• ×

02:16 مساءً , الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017

◄ الحياة في بيوت فلسطين ـ ملخص الكتاب.
كثير من السرد وقليل من الحيادية.
حالة من الصدمة يخلّفها كتاب الإنجليزية ماري إليزا روجرز، المعنوَن بـ (الحياة في بيوت فلسطين)، والذي كتبته عن زياراتها للمدن والقرى الفلسطينية منذ الفترة 1855 حتى 1859، حين رافقت أخاها في مهمته الدبلوماسية كنائب للقنصل البريطاني.
كان مترجم الكتاب جمال أبو غيدا قد نوّه في تمهيده لحجم سطوة التوراة على المؤلفة، وبأن أمانة النقل اقتضت منه إيراد إحالاتها التوراتية على أرض فلسطين كما هي ومن دون تعديل يُذكر سوى حذف بعض الإهانات التي تسيء للحضارتين العربية والإسلامية والتي لا تؤثر على سياق المعلومات الزخمة الواردة في الكتاب، بحسبه.
لم تقف التلميحات الآنفة في كتاب روجرز، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عند حدود التسميات التي كانت مصطبغة بالكليّة بالصبغة العبرانية كقولها، على سبيل المثال، عن البحر الأبيض المتوسط «البحر العظيم»، بل هي ذهبت إلى حد ربط جزء من الإرث الفلسطيني المحكي بالنصوص التوراتية، كقولها عن أغاني الزفة الفلاحية التي ترجِمت لها بأنها مقتبسة من «نشيد الإنشاد الذي لسليمان»، وقولها عن الأهازيج الترحيبية التي كانت تؤديها النسوة حين يستقبلنها «غنوا أغاني تمتدحني كانت تتضمن تشبيهات مبالغا فيها، لكنها مليئة بالصور المعبرة لدرجة لم أتمكن فيها من منع نفسي من التفكير بنشيد الإنشاد الذي لسليمان».
محاولة روجرز مطابقة الأوصاف الجغرافية في فلسطين بتلك الواردة في النصوص التوراتية، وتحديدا فيما يتعلق ببيت المقدس وبرك سليمان وكنيسة المهد، لم يكن شيئا يُذكر أمام سعيها ربط أكثر العادات العربية شهرة، كإعداد خبز الطابون والكحل العربي ونزع الشعر الزائد باستخدام السكر، بالنصوص اليهودية.
التحليلات والرؤى الخاصة تبدّت في نهاية الكتاب أكثر من بدايته، ولكنها بمجملها لا تشكّل نسبة لافتة للنظر إذا ما قورنت بنسبة السرد التي أتت بها الكاتبة لأدق تفاصيل المشهد الفلسطيني في ذلك الحين وخصوصاً فيما يتعلق بالبنيان المعماري (وإن كانت نسبت البناء كله لليهود تقريباً) واللباس والموائد وعادات الأعراس والجنائز والطبقات الاجتماعية لا سيما في المدن الفلسطينية الكبرى كالقدس وحيفا ويافا والناصرة.
في خضمّ هذا الانثيال السردي، الذي يبعث على الضجر في مرات لتكرّر تفاصيله، أشارت روجرز لأحداث تاريخية هامة في تلك الحُقبة كتفشّي الكوليرا وتحديدا في حيفا، والنزاعات الدموية التي اندلعت بين أهالي قرية الطيرة وأهالي مدينة حيفا، لتعود لأحداث هامة سبقت قدومها منها الاصطدامات التي أودت بأرواح كثيرين وأدّت لجلاء السكان المسلمين من بيت لحم في العام 1843. هذا ولم يُدعّم السرد في معظم المقاطع سوى بالنصوص اليهودية، أما الإحصاءات فكانت ضئيلة، وكانت في مجملها حول تعداد السكان في مدينة أو قرية ما، بل حتى ترجمة الأغنيات والمجاملات والخطابة والشِعر للإنجليزية لم تأتِ في معظم المرات على لسان ثُقات مختصين، باعتراف روجرز، بل بمبادرة من سائس خيلها في مرات أو من أحد مرافقيها أو حتى من خلال الحركات الإيمائية التي كانت تحاول النسوة من خلالها إفهامها فحوى الأغنيات !
المرأة الفلسطينية كانت أقرب ما تكون في كتاب «الحياة في بيوت فلسطين»، لصورة المرأة في معظم المناهج الدراسية العربية القديمة؛ إذ كان الطبخ والتذلل للرجل والسعي لنيل رضاه ولإنجاب العدد الأكبر من الذكور، هو المهيمن على صورتها. بل إن روجرز ذهبت لإيراد مقاطع مهينة بحقها، وإن كانت نسَبتها على لسان أزواجهن في ذلك الحين، كقولها حين اقترحت على أحدهم شراء بيانو لزوجته : «خيتي نسواننا ما بيقدروا يتعلموا، روسهم خشب، تعليم الحمير أسهل من تعليمهم»، وقول أحدهم في مقطع آخر : «إذا منحناهم حريتهم مش رح يعرفوا يتصرفوا فيها، روسهم مصنوعة من الخشب، مش مثلك لما تحكي، بننسى إنك مرة وبنحس حالنا عم نسمع كلام واحد شيخ».
الطابع الاستشراقي للكتاب، الذي جاء في 413 صفحة من القطع الكبير، كان بادياً، وإن أخذ غطاء أدب الرحلات. ثمة نظرة استعلائية حيال العرب، ناتجة في معظم المرات عن سوء الفهم؛ تقول في أحد المقاطع : «الكم لا الكيف هو كل ما يشغل بال الفلاح العربي»، وقولها : «المسيحيون العرب لم يكونوا قادرين على فهم الكيفية التي يمكن أن يكون لنا فيها دين من دون كاهن أو قسيس، وكيف نؤدي شعائرنا الدينية دون مذبح، وكيف نقيم الصلوات من دون كنيسة وكيف يمكننا إدراك وجود الخالق دون أداء طقوس سر التناول»، وقولها عن القصائد العربية : «الغاية الرئيسية منها على ما يبدو هي إنتاج مقاطع كتابية تتضمن كلمات ومفردات تُخط بطريقة معقدة في أنماط متماثلة بدقة وحرص شديدين ولكن من دون أي ذائقة شعرية» وتقول عن الفلاحات الفلسطينيات، وهو ما يعد مجانبا للصواب لأي متتبع لحياة المرأة لفلسطينية منذ القدم : «من النادر أن يقمن بأنفسهن بأي من أشغال الإبرة أو التطريز».
أبت روجرز التي حفِل كتابها بترجمة انسيابية وسلسة للغاية على الرغم من المشكلة الظاهرة في التفريق بين الهاء والتاء المربوطتين، أبت إلا أن تختم كتابها بحكاية الشبهة الجنائية التي أحاطت بغرق الحاخام شايع، الذي كان يعاني رُهابا من المسيحيين الراغبين بقتله على ظهر السفينة العائدة من فلسطين إلى بريطانيا. جاءت هذه الحادثة في أعقاب حكايات أخرى ساقتها منها تجبر الأطفال المسلمين والمسيحيين بالأطفال اليهود، ونهب العرب لحقول اليهود التي يزرعون بمهارة، وحكايتها، التي لم تدع مجالا للشك حول ميولها، عن رضيع يهودي غرق مركب والديه القادم من الجزائر، فما كان من بدو فلسطين سوى أن تعهدوه بعنايتهم ودمجوه مع أطفالهم. تقول : «كان الوحيد من بين أفراد العائلة الذي لم يتلق درسا في حبها أو في الإيمان بأنها الأرض التي وعد الله بها جده الأكبر إبراهيم وذريته من بعده إلى أبد الآبدين» !
■ رشا عبدالله سلامة ـ جريدة الدستور الأردنية ـ الجمعة : 25 / 4 / 2014م.
 0  0  1907
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )