• ×

09:42 مساءً , الخميس 15 ربيع الثاني 1441 / 12 ديسمبر 2019


قصة : عدالة السماء ـ كان رجلاً معدماَ ولكنه كان سعيداً «8».
كان رجلاً معدماَ، ولكنه كان سعيداً وكانت له عائلة مؤلفة من زوجة وخمسة أولاد وأختين ووالدة طاعنة في السن، له حانوت يبيع فيه الخضروات اليقطين والباذنجان والسلق والفجل والطماطم .. إلخ. حانوته هذا في طريق فرعية، يبيع فيه سلعته لجيرانه من الفقراء، فلم يكن له من المال ما يؤجر به حانوتاَ في موقع متميز أو يشتري به سلعة متميزة. أما داره الخربة فتسمى من باب المجاز داراً، وهي في حقيقتها غرفة واحدة حولها ركام من الأنقاض، وفي هذه الغرفة ينام أفراد العائلة، ويطبخون، ويستحمون، ولهم فيها مآرب أخرى. وإذا عاد الرجل إلى داره بعد غروب الشمس، ومعه الخضرة واللحم والخبز، تستقبله العائلة كلها بالفرح والتصفيق والأغاني والأهازيج، ويتناولون منه ما بيده من طعام، ويهرعون إلى القدر لإعداد العشاء.
ولم يكن يحضر اللحم لأهله كُل يوم، فإذا كان مبيعه اليومي رابحاً استطاع أن يشتري لحماً، وإلا فعشاء عائلته من بقايا ما كسد من خضروات حانوته. كانت تلك العائلة تسكن إلى جوار حاكم في المحكمة العليا، وكان ذلك الحاكم يعطف على تلك العائلة ويزورها بين حين وآخر. وهذا الحاكم كثيراً ما حدثني عن عائلة جاره قائلاً : "لم أرَى في حياتي عائلة سعيدة مثل هذه العائلة، ولم أرَ فرحاً غامراً كالفرح الذي يشيع في العائلة عندما يعود رجلها من عمله مساء، وكنت كثيراً ما أحب أن أعيشِ وقتاً سعيداً بينها حين يصل جاري إلى داره فتستقبله العائلة كلها بالفرح والأمان، ثم يبدأ عملها الدائب في إعداد العشاء، فإذا نضج الطعام بدئوا بتناوله من إناء كبير، فإذا انتهوا من عشائهم حمدوا الله وشكروه، وأكثروا من حمده وشكره، ثم آووا إلى فراشهم الخلق البسيط فرحين قانعين، لا يتمنون على الله غير الستر والعافية وألا يجعلهم يحتاجون إلى إنسان.
وفي يوم من أيام الخريف، كانت العائلة تنتظر رجلها مساءَ على باب الدار، فإذا بهم يرون بعض الشرطة يحملون نعشاً، فلما تبينت العائلة الأمر وجدت معيلها الوحيد هو المحمول على النعش. كان قد أغلق حانوته، وقصد القصاب فاشترى لحماً. وقصد الخباز القريب فاشترى خبزاَ، وحمل بقايا خضرته من دكانه، فلما أراد عبور الشارع دهسته سيارة طائشة، فمات الرجل فوراً، وتبعثر ما كان معه من زاد. وتجمع الجيران حول النعش، وجمعوا من سراتهم بعض المال، وأنفقوا على تجهيز الجثة الهامدة بعض ما جمعوه، وقدموا ما تبقى من مال زهيد إلى العائلة، وفي صباح اليوم التالي حملوا فقيدهم الغالي إلى مثواه الأخير وواروه في التراب. وكان أكبر أولاده في سن الخامسة عشرة، يدرس في الصف الثاني في المدرسة المتوسطة الشرقية، يعد نفسه ليكون موظفاً صغيراً بعد تخرجه من الإعدادية فيعاون أهله بمرتبه الضئيل. وبعد يومين من موت والده، نفد آخر ما جمعه الجيران من مال العائلة، وفي اليوم الثالث قصد أكبر أولاد الفقيد حانوت والده وأخذ يزاول مهنة أبيه. بدأ يعمل ليعول أمه وأخوته الصغار وعمتيه وجدته. وودع المدرسة لآخر مرة. وكان يعود كل يوم بعد غروب الشمس كما كان يفعل والده. ولكن الابتسامات غاضت إلى غير رجعة. والفرح مات إلى الأبد. وكان الطعام الذي تتناوله العائلة ممزوجاً بالدموع. لقد دفنت العائلة سعادتها مع فقيدها الحبيب.
