طارق يسن الطاهر.
عدد المشاركات : 68
عدد المشاهدات : 2948


قراءة تأملية لنص "لولا الريح" للكاتبة السعودية جوري العبدالله.
النص:
■ لولا الريح :
جُلُّ السكون الذي يهيمن على العمق رحمة مثلى للسكينة التي يصعب التنبؤ بها على السطح، وقبل أن يحشد فم الريح موكب المطر تخمد الطمأنينة شهوة القياس؛ حتى يسابق البرق طريق النمل ويقطعه، فينكشف ضعف المساريب، وهوان الشجر.
يهطل الملح يوشم أجنحة الحمام بالأذى، ويهب الخفافيش كهوفاً بيضاء..
وحدها الأسماك تعرف كيف تخرج من عين الظلمة محصنة بتعاويذ الشباك، مغلفة بلزوجة الأعذار بأنها مضت كيفما تشتهي الريح..
فمن يقنع اللون الوفي على الحائط العجوز بسطوة الدِيم، وكلما غاب الظل ارتاب اليباب..؟
يؤرقني الصهيل المبتور، وما عادت تغريني لعبة الأضداد، وفي قلبي وخز شعور يفقدني توازني، ويكرهني على اليقين !
جوري العبدالله.

■ القراءة التأملية :
أقف – مندهشا- عند عتبة العنوان "لولا الريح" الذي قد يراه بعض القراء ناقصا، لكن الكاتبة أتت به في استخدام بليغ، لتترك للمتلقي احتمالات التأويلات متاحة، وتدع أبواب التقديرات مشرعة على مصاريعها.

وفي تحليل العنوان أقول :
لولا : أداة شرط غير جازمة، ومعناها حرف امتناع لوجود، أي امتناع الجواب لوجود الشرط.
نحويا، هنا أسلوب شرط، لكنه ناقصٌ ركنا، وهو جواب الشرط؛ ليترك مساحة للقارئ لتقدير ذلك المتروك، وبعد القراءة المتأنية الواعية يتبيَّن أن جواب الشرط هو النص كاملا.
وللكاتبة في القرآن الكريم مثال مضى على هذا النهج، فقد جاءت "لولا" مع جواب محذوف في قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب رحيم) [النور 10].
رغم أن "لولا" جاءت في آيات أخرى بأسلوب شرط مكتمل الأركان، ومنها: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشطان إلا قليلا) [النساء 83].

هذا النص يلخص للمتلقي فكرة الحياة، ويشرح رحلة الإنسان فيها، ويبين تنوع سمات الناس، واختلاف خصائصهم، وتباين ردَّات فعلهم تجاه الأشياء. ويلخص لنا مدى ارتباط البشر بالطبيعة، وتغيُّر حالاتهم حسب ارتباطهم بها، وتبرز هنا أهمية الريح، كونها تنقل معها الخير، فهي لواقح ومبشرات، كما أنبأنا القرآن الكريم.
فقد تأتي لحظات فارقة تحمل في مضمونها طاقات تغير مسار حياة الإنسان، فهنا مشاعر مكبوتة، وحلم غير مكتمل، هنا صهيل مبتور.
تصف الكاتبة واقعا ماثلا أمامها، وأمام الجميع، ثم تأتي لتوضح موقفها، وجاء ذلك جليا حينما انتقلت من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم في آخر النص: يؤرقني..

المتتبع لكتابات الأستاذة جوري العبدالله – وهذا النص أكبر دليل – يجد أنها تتميز بلغة فوق المقطرة، تقدم معانيها في مفردات موحية، وتعبر عن أفكارها بألفاظ ذات ظلال، كلماتها تقلب كيان الرؤى، استخدام غير نمطي لمعانٍ، قد تبدو تقليدية، لكن جودة السبك، ودقة اختيار المفردة يعطيها صك التفرد.
تأتي بمعانيها في قالب مقنع، وتصوغ أفكارها بطريقة منطقية؛ إذ تأتي بالمقدمات المُفضِية إلى النتائج، ومن ذلك : يسابق البرق طريق النمل؛ فينكشف ضعف المساريب، وهوان الشجر.

