في الثقافة الفلسفية : (الماضي ـ الحاضر ـ المستقبل)

خالد صابر خان.
8740 مشاهدة
في الثقافة الفلسفية : (الماضي ـــ الحاضر ـــ المستقبل).
لو نظرت «بتمعن» لِلنّاس لوجدتهم ينقسمون في الغالب إلى عدة أقسام حسب علاقتهم بالماضي والحاضر والمستقبل، هناك أناس يحبون الماضي، ويرونه افضل من الحاضر، ويريدون أن يعيدوا الماضي في المستقبل، فهم يعيشون في الماضي، ولا يحبون الحاضر، تجدهم غالباً ما يتحدثون عن الماضي وإنجازاتهم فيه أو أهميته، وهناك أناس يكرهون الماضي، يحاولون الهرب منه، يحاولون إنكاره، الماضي بالنسبة لهم صفحة سوداء يحاولون نسيانها أو إخفائها، يشعرون بالعار والخزي لماضيهم، فهم يحاولون اقتلاع انفسهم من جذورها، فجذورهم في الماضي، والذي لا يعرف ماضيه لا يعرف كيف وصل إلى حاضره، ولا يعرف كيف تحدد اتجاه حياته، فالماضي يلعب دوراً مهماً في تكوين الحاضر والمستقبل، وهناك أناس يكرهون حاضرهم ويهربون إلى المستقبل، فهم يحلمون بيوم يخرجون فيه من الحاضر ويعيشون في أحلام المستقبل، وهناك أناس يكرهون المستقبل، يخافون القادم، يعتقدون أن المستقبل سيعيد الماضي القاتم، فما حدث في الماضي قد يحدث مرة أخرى، وهناك أناس يحبون ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وهم قلة، فهؤلاء يقبلون الحياة كما هي، فقد فهموا ماضيهم، وعملوا سلاماً مع أحداثه، ويفهمون حاضرهم.

■ هل تعرفون ما هو المفتاح لفهم الماضي ؟
النضج في الحاضر، النضج يجعل الإنسان ينظر لماضيه بنظرة فيها حب وفهم وتسامح وتعلم من الدروس، الإنسان الناضج عمل سلاماً مع ماضيه، فهو فاهم يعمق لماضيه وكيف شكل هذا الماضي حاضره ومستقبله، ويعرف أن ما يبقى من الماضي هو أفكار وذكريات، بالطبع هناك أوضاع وظروف يعيشها الإنسان نتيجة الماضي وأحداثه، ولكن الماضي في حد ذاته لم يبقى منه غير الأفكار والذكريات والقصص، أثاره مستمرة.