ومرت الأيام ثقيلة بطيئة، ودار الزمن دورته، فانقضت ثلاث سنوات، ودعي الولد الكبير إلى الخدمة في الجندية بعد أن استكمل الثامنة عشرة من عمره واجتمعت العائلة تتداول الرأي، هل يترك الابن الثاني مدرسته ليتولى حانوت أبيه، وحانوت أخيه من بعده، وهو قد أصبح في الصف الرابع الإعدادي لم تبقَ له غير سنة ليتخرج من الإعدادية ؟ وإذا لم يفعل فمن يعيل أهله ؟ استقر رأي العائلة على بيع الدار، ولو أن الخروج منها كخروج الشاة من جلدها، لا يسمى إلا موتا أو سلخاَ ! والتحقَ الابن الكبير بالجندية في بلد مجاور يتدرب على استعمال السلاح، وكان معلم التدريب العسكري يلاحظه فيجد فيه ذهولاً وانصرافاً عن التدريب، فكان ينصحه تارة، ويعاقبه بالتعليم الإضافي تارة أخرى. دون جدوى لقد كان حاضرا كالغائب، أو غائباَ كالحاضر، وكان جسمه فقط مع إخوانه الجنود في التدريب، ولكن عقله كان بعيداً بعيداً هناك عند عائلته. واستدعاه ضابطه يوماً، وسأله عن مشكلته، ففتح له قلبه وأخبره بأمره، فبادله الضابط الإنسان حزناً بحزن وأسى بأسى، وكف عن ملاحقته في أمر إتقان التدريب. وعرض ضابطه مشكلته على آمر سريته، فأمر بتعيينه في مطبخ الجنود يغسل القدور، ويقطع اللحم، ويوقد النار ويوزع الطعام. أما أمه فكانت هي أيضاً حاضرة كالغائبة اقترضت بعض المال من أحد سماسرة بيع الدور لتطعم العائلة به، ورهنت سند الدار عند السمسار، وعرضت الدار للبيع. واستمر عرض الدار على الراغبين بشرائه أياماَ، وأخيراً وبعد مرور عشرين يوماً، باعت الدار بأربعمائة دينار، ثم قضت تسعة أيام في معاملات حكومية رتيبة لنقل ملكيتها إلى المالك الجديد. والموعد شهر كامل، قضت منه تسعة وعشرين يوماً في البيع ونقل ملكية الدار إلى المشتري الجديد، وبقي يوم واحد على موعد إعطاء البدل النقدي عن ولدها، وكان عليها أن تسافر إلى المدينة التي استقر فيها ولدها في الجندية مساء اليوم التاسع والعشرين، لتسلم البدل النقدي صباح اليوم الثلاثين، فإذا تأخرت عن الموعد ساعة فلن يُقبل من ابنها البدل النقدي، وعليه أن يتم خدمة العلم كاملة وهي سنتان.
وقصدت الأم مأوى السيارات التي تنقل الركاب من بلدتها إلى بلدة ولدها، فوجدت السيارات ولم تجد الركاب. كان الوقت قبيل الغروب في يوم من أيام الصيف، وانتظرت ساعة في مأوى السيارات دون أن يحضر مسافر واحد، وانتظرت على أحرّ من الجمر، وقد غابت الشمس، والمسافة بين المدينتين حوالي أربعين ومئتي كيلو متر، تقطع بالسيارات في ساعتين ونصف الساعة فإذا لم تسافر ليلاً ضاع عليها الوقت ولن تصل مدينة ولدها إلا بعد ساعات من صباح اليوم التالي. وعرضت على سائق إحدى السيارات أن تستأجر - وحدها - سيارته على أن يسافر بها فوراً، وقبض السائق أجرة سيارته كاملة من المرأة، وتحركت السيارة في طريق جبلية وعرة، وفي الطريق تحدّث السائق إلى المرأة، فعلم منها قصة بيع الدار، وقصة دفع البدل النقدي عن ولدها. وتدخل الشيطان بينهما، فلعب دوره في تخريب ضمير السائق، فعزم على تنفيذ خطة لاغتصاب المال من المرأة المسكينة. وفى إحدى منعطفات الطريق، حيث يستقر إلى جانب الطريق الأيمن واد صخري سحيق، أوقف السائق سيارته فجأة، وسحب المرأة قسراَ من السيارة إلى خارجها، وسحبها سحباً إلى مسافة عشرين متراً في الوادي السحيق، وهناك طعن المرأة بخنجره عدة طعنات، فلما تراخت وظن أنها فارقت الحياة، سلبها مالها، ثم عاد إلى سيارته تاركاً المرأة وحيدة فريدة في مكانها تنزف الدماء من جروحها، وتخبط في بركة من الدم. وقصد المدينة التي كان متجهاً إليها، فقد خشي أن يعود إلى المدينة التي خلَّفها وراءه، لئلا ينكشف أمره، إذ يعود إليها بدون مسافرين، وقبل الوقت المعقول لذهابه وإيابه وعندما وصل إلى المدينة أوى إلى مأوى السيارات، فزعم لأصحابه أن المسافرين الذين كانوا معه غادروا سيارته بعد عبور الجسر. ووجد ركاباَ ينتظرون السفر إلى البلدة التي غادرها مساءَ، فسافر بهم عائداً من نفس الطريق. وحين وصل إلى المكان الذي ارتكب فيه جريمته الشنعاء، أوقف سيارته، وأدعى لركابها الذين كانوا معه أنه يريد أن يقضي حاجته ثم يعود إليهم فوراً. وانحدر إلى الوادي السحيق، متجهاً إلى مستقر المرأة فسمع أنيناَ خافتاً صادراً من المرأة الجريح التي كانت أقرب إلى الموت منها إلى الحياةَ. وقصد المرأة السابحة ببركة من الدم، وقال لها "ملعونة ألا تزالين على قيد الحياة حمَى الآن وجمدت المرأة في مكانها، وانتظرت مزيداً من الطعنات. وانحنى السائق إلى صخرة ضخمة ليحطم بها رأس المرأة الجريح، وما كان يضع يديه تحت الصخرة إلا وصرخ صرخة مدوية هزت الوادي الصخري السحيق، ورددتها جنباته الخالية إلا من الوحوش والأفاعي والهوام، وسمعها ركاب السيارة، فهرعوا لنجدته. كاتب تحت تلك الصخرة الضخمة التي أراد السائق المجرم رفعها ليقذف بها رأس المرأة الجريح، حية سامة لدغته حين كان يهم بحمل الصخرة العاتية، فسقط إلى جانب المرأة يستغيث ويتألم. وحمل المسافرين السائق، وحملوا المرأة، وانتظروا على قارعة الطريق حتى قدمت سيارة أخرى، فاستوقفوها وطلبوا من سائقها حمل المرأة والسائق إلى المستشفى التي كانت في المدينة التي يستقر فيها ولد المرأة الجريح. وفي الطريق فارق ذلك السائق المجرم الحياة متأثراً بالسم الزعاف القاتل. وفي المستشفى، قدم الشرطة والمحققون العدليون، فعرفوا القصة كاملة، وانتزعوا مال المرأة من طيات جيوب السائق اللعين. وطلبت المرأة حضور ولدها، فحضر في الهزيع الأخير من الليل وراحت المرأة في غيبوبة عميقهَ، فظن الأطباء والممرضون أنها تعاني سكرات الموت. وعمل الطبيب على نقل الدم إليها. وفى ضحى اليوم التالي فتحت عينيهما لتقول لولدها : "ادفع البدل الّنقدي سريعاً" ثم أغمضت عينيها وراحت في سبات عميق. ودفع الولد بدله النقدي، وسرح من الجيش وتحسنت صحة أمه يوماً بعد يوم، حتى تماثلت للشفاء، حيث غادرت المستشفى إلى أهلها. وذهبت قصة نجاتها، وقصة موت السائق، وقصة الحية المنقذة، شرقاً وغرباً، وأصبح حديث الناس جميعاً ولقد كان الوادي الذي ارتكب السائق فيه جريمته، والذي قذف بين صخوره المرأة الجريح، من الوديان الموحشة الخالية من الماء والكلأ، كما كانت سفوحه منحدرة انحداراً شديداً، فلا يسلكه الناس ولا يطرقونه، حتى الرعاة لا يجدون فيه ما يفيد ماشيتهم فأصبح موطناَ آمناً للذئاب والأفاعي. وما كانت المرأة الجريح لتسلم من الموت الأكيد، لو لم يعد إليها الجاني مدفوعاً بغريزة حب الاستطلاع، وبالقوة الخفية التي هي القدر. وما كان المسافرون مع الجاني ليعرفوا موضع المرأة، لو لم يصرخ الجاني صرخة مدوية بدون شعور ولا تفكير متألماَ من لدغة الأفعى السامة، ولو لم يسقط إلى جانب المرأة، فقد كان الظلام دامساَ. وما كان ولدها ليدفع البدل النقدي لو قدمت أول سيارة غير متجهة إلى المدينة التي كان فيها. ولو أن أول سيارة قدمت من الجهة المعاكسة، لنقلت والدلَه إليها بعيداً عن مدينته التي يقضي عسكريته فيها، ولضاع الوقت المحدد لدفع البدل النقدي في قوانين التجنيد. وكان البدل النقدي في حينه مئة دينار. لقد كان ذلك كله من تدبير العلي القدير.
قال الحاكم الذي هو جار لتلك العائلة : "سمعت لقصة جارتنا كما سمعها الناس، فاشتركت مع الجيران الآخرين في جمع ثمن دارها، حي تستعيدها من صاحبها الجديد. وسمع صاحب الدار الجديد هو الآخر بقصتها، فأعاد إليها سند الدار وملكيتها. وبقي المبلغ الذي جمعه لها الجيران مع ثلاثمائة دينار من أصل ثمن الدار، فجددت بذلك المبلغ بناء الدار، وأقبل الناس على حانوت ولدها، يشترون سلعته، ويتسابقون على معاونته. وفي خلال سنة واحدة تضخم عمله، وأقبلت عليه الدنيا، فانتقل إلى حانوت كبير في شارع عام في موقع مرموق. ومرّت السنون، وفي كل عام كان في الدار بناء جديد. وتخرج الأولاد من مدارسهم واحد بعد الآخر، فأصبح أحدهم مهندساً والآخر طبيباً والثالث ضابط في الجيش ولم يعد طعامهم اليومي من الشاي والخبز أو من الخبز والخضرة، بل كان لهم لحم في كُل يوم مع ألوان شهية أخرى من الطعام، وفتح الله عليهم باب بركاته، وأغدق عليهم رعايته، وجعلهم مثالا للخلق الكريم بين الناس متعاونين في السراء والضراء. وعلى ضفاف دجلة قرب الجسر الكبير في بغداد، دار عامرة بالخير والوفاق والسعادة هي الدار الجديدة التي انتقلت إليها العائلة الصابرة المحتسبة عام (1385 هـ)، وقد تضاعف عدد العائلة فأصبحت أربع عائلات، فقد تزوج الأولاد الكبار الثلاثة وأخصبوا، ولكن رباط العائلة مازال قوياً، وأم الأولاد لا تزال سيدة البيت بدون استثارة أو إزعاج".
لقد سمعت قصة هذه العائلة من صديقي الحاكم الكبير، فأردت أن أسمعها من أحد أفرادها. وسألت الابن الكبير الذي كان خضرياً فقيرا فأصبح تاجراً كبيراَ، أن يحدثني حديث أمه، فقال : "ولماذا لا تسمع حديثها منها ؟" وكنت ذات مساء في دارهم العامرة على ضفاف دجلة أسرح النظر في انعكاس نور القمر على الماء الرائق المتدفق، وأنا أصغي إلى أهازيج ملاحي السفن الشراعية والسفن التجارية وترديد ركابها، منتظراً انقضاء صلاة الوالدة. وجاءت الأم وقد أحاطت شعرها الأبيض بغلالة بيضاء، وفي وجهها نور، وعلى قسماته ابتسامة، وعلى لسانها ذكر الله. وروت لي قصتها كاملة، فقلت لها : "وماذا كان شعورك حين تركك الجاني وحيدة لتنزف جروحك دماً في بطن الوادي السحيق ؟" فقالت والإيمان الصادق يشع من كلماتها : "كنت أخاطب الله عز وجل قائلة يا جبار السموات والأرض أنت أعلم بحالي فهيء لي بقدرتك القادرة أسباب دفع البدل النقدي عن ولدي، ليعود إلى أهله ويعينهم يا رب".
واستجاب الله دعائها وأعاد إليها مالها وولدها، وانتقم لها من خصمها، وبدل حال العائلة كلها إلى أحسن حال. تلك قصة من الواقع ولكن حوادثها أغرب من الخيال وسيقول بعض الناس : أن ما حدث صدفة وليقل هؤلاء ما يقولون ولكنني لا أشك في أن ما حدث من تدبير العلي القدير فليس من المعقول أن يحدث كل ذلك صدفة ولو أراد الإنسان أن يوقت حوادث هذه القصة مثل هذا التوقيت الدقيق، لعجز. إن الناس يغفلون وينامون، والله وحده لا يغفل ولا ينام، وما من دابة إلا على الله رزقها. والله لا ينسى رزق النملة في الصخرة القاسية وسط عباب المحيط، فكيف ينسى أرزاق الأرامل واليتامى ! والناس يخشون الناس، والله أحق أن يخشوه. والله يمهل ولكن لا يهمل. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
image بطاقة شكر وتقدير : للإخوة الأعزاء والأشقاء الأوفياء.
 0  0  1537