائص اللغة العربية والرد على من يتهمها بالضعف :
للغة العربية خصائص ومزايا لا توجد في أي لغة أخرى ولا تشاركها فيها أمة من الأمم ومن تلك الخصائص :
1- التعريب وهو : أن تتفوه العرب بالاسم الأعجمي على منهاجها على أن الكلمة الأعجمية لا تبقى على حالها تماماً وإنما طوعها العرب لمنهج لغتهم في أصواتها وبنيتها وهذا وجد في العربية منذ عصورها الأولى وعلى ذلك فإنها تستطيع اليوم السير في ركب الحضارة الحديثة.
2- الاشتقاق اللغوي : وهو أخذ صيغ صرفية مختلفة من أصل الفعل .. واللغة العربية أوسع اللغات في ذلك.
3- الإبدال والنحت والقياس .. وغير ذلك من الخصائص التي تفوقت بها لغتنا العربية على غيرها من اللغات.
وقد اتهمت اللغة العربية بالضعف من كثير من المغرضين والأعداء فقالوا : إنها عاجزة عن القيام بعلوم العصر الحديثة من طب وصناعة وغيرها.
ولا أرى ذلك الاتهام غريباً منهم لأن تلك اللغة التي يعيبونها هي لغة الإسلام وجنده الذين دكوا معاقل الوثنية والشيوعية وجميع الأديان المعادية لتوحيد الله سبحانه وتعالى فهل ننتظر من أولئك الأعداء المهزومين إلا محاولة النيل ممن نال منهم وأعلى راية التوحيد في عقر دارهم ؟!
أما نحن فنقول : إن الله قد كتب لهذه اللغة الخلود واختارها وهو أعلم بمحاسن اللغات وأسرارها لتكون لغة كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
وإننا لنؤكد ما قاله العقاد في مقدمة الصحاح : "ولقد قيل كثيراً أن اللغة العربية بقيت لأنها لغة القرآن وهو قول صحيح لا ريب فيه ولكن القرآن الكريم إنما أبقى اللغة لأن الإسلام دين الإنسانية وليس الدين المقصور على شعب أو قبيل وقد ماتت العبرية وهي لغة دينية أولغة كتاب يدين به قومه ويحسبون أنهم وحدهم المخصوصون بالخطاب من عند الله ولم تمت العبرية إلا لأنها فقدت المرونة التي تجعلها لغة إنسانية".

● ثالثاً : معاول هدم اللغة العربية الفصحى والتي منها :
1- مشكلة العامية والتجديد المشبوه في اللغة : إن مشكلة اللهجة العامية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم ذلك أن الكثيرين يرون أنها لغة الحياة اليومية عند الصغير والكبير بل إن بعض الناس أخذ يكتب بها معبراً عن نفسه شعراً ونثراً ويعتقد أنه لا يستطيع أن يوصل ما في نفسه لغيره إلا بهذه اللهجة وأنا أرى أنه إذا لم يوقف هذا الزحف العامي الخطر فإنه سيأتي علينا وقت نسمع فيه القرآن يتلى فلا نفقه منه شيئاً.
ولا يفوتني في هذا اللقاء المبارك أن أشير إلى خطر التدريس بالعامية إذ إن أضرار اصطناع اللهجة العامية في هذه الأيام أعظم منها فيما مضى لما لوسائل الإعلام المختلفة من أثر قوي على الناس ويكون خطرها أشد وأقوى حين يكون إلقاء الدروس في المدارس والمعاهد والجامعات باللهجة العامية.
ومما يعمل على تشويه وجه لغتنا العربية العريقة و الأصيلة في مبانيها ومعانيها ما نراه في بعض الصحف والمجلات من دعوة إلى التجديد في اللغة وفي أساليب التعبير ليتسنى لأبناء العصر الفهم السريع وبخاصة في الشعر العربي المعاصر الذي يحمل بعض النماذج الشعرية المتهالكة والبعيدة عن روح الشعر والذوق العربي أصلاً.
2- اللغة العربية والإعلام والعولمة : إنني أعلن من هذا المكان وعلى رؤوس الملأ أن الإعلام العربي في وقتنا الحاضر ورغم التقدم التقني الهائل في وسائل الإعلام إلا أن عدداً كبيراً من المنتمين إلى ذلك الرافد المهم لا يحسنون بل هم بعيدون كل البعد عن اللغة العربية الإعلامية المؤثرة والتي كان يقوم بها قديماً ويؤثر من خلالها في الناس النفر القليل من الشعراء والخطباء الذين كانوا بالكلمة يرفعون أقواماً ويضعون آخرين أما إعلامنا اليوم على اختلاف أنواعه فلا أراه إلا وضيعاً واضعاً لا يحترم لغة ولا يقدر أذواقاً ولا ينمي فكراً - إلا ما ندر وجوده عند بعض رجال الإعلام - فهل نشاهد أو نسمع أو نقرأ إلا أغانٍ أو تمثيلياتٍ أو لقاءات - وللأسف حتى مع بعض رجالات التعليم والأدب - كل ذلك بلهجات عامية تعد معولاً من معاول هدم اللغة والأدب.
3- وأخيراً إليكم الإجراء المناسب الذي أراه - من وجهة نظري الخاصة - خير معين للحفاظ على لغتنا العربية مستقيمة نقية من شوائب العامية. ونَبَوَات معاول الحاقدين.

● ذلك الإجراء يتمثل في النقاط التالية :
1- تربية النشئ على حب سماع القرآن الكريم منذ اللحظات الأولى من أعمارهم ومحاولة تلقينهم القرآن التلقين الصحيح ورأيي لو تكون الثلاث السنوات الأولى في المرحلة الابتدائية مركزة على المواد الدينية والعربية وشئ من الحساب فقط وهذا كان نهج السلف الصالح مع أطفالهم إذ كانوا يرون أن إدخال العلم على العلم مفسدة تماماً كإدخال الطعام على الطعام.
2- يجب أن يكون المعلمون - وخاصة في المرحلة الابتدائية - على قدر كبير من الوعي والعلم باللغة العربية وطلاقة التحدث بها وأنا أقول ذلك جازماً بأن التلميذ في هذه المرحلة لا يرى صحيحاً إلا ما يقوله المعلم على أن هذا الرأي لا يسوغ لمعلمي المرحلتين المتوسطة والثانوية عدم المبالاة باستخدام اللغة الفصحى.
3- يجب على وسائل الإعلام أن تتقي الله في الناشئة بأن تترك الفقرات التي تهدم شخصيات أطفالنا وتقضي على ما أودعه الله فيهم من فطرة لغوية سليمة ومن هذا المكان أقول للعاملين في التلفاز : دعونا من أمثال ميكي ماوس وريخ بانثر من الأفلام الكرتونية ومن المسلسلات العامية وغيرها من البرامج التي إثمها أكبر من نفعها مع ملاحظة أن تراثنا مليء بالقصص الممتعة والطريفة والتي تنمي اللغة والذوق والفكر والأدب والحس السليم وأنتم يا أهل الصحف والمجلات حاولوا ألا تكتبوا إلا ما يرضي الله أولاً ثم ما يبني شخصيات أبنائنا لغةً وفكراً وحاولوا يا رجال الإعلام أينما كنتم أن يكون كل ما تريدون تقديمه بلغة سليمة بعيدة عن اللحن وكونوا عوناً لنا لا علينا.
4- وأنت أيتها الأسرة حاولي بقدر المستطاع أن تتعاملي مع أبنائك بما يحبب إليهم لغة القرآن الكريم ، ألا تستطيع أيها الأب أن تقرأ على أبنائك القرآن الكريم والحديث الشريف أو بعضاً من فرائد الشعر والأدب ؟ بلى والله إنك لتستطيع إذا أردت، وأنت أيتها الأم أين قلبك الحنون وأنت تتركين أطفالك لمربية أجنبية قد لا تدين بالإسلام أصلاً ؟ مهما كان عملك فأنت مسؤولة أمام الله عن أولئك الأطفال الذين تجعلينهم قطعة صلصال في يد أجنبية تشكل شخصياتهم كيف شاءت.
5- وأنت أيها المعلم ألا تستطيع أن تتحدث مع طلابك اللغة العربية السهلة البعيدة عن التكلف من ناحية والمترفعة عن العامية الساقطة من ناحية أخرى ؟ بلى تستطيع ولكن ربما يكون انتماؤك إلى لغتك والتحدث بها فيه مدعاة في نظرك إلى قذفك من قبل الآخرين بالتشدق والتقعر ولن تفلح أبداً وأنت تحمل هذا التصور المشين بين أشخاص يتخبطهم الشيطان ويلقي في قلوبهم تلك التصورات الخاطئة.
6- وأنت أيها البائع في متجرك أليس الأجدر بك أن تحاول أن تؤثر في عاملك الأجنبي بلغتك لغة القرآن الكريم ؟ أليس ذلك خيراً لك من الانجراف وراء لغة الإعلانات الهابطة لغة ومعنى ؟
7- وأنت أيها الموظف ألست تحاول أن تحسن الحديث وتقومه أمام مديرك ؟ فلماذا لا تحسن الحديث وتقومه أمام مراجعيك ؟
8- وأنت يا وزارة المعارف أما آن لك أن تبني لنا مناهج ذات اتجاه تكاملي بعيداً عن الحشو والتناقضات التربوية ؟

■ وأخيراً :
ألا ترون أيها الإخوة الكرام أن الأمم والدول المتقدمة في جميع المجالات لم تهمل لغاتها بل صنعت منها المعجزات تفنناً وإبداعاً إنهم وكما يقول حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية وهي تعاتب أبناءها :
أتوا أهلهم بالمعجزات تفنناً ● ● ● فيا ليتكم تأتون بالكلماتِ

■ أرجو الله تعالى أن يعيدنا إلى طريق الحق والصواب في أقوالنا وأفعالنا وجميع أمورنا إنه على ما يشاء قدير.

 0  0  3961
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:25 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.