■ وهل تعرفون ما هو المفتاح لفهم المستقبل ؟
النضج في الحاضر، ما هو المستقبل في هذه اللحظة ؟ أفكار وأحلام وأمنيات، وهذه الأشياء هي من إنتاج العقل والنفس، الإنسان الناضج تكون أحلامه وأمنياته وأفكاره للمستقبل ناضجة أيضاً، فهو يعرف أن أفضل طريقة ليكون المستقبل سعيداً هي في أن يوجه الإنسان طاقته وفكره للنضج في الحاضر وللقيام بعمل اليوم على أفضل شكل، النضج اليوم هو أفضل طريقة للتحضير لغد أفضل، والحقيقة أن الإنسان الناضج لا يشغل نفسه كثيراً بالماضي أو المستقبل، فهو مشغول بعمل اليوم، مشغول بعمل جهده اليوم، كثير من الناس يشتكون من (الفراغ العاطفي)، وجزء من المشكلة هي انشغال الناس في الماضي أو المستقبل وعدم وعيهم باليوم، بالحاضر، وهذا ما يخلق الفراغ العاطفي، لنفرض إنك جائع، وأخذت تفكر في وجبة أكلتها قبل شهر، هل هذا سيملأ المعدة، ربما يلهيك قليلاً ولكن لن يشبعك، ولن يشبعك أيضاً التفكير في الوجبة التي قد تأكلها غداً، الإشباع العاطفي مثل ذلك، لا يشبعه ما حدث في الماضي أو ما قد يحدث في المستقبل، الحاضر وما فيه هو ما يشبع النفس.
واجد أحياناً أناساً يقولون أن حاضرهم في غاية السوء، وهناك فعلاً أناس يمرون بظروف عصيبة، ولكن في غالبية الأحيان من يشتكون يكونون في نعم كثيرة، وربما ينقصهم شيئ ما يريدونه، هل تعلمون ما هي المشكلة من الناحية النفسية ؟ هم يعطون بعض أحداث يومهم أهمية أكثر من غيرها، هل تذكرون عندما كنتم أطفالاً كيف كان شروق الشمس وغروبها من الأحداث المهمة، أذكر كيف كنا نهتم بورقة الشجر عندما تسقط وبقطرة المطر عندما تلمس يدنا، وبالحيوانات والطيور ووجوه الناس، وباللعب مع الأخوة والأقارب والأصدقاء، فقدنا السعادة عندما (تعلمنا) أن هذه الأمور ليست مهمة، وأن المهم هو أن نمتلك بيتاً أو نجمع مالاً أو ننتصر على أقرب الأقربين، لن يعرف الإنسان السعادة إلا إذا عرف أن كل حدث في الحياة، كل حدث في النجوم وفي البحار وفي جسم الإنسان وفي كل مكان، كل حدث مهم، النملة التي تحمل طعامها مهمة، والطير الذي يبني عشه مهم، والأم التي تلد مهمة، والرضيع الذي يبكي ويبتسم مهم، والنجم الذي يسير في فلكه مهم، والليل والنهار، والسمك والأشجار والورق والندى ودقات القلب، وغيرهم الكثير، سبحان الله وله العزة، كل شيئ مهم، والقرآن الكريم مليء بالسور والآيات التي تلفت انتباهنا لما هو مهم في الكون وفي الحياة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - نبه كثيراً إلى أن كل شيئ مهم، الكلمة والنظرة وحتى كيفية التعامل مع القطة، والمسيح - عليه السلام - سؤل مرة (من الذي سيدخل الجنة؟) وكان حوله عدة أشخاص من الرهبان الذين ظنوا أنه قد يختارهم، ولكنه نظر حوله وكان هناك طفلاً يلعب، فحمله وقال لهم : (من يمكنه أن يكون منكم مثل هذا الطفل سيدخل الجنة)، براءة الطفل، ونقاء الطفل، وتسامح الطفل، وقدرة الطفل على التعلم والتغير، واهتمام الطفل بكل ما يجري من حوله، يركز في حاضره، نضج الكبار وحكمتهم مخلوطة ببراءة الأطفال، الحكماء أبرياء، وهذا ما يدهش بعض الناس في الحكماء، براءتهم ونظرتهم الصافية للأمور، كثير من الناس دفنوا الأطفال في داخلهم من أجل أن (يكبروا) ويثبتوا أنهم (كبار)، ومن أجل بناء المستقبل، ولكنهم لا يعرفون أنهم دفنوا الحكمة والمحبة والبراءة، الخبث ليس هو الحكمة، من الحكمة أن تعرف أن لا داعي للخبث، وكان هناك رجل حكيم جاءته المنية، والتف حوله طلابه وكانوا ينتظرون منه أن يقول لهم خلاصة حكمته قبل وفاته، ولكنه ظل صامتاً، فسأله احدهم : (أستاذي ألن تخبرنا ببعض أهم الحكمة قبل رحيلك، فنحن طلابك ونتمنى أن تخبرنا شيئاً مهما)، فنظر اليهم والتفت وكان حماره يقف بعيداً، فقال : (اجلبوا الحمار إلي)، فاستغربوا، وجلبوا الحمار إلى قربه، فنظر للحمار وقال : (أيها الحمار، سامحني، لقد قسوت عليك، كنت أحملك فوق طاقتك وتحملتني سنوات، سامحني)، ومات، وتعجب طلابه، فطلب السماح من الحمار كان أهم عنده من إعطاءهم حكمة.
علاقة الإنسان بالماضي والحاضر والمستقبل مهمة كما أن رؤيته الأمور الحاضر تحدد مدى سعادته.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :