قصيدة صوت صفير البلبل في ميزان التاريخ واللغة

طارق يسن الطاهر.
1986 مشاهدة
قصيدة صوت صفير البلبل في ميزان التاريخ واللغة.
■ أتناول قصيدة صوت صفير البلبل الشهيرة، من حيث :
● قصة القصيدة.
● تبرئة الأصمعي منها.
● تبرير ذلك من ناحية تاريخية ونحوية وعروضية ومنطقية.

● قصة القصيدة باختصار كما يلي :
إن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يضيق على الشعراء فهو كان يحفظ القصيدة من أول مرة يسمعها فيها فكان يدعي بأنه سمعها من قبل فبعد أن ينتهي الشاعر من قول القصيدة يقوم الأمير بسرد القصيدة إليه، وكان لديه غلام يحفظ القصيدة بعد أن يسمعها مرتين، فكان يأتي به ليسردها بعد أن يقولها الشاعر، ومن ثم الخليفة وكان لديه جارية تحفظ القصيدة من المرة الثالثة، فيأتي بها لتسردها بعد الغلام، ليؤكد للشاعر بأن القصيدة قد قيلت من قبل، و هي في الواقع من تأليفه وكان يعمل هذا مع كل الشعراء فأصيب الشعراء بالخيبة والإحباط خاصة أن الخليفة كان قد وضع مكافأة للقصيدة التي لا يستطيع سردها، وزن ما كُتبت عليه ذهبا فسمع الأصمعي بذلك فقال: إن بالأمر مكر. فأعد قصيدة منوعة الكلمات وغريبة المعاني ولبس زي الأعراب، وتنكر حيث إنه كان معروفاً لدى الأمير فدخل على الأمير وقال: إن لدي قصيدة أود أن ألقيها عليك ولا أعتقد أنك سمعتها من قبل. فقال له الأمير هات ما عندك، فألقى عليه قصيدة صوت صفير البلبل، ومنها هذه الأبيات :
صـوت صــفير الـبلبـلي=هيج قـــلبي الثمــلي
المـــــــاء والزهر معا=مــــع زهرِ لحظِ المٌقَلي
وأنت يا ســـــــــيدَ لي=وســــــيدي ومولي لي
فكــــــــم فكــــم تيمني=غُـــزَيلٌ عقــــــــــيقَلي
قطَّفتَه من وجــــــــــنَةٍ=من لثم ورد الخــــجلي
فـــــــقال لا لا لا لا لا=وقــــــــد غدا مهرولي
حينها أسقط في يد الأمير فقال : يا غلام يا جارية. قالوا : لم نسمع بها من قبل يا مولاي. فقال الأمير: أحضر ما كتبتها عليه فنزنه و نعطيك وزنه ذهباً. قال : ورثت عمود رخام من أبي و قد كتبتها عليه، لا يحمله إلا عشرة من الجند. فأحضروه فوزن الصندوق كله. فقال الوزير: يا أمير المؤمنين ما أظنه إلا الأصمعي. فقال الأمير: أمط لثامك يا أعرابي. فأزال الأعرابي لثامه، فإذا به الأصمعي. فقال الأمير: أتفعل ذلك بأمير المؤمنين يا أصمعي؟! قال: يا أمير المؤمنين قد قطعت رزق الشعراء بفعلك هذا. قال الأمير: أعد المال يا أصمعي. قال: لا أعيده. قال الأمير: أعده. قال الأصمعي: بشرط. قال الأمير: فما هو ؟ قال: أن تعطي الشعراء على نقلهم و مقولهم. قال الأمير: لك ما تريد.

● تبرئة الأصمعي من نسبة هذه القصيدة :
● تبرير ذلك من ناحية تاريخية ونحوية وعروضية ومنطقية :
1- إنّ هذه القصة سقيمة المضمون وذات نظم ركيك، وكلها كذب في كذب، وهي مفبركة ولا تصدر إلا من جاهل بالتاريخ والأدب.
2- إن القصة المذكورة لم ترد في مصدر موثوق من كتب الأدب المعروفة.
3- إن صلة الأصمعي كانت بهارون الرشيد لا بأبي جعفر المنصور الذي توفي قبل أن ينبغ الأصمعي، ويُتّخذ نديماً وجليساً.
4- قافية هذه القصيدة مجرورة. فكيف للأصمعي وهو من هو في علمه باللغة وعلومها أن يجر كلمة الثمل (هيّج قلبي الثملِ) وهي صفة لمفعول به وحقها النصب. ينبغي أن تكون : الثملا
5- القصيدة من بحر الرجز وتفعيلته (مستفعلن) ونجد فيها كسرا وزنيا، مثال : (قال لا لا لا لا) و (فقالت لا تولولي). فهل من المعقول أن يقف أي إنسان أمام الخليفة ليقول له كلاما بدون معنى مع أخطاء في النحو والوزن.
6- وهل يخطئ الأصمعي في النحو والعروض وهو الذي قال فيه الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي. وقال عنه أبو الطيب اللغوي: كان الأصمعي أتقن القوم للغة، وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم حفظاً. وكان الأصمعي يقول عن نفسه: أحفظ عشرة آلاف أرجوزة.
7- الخليفة أبو جعفر المنصور لا يمكن أن يكون نصابا يفعل مثل هذه الأفاعيل. كان يكفيه أن يعطى عطايا قليلة، وهو فعلا كان معروفا بالحرص في إنفاق المال، وكان يلقّب بأبي الدوانق، لشدة حرصه على أموال الدولة، والدانق هو سدس الدرهم.
8- دع عنك خزعبلات الجارية التي تحفظ من مرة والغلام الذى يحفظ من مرتين, ألم يكن كافيا أن يقول الخليفة: لقد سمعت هذه القصيدة من قبل. من كان سيجرؤ أن يناقشه أو يكذبه؟!
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :