في ظلال أية : وإنك لعلى خلق عظيم

د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير.
1153 مشاهدة
في ظلال أية : وإنك لعلى خلق عظيم ــ الثناء العلوي للنبي الأعظم.
■ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف ألأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد :
إنِّ الأخلاق في السنة النبوية لم تدع جانبا من جوانب الحياة الإنسانية إلاّ رسمت له المنهج الأمثل للسلوك الرفيع في تناسق وتكامل وبناء، فالنبي- صلي الله عليه وسلم- قد بلغ القمة في الأخلاق وأفضل طريق للوصول إلى مكارم الأخلاق هو طريق رسول الله- صلي الله عليه وسلم- والذي خاطبه تعالى بقوله:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم
وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود! ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من اللّه، في ميزان اللّه، لعبد اللّه، يقول له فيها : «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند اللّه مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين! ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد صلى الله عليه وسلم تبرز من نواح شتى :
1- تبرز من كونها كلمة من اللّه الكبير المتعال جل علاه وعظمته وكبريائه، يسجلها ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء اللّه.
2- وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقيها، وهو يعلم من ربه هذا، قائل هذه الكلمة، من هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التي يدرك هو منها مالا يدركه أحد من العالمين.
ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة، وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة، وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه، ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر.
أعظم بصدورها عن العلي الكبير جلت عظمته وتقدست أسمائه وصفاته، وأعظم بتلقي محمد صلى الله عليه وسلم لها وهو يعلم من هو العلي الكبير، وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنا.
إن هذه الرسالة من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدق والحق، بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يثني عليه اللّه هذا الثناء، فتطيق شخصيته كذلك تلقي هذا الثناء، في تماسك وفي توازن، وفي طمأنينة، طمأنينة القلب الكبير الذي يسع حقيقة تلك الرسالة وحقيقة هذا الثناء العظيم، ثم يتلقى - بعد ذلك - عتاب ربه له ومؤاخذته إياه على بعض تصرفاته، بذات التماسك وذات التوازن وذات الطمأنينة، ويعلن هذه كما يعلن تلك، لا يكتم من هذه شيئا ولا تلك. وهو هو في كلتا الحالتين النبي الكريم، والعبد الطائع، والمبلغ الأمين.
إن حقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة، وإن عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة، وإن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية لأبعد من مدى أي مجهر يملكه بشر، وقصارى ما يملكه راصد لعظمة هذه الحقيقة المزدوجة أن يراها ولا يحدد مداها، وأن يشير إلى مسارها الكوني دون أن يحدد هذا المسار!
ومرة أخرى أجد نفسي مشدودا للوقوف إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لهذه الكلمة من ربه، وهو ثابت راسخ متوازن مطمئن الكيان. لقد كان صلى الله عليه وسلم - وهو بشر - يثني على أحد أصحابه، فيهتز كيان صاحبه هذا وأصحابه من وقع هذا الثناء العظيم، وهو بشر وصاحبه يعلم أنه بشر، وأصحابه يدركون أنه بشر، إنه نبي نعم، ولكن في الدائرة المعلومة الحدود، دائرة البشرية المقيدة، فأما هو فيتلقى هذه الكلمة من اللّه، وهو يعلم من هو اللّه، هو بخاصة يعلم من هو اللّه! هو يعلم منه ما لا يعلمه سواه، ثم يصطبر ويتماسك ويتلقى ويسير ... إنه أمر فوق كل تصور وفوق كل تقدير!
إنه محمد - وحده - هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة ..
إنه محمد - وحده - هو الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفحة اللّه في الكيان الإنساني.
إنه محمد - وحده - هو الذي يكافئ هذه الرسالة الكونية العالمية الإنسانية حتى لتتمثل في شخصه حية، تمشي على الأرض في إهاب إنسان.
إنه محمد - وحده الذي علم اللّه منه أنه أهل لهذا المقام، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته - وأعلن في هذه أنه على خلق عظيم، وأعلن في الأخرى أنه - جل شأنه وتقدست ذاته وصفاته، يصلي عليه هو وملائكته «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ».
وهو - جل شأنه - وحده القادر على أن يهب عبدا من عباده ذلك الفضل العظيم ..
ثم إن لهذه اللفتة دلالتها على تمجيد العنصر الأخلاقي في ميزان اللّه وأصالة هذا العنصر في الحقيقة الإسلامية كأصالة الحقيقة المحمدية.
والناظر في هذه العقيدة، كالناظر في سيرة رسولها، يجد العنصر الأخلاقي بارزا أصيلا فيها، تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء. الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة والنظافة والأمانة والصدق والعدل والرحمة والبر وحفظ العهد، ومطابقة القول للفعل، ومطابقتهما معا للنية والضمير، والنهي عن الجور والظلم والخداع والغش وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الحرمات والأعراض، وإشاعة الفاحشة بأية صورة من الصور. والتشريعات في هذه العقيدة لحماية هذه الأسس وصيانة العنصر الأخلاقي في الشعور والسلوك، وفي أعماق الضمير وفي واقع المجتمع، وفي العلاقات الفردية والجماعية والدولية على السواء، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ رسول الله صلى عليه وسلم : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ » .. فالرسول صلى الله عليه وسلم لخص رسالته في هذا الهدف النبيل، وتتوارد أحاديثه تترى في الحض على كل خلق كريم، وتقوم سيرته الشخصية مثالا حيا وصفحة نقية، وصورة رفيعة، تستحق من اللّه أن يقول عنها في كتابه الخالد: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ». فيمجد بهذا الثناء صلى الله عليه وسلم كما يمجد به العنصر الأخلاقي في منهجه الذي جاء به هذا النبي الكريم، ويشد به الأرض إلى السماء، ويعلق به قلوب الراغبين إليه - سبحانه - وهو يدلهم على ما يحب ويرضى من الخلق القويم.
وهذا الاعتبار هو الاعتبار الفذ في أخلاقية الإسلام، فهي أخلاقية لم تنبع من البيئة، ولا من اعتبارات أرضية إطلاقا وهي لا تستمد ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل، إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء، تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق.
وتستمد من صفات اللّه المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة، كي يحققوا إنسانيتهم العليا، وكي يصبحوا أهلا لتكريم اللّه لهم واستخلافهم في الأرض وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرى: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ». ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود من أي اعتبارات قائمة في الأرض إنما هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر، لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات اللّه الطليقة من كل حد ومن كل قيد.
ثم إنها ليست فضائل مفردة : صدق، وأمانة، وعدل، ورحمة، وبر. إنما هي منهج متكامل، تتعاون فيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعا، وتنتهي في خاتمة المطاف إلى اللّه، لا إلى أي اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة! وقد تمثلت هذه الأخلاقية الإسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها واطرادها وثباتها في محمد صلى الله عليه وسلم وتمثلت في ثناء اللّه العظيم، وقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ».

■ وخلاصة القول :
ماذا عسانا أن نتحدث عنه ونحدّث وقد اجتمع فيه ما تفرق من أخلاق الكرام، لا تحصى فضائله، ولا تعد مزاياه، وهو خير خلق الله إنسانا، ما من صفة كمال إلا اتصف بها، ولا قبيحة إلا وتبرأ منها.
أقسم الله الصادق العليم بـ ﴿النجم إذا هوى﴾ على تزكية المصطفى والثناء عليه ..
فزكى عقله ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾
وزكى قلبه ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾
وزكى بصره ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾
وزكى لسانه ﴿وما ينطق عن الهوى﴾
وزكى رسالتَه ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾
وزكى مُعلِّمَه ﴿علمه شديد القوى • ذو مرة فاستوى﴾
وزكى أصحابه ﴿والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾
وزكاه كله ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾
ووصفه بصفتين من صفاته ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾
ونعته بالرسالة ﴿محمد رسول الله﴾
وناداه بالنبوة ﴿يا أيها النبي﴾
وشرّفَه بالعبودية ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾
وشهد له بالقيام بها ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت •=• مثل الرسول نبي الأمة الهادي
ولا برا الله خلقاً من بريته •=• أوفى بذمة جارٍ أو بميعاد
مِن الذي كان فينا يستضاء به •=• مبارَك الأمر ذا عدل وإرشاد‬
اقرؤوا سيرته، واسبروا سُنّته، وطالعوا هديه وسمته، فلن تجدوا إلا نوراً وصفاء وضياء، وصدقا، وعفافا ووفاء، وبرا وكرما وحياء.
صلّى عليه اللهُ ما عينٌ بكَتْ *** شوقًا إليه، وما بَدَا إشراقُ
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :