■ في ختام الشهر الكريم تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال .. وكل عام وأنتم بخير.

بين الشوق والتوق يختبىء حنين خالد بك يا كعبة الغراء

د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير
1442/08/29 (01:45 مساءً)
1723 قراءة
د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير.

عدد المشاركات : «16».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بين الشوق والتوق يختبىء حنين خالد بك يا كعبة الغراء.
◗الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد :
لـمــكـــةَ يشــتاقُ الـفــؤادُ المـتـيَّـــمُ •=• وتهـفُـو إليها الـرُّوحُ والقلـبُ والــدَّمُ
فـفـيـهَا لِــداء النَّفـس طِـبٌّ وراحَــــــةٌ •=• وفيـهَا لـكُـلِّ النَّـاسِ أُنْـسٌ ومَـغْـنَــمُ
فَـأَلـلَّـهَ مـا أحْــلــى الحـيَـاةَ بِبطْـنِــهَــا •=• وأَلـلَّـهَ كـمْ تَـروي ظمأ الـرُّوحِ زمْــزَمُ
ولِـلَّـهِ قبْلَ الفجْـرِ في حول الكعبة سَـاعَــة •=• صَـــلاةٌ وتَـسْــبـيـحٌ وذِكْــــرٌ مُــرَنَّـــــمُ
فَإنْ تقتَربْ مِنهَا ففي القلْـبِ حُـبُّهَا •=• وإِنْ تَبْتَعِـد عَنهَـا فَشَــوْقُـكَ أَعَـظَـمُ
الكعبة. وما الكعبة ؟ هي ذلكم البناء القديم، والبيت العتيق. أول بيت وضع للناس، وأول بناء للعبادة بني على الأرض، رفع الخليل وابنه عليهما السلام بنيانه، [وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ] / [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] فتتابعت أجيال على التعبد فيه، وطافت به أمم تلو أمم. لا يُعلم في الأرض بناء طِيف به قدر ما طيف بالكعبة، ولا تعبد عنده كما تعبد عندها، ولا يحصي ذلك إلا الله تعالى. لم يتغير مكانها، ولم يطمر تاريخها، ولم يتخذ المؤمنون بناء غيرها، ولم يختلفوا عليها، ولم يملوا من التوجه إليها، وكل مؤامرات هدمها أو صرف الناس عنها باءت بالفشل الذريع؛ فالكعبة هي الكعبة منذ زمن الخليل إلى يومنا هذا، وإلى أن ينزل المسيح ابن مريم عليهما السلام فيطوف بها، ذكر أهل التواريخ أنها انهدمت مرة فبناها العمالقة، وانهدمت أخرى فبنتها جرهم، وكانت العرب تعظمها وتكسوها؛ كما أخبرت عائشة رضي اللَّه عنها فقالت: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ رواه البخاري، وأشهر ما نقل في ذلك أنها احترقت أو هدمها السيل والنبي صلى الله عليه وسلم في ريعان شبابه قبل أن يبعث بالنبوة، فوهت أركانها، فهدمتها قريش بعد تردد خوفا من العذاب، وأعادت بناءها، حَتَّى إِذَا ابْتَنَوْا فَبَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمَتْ قُرَيْشٌ فِي الرُّكْنِ, أَيُّ الْقَبَائِلِ تَلِي رَفْعَهُ؟ حَتَّى كَادَ يُشْجَرُ بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: تَعَالَوْا نُحَكِّمْ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْنَا مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ, فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ, فَطَلَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غُلَامٌ عَلَيْهِ وِشَاحُ نَمِرَةٍ, فَحَكَّمُوهُ, فَأَمَرَ بِالرُّكْنِ فَوُضِعَ فِي ثَوْبٍ, ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَأَعْطَاهُ نَاحِيَةَ الثَّوْبِ, ثُمَّ ارْتَقَى هُوَ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْفَعُوهُ إِلَيْهِ, فَرَفَعُوا إِلَيْهِ الرُّكْنَ فَكَانَ هُوَ يَضَعُهُ، وقبل هذه الحادثة بخمس وثلاثين سنة بنى أبرهة كنيسة وزينها وأحكمها، أراد أن يحول الناس إليها بدل الكعبة، وأمر العرب بقصدها في الحج، فلم يحجوا إليها، بل أحدث بعضهم فيها؛ لأنهم رأوا أن الكعبة بيت الله المعظم، قد توارثوا تعظيمه منذ زمن الخليل عليه السلام، فعظم في نفوسهم أن تزاحم الكعبة بغيرها، فسير أبرهة جيشا عظيما لهدمها جبنت قريش عن مواجهته ففرت في الجبال، فانتصر الله تعالى لبيته، وأهلك أبرهة وجنده، وجاء خبر ذلك في سورة الفيل، وسار تبع اليماني إلى الكعبة يريد هدمها فهاجت عليه ريح ردته عنها حتى ثاب إلى رشده، وتاب عن قصد، وفي أول الإسلام كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم لبيت المقدس حتى نزل قول الله تعالى [فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ] فكانت الكعبة قبلة المسلمين إلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله تعالى. فزادها ذلك تعظيما وتشريفا حين صيرها الله تعالى قبلة للمسلمين، فيتوجهون إليها من كل أقطار الأرض.
