وجهني ولا تشرف عليّ ــ رسالة استشرافية

د. محمد علي المسعري.
3525 مشاهدة
وجهني ولا تشرف عليّ ــ رسالة استشرافية.
■ الإنسان بطبعه يميل إلى التطوير، والتجديد، وفي ظل هذه الثورة التكنولوجية والانفجار المعرفي أصبحت آفاق الأفراد متفتحة بسبب الاطلاع على العالم من خلال ما يشاهد من قنوات فضائية، وشبكة عنكبوتية.
وكما أن الإنسان يحب التطوير، والتجديد، بالمقابل لا يحب أن يظهر عليه أحد، ولو كان مخطئاً، وتجده يجادل بالباطل؛ ليثبت صدق قوله, وقَلَّ من يقتنع إن رأى الحق.
هذا الإنسان المتحرر بما يملك من دين، وعلم، وخلق، وأدب لا يحب أن يكون تابعاً مقيداً في تصرفه، وسلوكه ولو كان على غير هدى خاصة إذا أشرف عليه أحد، وأدرك المعنى اللغوي لكلمة أشرف.

فقد ورد في المنجد من المعاني لهذه الكلمة ما يلي : أشرف الشيء : علا وارتفع وانتصب، وأشرف على المكان : علاه، والمشرف من الأماكن : العالي المطل على غيره.

أما لسان العرب "لابن منظور" فقد ورد من المعاني ما يلي : أشرف لك الشيء : أمكنك، وشارف الشيء : دنا منه وقارب أن يظفر به. يقال : أشرفت الشيء : علوته، وأشرفت عليه : اطلعت عليه من فوق.

قال الليث : استشرفتَ الشيء : إذا رفعت رأسك، أو بصرك تنظر إليه.
وفي الحديث : (لا ينتهب نهبة ذات شرف وهو مؤمن) أي : ذات قدر وقيمة ورفعة، يرفع الناس أبصارهم إليها يستشرفونها.
والتشرف للشيء : التطلع والنظر إليه.
وأشرفت عليه : اطلعت عليه من فوق، وشارفت الشيء : أشرفت عليه.
وروى النبي صلى الله عليه وسلم : (من أخذ الدنيا بإشراف نفس لم يبارك له الله فيها ومن أخذها بسخاوة نفس بورك له فيها).
وتشرفت المربأ، وأشرفته : أي علوته.
قال العجاج :
ومربـإ عـال لـمن تـشرفا • • • أشـرفـته بلا شـفا أو بشـفا

قال ابن الأعرابي : الإشراف : الحرص.
وروي في الحديث : (أنت غير مشرف له، أو مشارف فخذه) مسند أحمد جـ 1 ص 40.
قال ابن الأعرابي : استشرفني حقي : ظلمني.
وقال ابن الرقاع :
ولقد يخـفض المجـاور فيهم • • • غير مستشرف ولا مظلوم

ويقول توبة الحمير الخفاجي :
وأُشرف بالقوز اليفاع لعلني • • • أرى نار ليلى أو يراني بصيرها


فالإشراف يعني الفوقية، والنظر من أعلى وهذا أمر يـُخرج من الأخوة "إنما المؤمنون أخوة" ويحدث شيئاً في النفس يجعلها تأبى أي أمر يوجه إليها وتتنافر النفوس.
إن النفوس إذا تنافر ودها • • • مثل الزجاجة كسرها لا يجبر

أما إذا وجه إليها الأمر توجيهاً إنسانياً أخوياً فإنها حتماً ستستقبله عن طيب خاطر لأنه من منطلق "الناس سواسية كأسنان المشط".

■ يقول الفيروز أبادي في القاموس المحيط :
وجه توجيهاً : أرسله، وشرَّفه.
ولقيه وجاها، ومواجهة : قابل وجهه بوجهه، وتواجها : تقابلا، وتوجَّـه : أقبل. ووجهت إليك توجيها : توجَّـهت.

■ أما المنجد فيقول :
وجه الشيء : أداره إلى جهة ما. ووجه القوم الطريق : سلكوه، وصيروا أثره بيِّنا.
ووجه إلى فلان : ذهب إليه.
واجه وجاها، ومواجهة : قابله وجهاً لوجه.
توجه إليه : أقبل وقصد، وتواجه الرجلان : تقابلا.
شيء موجه : جُعل على وجهة واحدة لا يختلف.
والمواجهة "مصدر" استقبالك الرجل بكلام، أو وجه.

■ أما ابن منظور في لسان العرب فيقول :
اتجهت إليك اتجه : توجهت.
توجه إليه : ذهب، والمواجهة : المقابلة.
ويقال خرج القوم فوجهوا للناس الطريق توجيهاً : إذا وطئوه وسلكوه حتى استبان أثر الطريق لمن يسلكه.
ويقال قاد فلان فلاناً : أي انقاد، واتبع.

قال الله تعالى على لسان إبراهيم : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام : 79).
وقال الله تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النحل : 76).
وقال تعالى : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : 148).

فالتوجيه يعني التوجه، والمواجهة، والمقابلة، والمواجهة تعني المساواة، والأخوة، وإبانة الطريق الصحيح، وتوضيح الغامض المبهم، والاستبانة لكل شيء.
وأطلقت وزارة المعارف عام 1401هـ على قسم التوجيه التربوي مسمى الإشراف التربوي دونما داع إلى التغيير، بل إن المعلمين، وجميع أفراد المجتمع ما زالوا متمسكين بكلمة التوجيه، وحتى (الموجهين !) تصعب عليهم كلمة (الإشراف) لما تنطوي عليه من معان لا يحبذونها.
فهلا أعادت الوزارة النظر في هذه التسمية ؟
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :