■ لا أدري.. لا أعلم.. دعني أبحث.. أفكر وأسأل.. لم أقرأ عن هذا من قبل.
كلها تذكرة تمنحك الحق في ركوب القطار السريع؛ قطار البحث عن إجابة للسؤال. وفي رحلة البحث، ستجد الكثير من التساؤلات لمناظر تراها من نافذة القطار.
ولكن، كل تلك الكلمات تختلف باختلاف نوايا قائلها.
فمنهم من يقولها كسلاً واستسلاماً للراحة. هذا الكسول وجد في "لا أدري" و"لا أعرف" تذكرة تمنحه حق النوم في القطار طوال الرحلة، ومعه الوسادة التي يحملها في كل مرة.
وهناك من يقول: "لا أدري، لا أعلم" بنية البحث والسؤال والتفكير، فلا يهدأ له بال حتى يجد الإجابة. وربما قاده السؤال في رحلة البحث إلى عشرات الأسئلة الأخرى، ويجمع في طريقه من أرض خصبة ما يروي ظمأ الباحث، وفي يده مفتاح ثمين اسمه: "لا أدري".
و"لا أدري" جملة يخجل منها المغرورون وهم لا يعلمون أن العلم لا شواطئ له، وأن سفينة العلم لا مرسى لها.
هؤلاء تحت مقصلة موسى عليه السلام، عندما سُئل: "من أعلم أهل الأرض؟" فقال: "أنا"، فكانت رحلة البحث والعلم في سورة الكهف التي نقرؤها كل جمعة؛ لما فيها من حكمة قول "لا أعلم" وقطار التعلم والبحث عن إجابة.
وهؤلاء المغرورون لا يعلمون أن "لا أدري" نصف العلم، هذا المعنى قاله العلماء الذين كانوا في تجوال العلم، ومع هذا قالوا "لا أدري".
سقراط قال أشهر عبارة تُنسب إليه: "كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً"؛ كان يرى أن الحكيم هو من يدرك حدود معرفته، بينما الجاهل يظن أنه يعلم كل شيء.
وعبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم".
وكان السلف يعدّون قول "لا أدري" نصف العلم؛ لأن الإنسان إذا اعترف بجهله بدأ طريق التعلم، أما إذا ادّعى العلم توقف نموه.
الشافعي رحمه الله قال أبياته الخالدة:
كُلّما أدّبني الدّهرُ • • • أراني نَقْصَ عَقْلي
فإذا ما ازدَدْتُ عِلْماً • • • زادَني عِلْماً بجهلي
البيتان يمثلان الذروة المعرفية والأخلاقية في فقه العلم والوعي الإنساني، وهي امتداد مباشر لمدرسة "لا أدري" التي كان عليها الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم.
إسحاق نيوتن قال: "أشعر كطفل يلعب على شاطئ البحر، بينما يمتد أمامي محيط الحقيقة العظيم مجهولاً". يعبّر بذلك عن أن ما نجهله أكبر بكثير مما نعلمه.
الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا، الحائزة على جائزة نوبل في الأدب، لها تعبير قوي عن أهمية "لا أدري" حين قالت -بمعنى الكلام- إن "لا أدري" تمنحنا أجنحة قوية، وأن مهما كان ما نعرفه واسعاً فإنه ضئيل أمام ما لا نعرفه.
ربما الشاعرة تدري أو لا تدري أن "لا أدري" نوعان لا ثالث لهما:
• النوع الأول: "لا أدري" الباحث النشط. لا يعرف، لكنه يشعر بالفضول؛ يسأل ويقرأ ويجرّب ويتأمل. هذه هي التي تفتح أبواب العلم.
• النوع الثاني: "لا أدري" المستسلم الكسول. لا يعرف، ولا يريد أن يعرف؛ يتخذ الجهل وسادة للراحة، ويغلق السؤال قبل أن يبدأ.
واليوم نجد في المجالس الواقعية والافتراضية "حزب أدري"، يخوض ويتكلم في كل شيء، فنجد طوامّ أفكاره وكلامه، يختنق بها السامع.
فأعضاء حزب "أدري" يتكلمون بثقة كبيرة وكأنهم موسوعيون؛ أي موضوع يُطرح يتصدى له أحدهم بصدره العاري وعقله الممتلئ بجهل "أدري". هذا النوع مخيف جداً، لأنه ينشر الجهل، ويجرّئ الجاهل على التكلم في كل شيء. وهذا ما لم يفعله كبار العلماء.
"لا أدري" تبعث على الثقة لا المهانة كما يظنها الجاهل، وتجعل لقائلها مصداقية عند سامعيه، كما أنها تمثل رحلة جديدة من البحث عن إجابة للسؤال، رحلة قد تقود صاحبها إلى أمطار من الأسئلة، فيعيش لذة ومتعة الإجابة.
وعند العودة إلى كلام الشاعرة شيمبورسكا، فإنها تجعل "لا أدري" في مرمى الشك الذي يدعو للبحث. وهي لا تبعد عن "لا أدري" التي يقولها العلماء في الفتوى؛ فهم يقولون "لا أدري" و"لا أعلم" لما يجهلونه، وهذا ليس سداً للعلم، بل رحلة جديدة للسؤال. ولهذا كان السلف يقولون: "من قال لا أعلم فقد أفتى"؛ أي أفتى في حق نفسه بالصدق، ولم يفتِ الناس بالجهل.
ولماذا نبحث في أقوال الرجال ونحن بين أيدينا معلمنا وقدوتنا النبي محمد ﷺ هو أعظم مثال في هذا الباب.
كان ﷺ لا يتكلف الجواب فيما لم يوحَ إليه فيه. فمن ذلك سؤال الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ فانتظر الوحي. ومن ذلك قصة اللعان والمجادلة: لما جاءت المرأة تجادل في زوجها، نزلت سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، فلم يُنشئ حكماً من عند نفسه بل انتظر حكم الله. هذا الصمت، وهذه "لا أدري" النبوية لم تكن للشك ولا للغلق، بل كانت بحثاً عن إجابة من رب العالمين العليم الحكيم.
وعندما ننتقل إلى العلماء قديماً وحديثاً نجدهم لا يترددون في قول "لا أدري". فقد أورد الإمام ابن عبد البر في كتاب (جامع بيان العلم وفضله) والإمام ابن كثير في مصنفاتهم أن الصحابة والتابعين كانوا يعدّون قول المسؤول "لا أدري" دليلاً على كمال العلم وقوة الدين، واشتهر عن الإمام الشعبي، وتلميذه الإمام مالك بن أنس وغيرهما مقولة: "لا أدري نصف العلم".
فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثبت في الأثر أنه قال: "إن من فقه الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم"، محذراً من التكلف ومستدلاً بالآية القرآنية: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦].
وهذا حَبْر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما والرجل السائل عن الغناء، ورد في المصادر التاريخية وكتب التفسير والرقائق (مثل كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم) على النحو التالي:
قال السائل: "يا أبا عباس، ما تقول في الغناء؛ أحلال هو أم حرام؟"
فقال ابن عباس: "لا أقول حراماً إلا ما في كتاب الله".
قال السائل: "أفحلال هو؟"
قال ابن عباس: "ولا أقول ذلك".
ثم نظر ابن عباس إلى الحيرة في وجه الرجل، فقال له: "أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟"
قال السائل: "يكون مع الباطل".
فقال ابن عباس: "اذهب، فقد أفتيتَ نفسك".
هذا الحوار ليس شكاً ولا هروباً، بل يدفع السائل للتفكير، وهذه الغاية التي نريدها من "لا أدري": التساؤل والبحث.
أما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فكان يرى أن قول العالم "لا أعلم" من كمال العلم لا من نقصه. فالعالم الحقيقي كلما ازداد علماً، ازداد إدراكاً لاتساع ما لم يعرفه بعد. ولهذا قال الشافعي ما قال.
"لا أدري" ليست عيباً ولا مهانة. هي مفتاح، وتذكرة، وبوابة. لكن المفتاح بيدك، والتذكرة بين أصابعك.
فهل ستستخدمها لتركب قطار البحث السريع، فتكون من الخاصة الذين يفهمون "لا أدري" على أنها بداية الطريق؟
أم ستستخدمها لتنام في القطار ولا تتحرك، فتكون من الكسالى الذين اتخذوا الجهل وسادة؟
أم ستكون من حزب "أدري" المتكلمين بغير علم، فتظن أنك وصلت وأن العلم له شواطئ؟
تذكّر: العلم لا شواطئ له، وسفينته لا مرسى لها.
ومن قال "لا أدري" فقد بدأ الرحلة.
ومن قال "أدري" فقد أوقفها قبل أن تبدأ.
فأي الركاب أنت؟