ومن يصلي في البنيان أو في العراء يستقبلها، وأهم سؤال يشغل المسلم إذا سافر إلى أي بلد من بلدان العالم سؤاله عن اتجاه الكعبة، فكانت الكعبة حاضرة بشكل مكثف في حياة المؤمن.
وقد جاء في الحديث أنها قبلة المسلمين أحياء وأمواتا، وفضلت الصلاة في المسجد الذي حوى الكعبة بمئة ألف صلاة عما سواه من المساجد، وينسب المسجد إليها فيقال مسجد الكعبة، كما قال النبي: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مسجده في المدينة: «صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» رواه مسلم.
ومن تشريف الله تعالى لها أنها لا تستقبل في قضاء الحاجة مهما كان الإنسان بعيدا عنها، كما في حديث أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رواه الشيخان.
وما دامت هذه الأمة تعظمها فهي على خير، ولا يزول الخير عنها إلا بزوال تعظيم الكعبة من قلوبهم؛ كما جاء في الحديث: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ يَعْنِي الْكَعْبَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا فَإِذا ضيعوا ذَلِك هَلَكُوا. رواه أحمد.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس تعظيم الكعبة، واحترام حرمتها، والحفاظ على قدسيتها في قلوب أصحابه رضي الله عنهم؛ ففي فتح مكة اشتد فرح سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه فقال: يَا أَبَا سُفْيَانَ، اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ. فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ» رواه البخاري.
نسأل الله تعالى أن يحرسها، وأن يدحر أعداءها، وأن يرزقنا تعظيمها.
والظاهر من الأحاديث أن الكعبة تبقى إلى آخر الزمان، ويرد الله تعالى عنها عدوان المعتدين، ويردهم على أعقابهم خاسرين، كما في حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ» رواه البخاري، ويطوف بها المسيح ابن مريم عليهما السلام بعد نزوله وقتله الدجال كما في حديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ" رواه البخاري، فإذا انتهى زمن المسيح عليه السلام، وقبضه الله تعالى إليه، وفسد الناس هدم الأحباش الكعبة، وجاء خبر ذلك في حديث أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُبَايَعُ لِرَجُلٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَجِيءُ الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا، هُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ" رواه أحمد بسند صحيح، يهدمها رجل منهم، جاءت صفته في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ» وقَوْله ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ: تَصْغِيرُ السَّاقَيْنِ صَغَّرَهُمَا لِدِقَتِهِمَا وَحُمُوشَتِهِمَا. وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا» رواهما البخاري، وفي حديث عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ، يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ وَمِعْوَلِهِ" رواه أحمد.
وبين البناء والهدم تاريخ للكعبة حافل بالأحداث، مليء بسير الرسل والصحابة والعلماء والدعاة الطائفين والعاكفين في ساحات الكعبة، وأخبار العباد والصالحين والركع السجد المجاورين عندها، نسأل الله تعالى أن يرزقنا فيها العبادة في شهر الصيام وأن يرفع عنا هذه الجائحة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا ما تيسر إيراده, وتوفر إعداده، وأعان الله على ذكره، إن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وعفوا إن أطلت، وعذرا إن قصرت، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أزرار التواصل الاجتماعي

ــ أحدث المواد المضافة (للقسم) :