تبدأ نصها بداية عجيبة، مختلفة؛ إذ تقول: جل السكون الذي يهيمن على العمق رحمة مثلى، للسكينة التي يصعب التنبؤ بها على السطح. فهنا صورتان متجانستان، تدعم كل واحدة منهما الأخرى، سكينة في الظاهر، وسكون في الباطن، وربما يكون ذلك من باب التعايش والتكيف، والتماثل.
ويتأرجح بنا النص بين مشاعر مختلفة، ومواقف متباينة من انعتاق وتمرد ورفض وثبات وقلق وغبطة..
وتسرد لنا أثر بعض عناصر الطبيعة على بعضها الآخر، وتقف ممسكة بعدستها؛ لتصور لنا تلك المشاهد، وتنقل لنا تلك الآثار، وتطوف بنا من السماء للأرض، ومن البر للبحر، ومن العمران لليباب.. تحمل معها طاقة تصور الأحداث كما ينبغي، لا كما هي.

حشدت الكاتبة في النص مفردات الطبيعة – وهذا قاسم مشترك في جميع كتاباتها - لتمنح الحياة روحها، ومنها :
الحمام، الخفافيش، الريح، الشباك، الشجر، الأسماك، المطر النمل..
ومفردات المكان التي كانت عنصرا أصيلا في هذا النص البديع، ومنها: الحائط، السطح، طريق..
كما برزت الأصوات : صهيل..

النص يتمتع بالحركة في جميع أرجائه؛ لأنه يتكلم عن الحياة، وهذه من خصائص الكاتبة، حسب متابعتي لنتاجها الأدبي، ففي هذا النص تحتشد الأفعال – التي بلغت اثنين وعشرين فعلا - وذلك يهب النص حركة وحيوية، كما نجد الكائنات المرتحلة من طيور وأسماك وأمطار وريح تشارك في دفع حركة النص.

ومن جماليات النص، الطباق الذي يعطي المعاني وضوحا، ومن ذلك :
العمق، السطح..
كما أدى الجناس لإبراز الجرس الموسيقي للكلمات، ومن ذلك : السكون والسكينة.
واستخدمت تقديم ما حقه التأخير ببراعة فائقة ومنه: وحدها الأسماك..
كما أجادت الكاتبة حين استخدمت التجسيد بكثرة في نصها، ومنه: الصهيل المبتور، لزوجة الأعذار..

يعج النص بالصور البلاغية والاستعارات بشتى أنواعها، ومنها:
فم الريح / ارتاب اليباب..

تُنوِّع الكاتبة – ببراعة تحسب لها - جملَها بين الاسمية والفعلية، فمن الاسمية حيث الثبوت والاستمرار: جل السكون.. وحدها الأسماك..
ومن الفعلية حيث التجدد والحدوث : يهطل الملح، يؤرقني الصهيل المبتور..

كذلك نوعت بين الخبر والإنشاء، فمن الخبر -وهو الغالب- يهب الخفافيش كهوفا بيضاء / وما عادت تغريني لعبة الاضداد..
ومن الإنشاء : الاستفهام الإنكاري في قولها : فمن يقنع اللون الوفي..

تصدمك في كثير من جوانب النص عناصر المفاجأة غير المتوقعة، وعدم القدرة على التنبؤ، ومن ذلك:
يهطل الملح يوشم أجنحة الحمام بالأذى...
الفعل يوشم، من الوشم الذي يستخدم دائما لوصف الجمال، أو لرسم الجمال، هنا أصاب أجنحة الحمام بالأذى.
كذلك نجد المفاجأة في قولها: يؤرقني الصهيل، والطبيعي أن الصهيل صوت إيجابي يُسعِد ولا يؤرق؛ لأنه يصدر عن حيوان محبب، ارتبط بالجهاد والفتوحات والنصر عند الحرب، والفروسية والرياضة عند السلم.

برز في نص جوري تراسل الحواس، وهو أن يهب الكاتبُ حاسةً خصائصَ حاسةٍ أخرى، وهو لون جمالي وُجد في الشعر العربي القديم، وقد أكثرَ منه الشاعر الفرنسي بودلير في ديوانه "أزهار الشر"، ومعناه أن تجعل العين تشم، والأذن ترى..
تقول جوري : الصهيل المبتور، هذه الصورة الجمالية جعلت الصوت المسموع مقطوعا، الصوت تابع لحاسة السمع، والقطع تابع لحاسة النظر وهنا رمزية موفقة للحلم المنتظر، وللأحاسيس المكبوتة..
فالرمزية تطغى على جميع النص، مثلا : الحمام يرمز للشخص المسالم، والنمل للإنسان الدؤوب في عمله، المستمر في سعيه..

أقف هنا بالتحليل عند صورة بديعة جدا :
فمن يقنع اللون الوفي على الحائط العجوز بسطوة الديم، فكلما غاب الظل ارتاب اليباب.
كلما غاب الظل ارتاب اليباب، وهنا أستدعي قصيدة "الأرض اليباب" للشاعر الإنجليزي تـ. إس . إليوت، إنها لصورة بديعة؛ فغياب الظل دليل على تلبد السماء بالغيوم التي ستمطر قريبا؛ فتخضر الأرض، وساعتئذ يفزع اليباب، ويرتاب الخراب؛ لأنه لن يبقى، ففي المطر زواله، فستحل محله الخضرة.
والحائط القديم المهترئ لن يصمد لونه القديم الذي لازمه، وبقي معه وفاءً وإخلاصا، لن يصمد أمام قوة المطر الذي سيغير لا محالة من ذلك اللون.

مزج النص بين التعبير بضمير الغائب الذي غلب على معظم النص في مقدمته ووسطه، ومنه "يسيطر، يهطل، يسابق.. ولكن في الخاتمة برز ضمير المتكلم: يؤرقني، تغريني، قلبي.. وكلا الضميرين جاء في مكانه الصحيح.

تتناص الكاتبة – في هذا النص - مع نصوصها الأخرى؛ إذ تقول هنا :عين الظلمة، وفي نص آخر لها بعنوان "مساحة للرقص" تقول: نفقأ عين البعد، وغيره كثير..

من أبرز ما يميز هذا النص -إضافة لبقية مميزاته- سلامته النحوية؛ إذ خلا النص من أية هنات نحوية، وذلك أمر نادر الحدوث، في كثير من الكتابات التي تمر بنا هذه الأيام.

وتجاوزت الكاتبة الأخطاء المشهورة التي يقع فيها كبار الكتاب، ومن ذلك تجدهم يكررون "كلما" والصحيح أنها تأتي مرة واحدة، ومعناها هو الذي يفيد التكرار، وليس تكرارها حرفيا، (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله)؛ إذ قالت جوري: كلما غاب الظل ارتاب اليباب، ولم تكرر "كلما"، ويُحمد لها ذلك.

كما برعت الكاتبة نحويا، فقد برعت إملائيا؛ إذ أجادت في رسم الهمزات في مكانها، وبشكلها الصحيح، وكذلك في وضع علامات الترقيم التي تجسد المعاني بشكل مميز، وفي مكانها السليم.

إنه نص رمزي عصيٌّ عميق، وفي الوقت نفسه هو نص سهل ممتنع رغم تكثيفه، لكن يمكن فك رموزه، فالكاتبة تركت لنا بعض المفاتيح، ومنحتنا عددا من الدلالات التي عبرها يمكن للمتلقي فهم النص، وليس هو - كبعض النصوص - طلاسم، لا يمكن الوصول إليها.

إنها جوري العبدالله، صاحبة قلم مميز، ومفردة مختلفة، وصور بديعة، وأفكار رائعة، وتراكيب لها فيها براءة اختراع، إنها أديبة تصعد للقمة بسرعة الضوء.
|| طارق يسن الطاهر : عضو منهل الثقافة التربوية.

تاريخ النشر : 1443/09/30 (06:01 صباحاً).

من أحدث المقالات المضافة في القسم.

◂يلتزم منتدى منهل بحفظ حقوق الملكية الفكرية للجهات والأفراد وفق نظام حماية حقوق المؤلف بالمملكة العربية السعودية ولائحته التنفيذية. ونأمل ممن لديه ملاحظة على أي مادة في المنتدى تخالف نظام حقوق الملكية الفكرية مراسلتنا بالنقر ◂ ﴿هنا﴾.