• ×

06:50 مساءً , الثلاثاء 4 ذو القعدة 1439 / 17 يوليو 2018



◄ قراءة تحليلية للمجموعة القصصية "ستة وستين كشيفة" للكاتب المصطفى كليتي.
اعتبارا لما أضحى للقصة القصيرة جدا من تواجد في الساحة الأدبية نتيجة ما بات يعتري المجتمع من تحولات أفضت لإلى عدم قدرة القارئ على متابعة الأجناس الأدبية الكلاسيكية التي تحتاج إلى الوقت والصبر، فقد انخرط عدد من كتاب القصة إلى هذا الجنس الأدبي الذي أثث تواجده ضمن اللقاءات والمهرجانات الأدبية مما جعلها – القصة القصيرة جدا - تحض بأسماء متعددة من قبيل "قصص بحجم راحة اليد" "قصة الأربع دقائق" "القصة اللقطة" و .. ولعل من سمات هذا الجنس الأدبي أنه استطاع أن يشحن كم هائل من الدلالات في اسطر معدودة، ويوفر وقتا للقراءة ويجعل القارئ يسبح في عوالم لا متناهية، تمتزج فيها الواقعية والخيال وفق نسق فلسفي دقيق، قد يصعب أحيانا التجاوب معه من قبل فئة القراء العاديين، وهو ما جعله محط انتقادات بعض النقاد والكتاب والقراء، ورغم ذلك فقد تمكن بفضل عدد من الأسماء التي برعت فيه من بسط حضوره، نذكر منهم القاص سعيد منتسب والقاص عبدالله المتقي والقاص عبدالحميد الغرباوي، إلى جانب المصطفى كليتي، هذا الأخير الذي سنقف عند قراءة تحليلية لإحدى مجموعاته التي اختار لها من العناوين "ستة وستين كشيفة".
لقد استطاع هذا المبدع أن يرسم اسمه ضمن أكبر المبدعين في هذا الصنف الأدبي من خلال شلالات من الكتابات المشحونة بالرمزية تارة والواقعية المباشرة تارة أخرى، متطرقا لمجموعة من المواضيع الآنية التي لها ارتباط شديد بالمجتمع، واضعا الحديث بضمير الغائب مما جعلها تأخذ طابع الحكي والإحاطة بكل الأحداث في زمن قياسي يجعل القارئ ينغمس بكل تلقائية وعفوية في ثنايا القصة دون روابط لفظية، أو الانتباه لحالات التناص التي استخدمها كنوع فريد في الأدب الحديث، مستغلا ما يتميز به من أسلوب الطرافة والبعد الفلسفي.
لقد جعل المصطفى كليتي مجموعته القصصية عبارة عن مذكرات أو خواطر ذاتية تسرد مواقف وقضايا تختلف قصصها من حيث الزمان والمكان، يجعل روابط متجانسة بين بعضها وفق ما أطلق عليه بـ "الكشيفات". أحيانا نجد أنفسنا أمام تفاؤل وأخرى أمام تشاؤم منقطع النظير، مجسدة صورا تأخذ منحى غريبا ولغة فائقة لواقع الحياة اليومية، مستخدما خطا أفقيا خلال أبواب المجموعة الموزعة على تسع أبواب، بلغة ساحرة تبتعد عن الرصانة والمتانة بمعانيها التقليدية لترتقي إلى درجة الخطاب اليومي، والتقاطع مع اللغة العادية، ذات تأثير في النفوس بعفوية الكلمة وسلاستها.
لقد رصدت عناوين مجموعة "ستة وستين كشيفة" العلاقة المبنية بين العنوان والحبكة في تناسق وتناغم فريد يعكس السرد القصصي القصير جدا بكل تجلياته سواء في رسم الشخصيات أو الأماكن أو الأحداث بأدق التفاصيل دون الإخلال بمبدأ التكثيف الممنهج في هذا النوع الأدبي، ونستحضر هنا نص "سفر في الطرق الملتوية" حين يقول "توالت الفصول والمشاهد وتواتر الإظلام والإشعال فمضى كل واحد ليمثل أدواره المتبقية" فيما نرى تجاذبية فلسفية متداخلة الفصول كما هو الحال في "فرجة الفصل الأخير" و "عود على بدء" وهي نصوص مدرجة ضمن كشيفات باب اللعب الذي رسم لعبا من نوع خاص مع الكلمة ورمزيتها فاتحا للقارئ العنان لاكتشافاته ضمنها، ضمن عالم حاشد بالمتناقضات والفوارق.
وعند تصفحنا لكشيفات باب الفجأة نجد القاص المصطفى كليتي قد لخص لنا سلسلة نصوص ذات عمق في التجاوب اللامنتهي، نصوص تحمل من الهواجس ما يحاصر الإنسان في حياته بشكل أو آخر مشكلة طلاسم قد يتوصل إلى حل شفرتها أو تبقى عالقة السؤال، يقول في "كشف"، "ولما امتصت الرحلة المضنية رحيق عمره الجميل وزهرات أحلامه البكر، قفل مجرجرا جنباته الممضة وحين وطئ عتبة بيته، ألفى سر الأسرار جاثيا هناك في انتظاره..".
وبما أن المصطفى كليتي قد طرق باب المسرح وخبر بدواخله فقد كان له توظيف الدراما ضمن متنه السردي من خلال لغة الحوار ليجعل قصصه القصيرة جدا تأخذ أبعادا تعبيرية في تناقضاتها وصراعاتها المتجلية في الذات الإنسانية مع الحالات النفسية مختزلا ثورة الإنسان وتجسيد الذات حين تضعف وتحال على بوابة الغضب غير آبه بما قد يترصدها، يقول في "سيرة الأصدقاء"، "خضنا عبثا معارك دونكشوطية ونحن نطحن الماء بالخواء، فقد تآكلنا حتى النخاع أيها الخليل .."، وفي "شفرة خزان الأسرار" يقول "دعوه بلا ماء ولا دواء ولا غذاء، صبوا على جراحه رشة ملح ..". إنها ذاتية الكاتب السارد التي تخطت المواقف والشخوص لتعطينا هذه الصورة الابداعية، التي زاوج فيها ما بين القصة القصيرة جدا وعن الومضة بأدق تفاصيلها المعبرة كما قال في نص "توازن الرعب"، " التقى الجمعان العرمرمان في ساحة الوغى، و تقاتلا بشراسة وغلظة، وتطامت جثت الضحايا من الجانبين، فمزق خنزير بري جامح ساحة النزال فدك الفريقين دكا دكا، فإذا الكل رميم".

image

وبصفة أجمالية يمكن القول أن المصطفى كليتي من خلال مجموعته "ستة وستين كشيفة" الذي يوحي لنا عنوانها على أنها ديوان زجل، أن يسافر بنا في متاهات غير مأمونة النهايات، كشيفات على شاكلة لوحات فسيفسائية متشابكة تختزل بعضا من حياتنا اليومية بكلمات وتعابير قليلة وجد دقيقة ما بين المباشرة والرمزية تجعل القارئ أقرب إلى الواقع من الخيال.
 0  0  2356
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:50 مساءً الثلاثاء 4 ذو القعدة 1439 / 17 يوليو 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.