من أحدث المقالات المضافة إلى القسم.

بسم الله الرحمن الرحيم

اسمُ الكاتب : د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير.
عدد المشاهدات : ﴿1862﴾.
عدد المشـاركات : ﴿30﴾.

شذرات وأوراق مبعثرة في الحوار آدابه ومنطلقاته التربوية «2».
■ سأتحدث عن : غاية وأهمية وثمرات الحوار ووقوع الخلاف ووضوح الحق وجلاؤه.
● أولا - الغاية من الحوار :
إقامةُ الحجة ، ودفعُ الشبهة والفاسد من القول والرأي . فهو تعاون من المُتناظرين على معرفة الحقيقة والتَّوصُّل إليها ، ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها ، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق . يقول الحافظ الذهبي: (إنما وضعت المناظرة لكشف الحقِّ ، وإفادةِ العالِم الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ).
هذه هي الغاية الأصلية ، وهي جليَّة بيِّنة، وثَمَّت غايات وأهداف فرعية أو مُمهِّدة لهذا الغاية منها :
- إيجاد حلٍّ وسط يُرضي الأطراف .
- التعرُّف على وجهات نظر الطرف أو الأطراف الأخرى ، وهو هدف تمهيدي هام
- البحث والتنقيب ، من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرُّؤى والتصورات المتاحة ، من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأمْكَنَ ، ولو في حوارات تالية.

● ثانيا - أهمية الحوار :
تحت عنوان الحوار... أهميته وثمراته أوضح الكاتب الصحفي د. وائل الحساوي أننا نعيش اليوم في عصر التداخل الثقافي والفكري والاجتماعي على مستوى العالم، حيث كسرت العولمة والانفتاح الحضاري جميع الحواجز بين المجتمعات البشرية، وأتاحت الفرصة أمام الناس للاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى وتجاربها والاستفادة منها والتفاعل الإيجابي والسلبي معها كما أن ذلك الانفتاح قد خلق تحديات جديدة أمام الأمم والحضارات واختبر قدرتها على البقاء وصلاحية مبادئها وثقافاتها ومدى مقاومتها للذوبان والتحلل، لاسيما في ظل الهجمة الشرسة التي يمارسها أرباب العقائد والأفكار المنحرفة وتوظيف الإعلام والسياسة والدراسات البحثية لخدمة غاياتهم وأهدافهم الخبيثة.
موضحاً أن الأمة الإسلامية معنية بالدرجة الأولى بتلك التحديات وبالتصدي للهجمة الشرسة عليها والتي تخطت جميع الحواجز وجاوزت حدود العقل والمنطق والشرع.
فقد صوروا الإسلام بالدين الدموي الإرهابي الذي يدعو إلى قتل الأبرياء وسفك الدماء والإفساد في الأرض، وصوروا الإسلام بأنه دين التخلف والرجعية ومحاربة التقدم والحضارة والحجر على عقول أتباعه!! وصوروا المسلمين بالأمم الهمجية المتوحشة التي تعادي شعوب العالم وتسعى للهيمنة عليهم بعد تكفيرهم واستحلال دمائهم.
ومن كل ما سبق يتبن أنه أمام تلك التحديات الكبيرة التي تواجهها الأمة الإسلامية تبرز أهمية الحوار في حياة المسلمين اليوم وهو من أهم وأنجح الوسائل في ردم الهوة الكبيرة بين شعوب العالم وبين فهم رسالة الإسلام العظيمة بين المسلمين، والتي أدت إلى تمزقهم وتشتت كلمتهم واستفراد عدوهم بهم.
فقد ظهرت الحاجة إلى الحوار وضرورة استعماله كما أنه سبيل المسلمين في التعامل مع بعضهم خاصة إذا تباينت الآراء واختلفت وجهات النظر لذا ممكن أن يقال أنه بمقدار ما يكون الداعية أو المعلم متمكناً من فن الحوار محيطاً بآدابه يكون أقدر على النجاح في دعوته وتعليمه لذلك كان لا بد من إثارة الموضوع والعناية به..والحوار يدخل دخولاً أصلياً في منهج الدعوة والتعليم والتربية .وحيث أن له أصولاً وضوابط وآدابا, تدخل ضمن منهج السلوك والأخلاق.
♦ لذا نرى أن ثمرته تظهر في كونه :
1 - طريق مختصر لتقريب وجهات النظر لتوحيد الأمة أوالحفاظ عليها.
2 - سبيل للقضاء على كثير من الخلافات.
3- فرصه سانحة للدفاع عن الحق ورد شبهات الطاعنين المرتدّين.
إلى غير ذلك من المهام التي يمكن أن نجنيها عن طريق الحوار.
وحيث أن كل تلك المهام لا يمكن تحقيقها إلا بقواعد وآداب وأخلاق مستنبطه من الكتاب والسنة والتي تساعد في نجاح الحوار، وحيث أنَ القواعد الأصولية التي تضبط الحوار سواء كان ذلك من النصوص الشرعية أو من غير ذلك. آداب الحوار لتحقق الجانب السلوكي والخلقي التي ينبغي مراعاتها قبل وأثناء وبعد الحوار.

● ثالثا - ثمرات الحوار :
أن للحوار ثمرات كثيرة نلمسها في واقعنا اليوم ونراها متمثلة في تقريب وجهات النظر وكسر الحواجز النفسية والسدود التي تمنع تقارب المسلمين , وتوحيد كلمتهم ورص صفوفهم، ولعل أبلغ الدروس في بيان خلاف ثمرات الحوار هو ما نراه من عواقب فشل الحوار واستشراء العداوات والبغضاء بين المسلمين، وشق صفهم وتمزق وحدتهم وتمكن أعدائهم من السيطرة عليهم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون- -ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم.

● رابعا - وقوع الخلاف بين الناس :
الخلاف واقع بين الناس في مختلف الأعصار والأمصار، وهو سنَّة الله في خلقه، فهم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطباعهم ومُدركاتهم ومعارفهم وعقولهم، وكل ذلك آية من آيات الله، نبَّه عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ} وهذا الاختلاف الظاهريّ دالُّ على الاختلاف في الآراء والاتجاهات والأعراض. وكتاب الله العزيز يقرر هذا في غير ما آية؛ مثل قوله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ـ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}.
يقول الفخر الرازي : (والمراد اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال).
ومن معنى الآية : لو شاء الله جعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة .. لا رأي لهم فيه ولا اختيار .. وإِذَنْ لما كان هذا النوع من الخلق المُسمّى البشر؛ بل كانوا في حيلتهم الاجتماعية كالنحل أو كالنمل، ولكانوا في الرّوح كالملائكة؛ مفطورين على اعتقاد الحقِّ والطاعة؛ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع. ولكنّ الله خلقهم بمقتضى حكمته كاسبين للعلم لا مُلْهَمين. عاملين بالاختيار، وترجيح بعض المُمْكنات المتعارضات على بعض؛ لا مجبورين ولا مضطرين. وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار.
أما قوله تعالى : {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} لكي نعلم أن اللام ليست للغاية؛ فليس المُراد أنه سبحانه خلقهم ليختلفوا، إذ من المعلوم أنه خلقهم لعبادته وطاعته. وإنما اللام للعاقبة والصَّيْرورة؛ أي لثمرة الاختلاف خلقهم، وثمرته أن يكونوا فريقين: فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير.
وقدّ تُحْملُ على التعليل من وجه آخر، أي خلقهم ليستعدَّ كلٌ منهم لشأنٍ وعمل، ويختار بطبعه أمراً وصنعة، مما يَسْتَتِبُّ به نظام العالم ويستقيم به أمر المعاش، فالناس محامل لأمر الله، ويتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، خلقوا مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم ومشاعرهم، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم في أعمالهم، ومن ذلك الإيمان، والطاعة والمعصية).

● خامسا - وضوح الحق وجلاؤه :
وعلى الرغم من حقيقة وجود هذا التَّبايُن بين الناس ؛ في عقولهم ومُدركاتهم وقابليتهم للاختلاف، إلا أن الله وضع على الحقِّ معالمَ، وجعل على الصراط المستقيم منائرَ .. وعليه حُمِلَ الاستثناء في الآية في قوله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } وهو المنصوص عليه في الآية الأخرى في قوله : { فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } وذلك أن النفوس إذا تجرَّدت من أهوائها ، وجدَّت في تَلَمُّس الحقِّ فإنها مَهْديَّةٌ إليه ؛ بل إنّ في فطرتها ما يهديها ، وتأمَّل ذلك في قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} ومنه الحديث النبوي: ((ما من مولود إلا يُولدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهوّدانه، ويُنَصِّرانه، ويُمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء حتى أنتم تجدعونها ؟)).
♦ ويُوضح ذلك :
أن أصول الدين، وأمَّهات الفضائل، وأمَّهات الرذائل، مما يتفق العالم الرشيد العاقل على حُسْن محموده وحمده، والاعتراف بعظيم نفعه، وتقبيح سيِّئة وذمِّه. كل ذلك في عبارات جليَّة واضحة، ونصوصِ بينِّة لا تقبل صرفاً ولا تأويلاً ولا جدلاً ولا مراءً. وجعلها أمّ الكتاب التي يدور عليها وحولها كل ما جاء فيه من أحكام، ولم يُعذَرْ أحد في الخروج عليها، وحَذَّر من التلاعب بها، وتطويعها للأهواء والشهوات والشبهات بتعسف التأويلات والمُسوِّغات، مما سأذكره كأصل من أصول الحوار، ورفع الحرج عنهم، بل جعل للمخطئ أجراً وللمصيب أجرين تشجيعاً للنظر والتأمل ، وتَلَمُّس الحقّ واستجلاء المصالح الراجحة للأفراد والجماعات. ولربك في ذلك الحكمة البالغة والمشيئة النافذة.

image شذرات وأوراق مبعثرة في الحوار ــ آدابه ومنطلقاته التربوية «1».
image شذرات وأوراق مبعثرة في الحوار ــ آدابه ومنطلقاته التربوية «2» : غاية وأهمية وثمرات الحوار ووقوع الخلاف ووضوح الحق وجلاؤه.
image شذرات وأوراق مبعثرة في الحوار ــ آدابه ومنطلقاته التربوية «3» : مواطن الاتفاق وأصول الحوار.