• ×

01:59 مساءً , الخميس 5 ذو الحجة 1439 / 16 أغسطس 2018



◄ كيف نثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القرآن من عند الله ؟
في الماضي كان علماء الدين المسلمين يلجئون إلى الاقتباس من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف لإثبات الأصل الإلهي للقرآن وتبيان الإعجاز القرآني في مختلف الجوانب.
وفي القرنين الماضيين أخذ علماء المسلمين يستشهدون بكثير من الحقائق العلمية المكتشفة حديثاً والتي أشار إليها القرآن، مثل كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس وكذلك دوران الكواكب في أفلاكها وحركة الرياح والبحار لإثبات أن القرآن هو من عند الله وليس من صنع البشر.
ومع أننا لا نستطيع الانتقاص من هذه الأساليب إلا أن انتشار وسائل الاتصال الحديثة مثل الإنترنت والفضائيات يحتم علينا أن نفكر بأساليب منطقية صرفة لإثبات أن القرآن الكريم هو حقاً من عند الله ولا يمكن أبداً أن يكون من صنع بشر.
أقول "أساليب منطقية" لأننا لم نعد نخاطب جمهوراً متجانساً بل أصبحنا نخاطب العالم من أقصاه إلى أقصاه بمسلميه وغير مسلميه, بحيث لم تعد الأساليب التقليدية كافية لإقناع الناس بأن كتاب الله هو فعلا كتاب الله.

● ثلاثة احتمالات منطقية :
هناك ثلاثة احتمالات منطقية لا رابع لها تتصل بمصدر وأصل القرآن الكريم :
♦ الاحتمال الأول هو أن العرب هم من ألف القرآن الكريم, وهذا الاحتمال بمكن تفنيده بسهولة ويسر لأن العرب الذين عاصروا النبي الكريم كانوا سيواجهونه بهذا الأمر لو أنهم هم من ألف القرآن, لكن عربياً واحداً لم يدع أنه ألف ولو أية واحدة من القرآن. وقد تحدى القرآن العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان أن يأتوا بسورة من مثله فلم يقبلوا التحدي قال تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة : 23).
وقد وصف الوليد بن المغيرة وهو من أعدى أعداء الإسلام القرآن الكريم حيث قال "والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته ووالله ما هو بقول البشر".
لقد اعتنى العرب بلغتهم كما لم تعتني أمة أخرى على وجه الأرض بلغتها, فهم أصحاب المعلقات ومنهم أمرؤ القيس والنابغة الذبياني وزهير ولبيد وطرفة بن العبد فهم أهل اللغة والبيان كابرا عن كابر. وكلنا يعرف قصة الوليد بن المغيرة المذكور آنفا الذي استمع لبعض الآيات القرآنية فأغشي عليه لهول ما سمع.
كان العرب على هامش الحضارة مقارنة بالأمم الاخرى مثل الفرس والروم ويكفي ان نذكر أنهم أي العرب كانوا يصنعون إله صنما من التمر يعبدونه في الصباح حتى إذا جاعوا مساء أكلوا ذاك الإله ؟ فهل أمة على هذا المستوى المعرفي قادرة على إنتاج كتاب محكم كالقرآن الكريم كله إعجاز في إعجاز ؟
قد يقول قائل إن عبدة البقر والفئران والأصنام الحجرية والتماثل تفوقوا في الاختراعات العلمية. ونرد على هؤلاء بالقول أن هذا التقدم حصل فقط في العصور الحديثة عندما أخذ هؤلاء بأسباب التقدم العلمي علما بأن القرآن هو أولا وأخيرا كتاب هداية وليس كتاب فلك أو كتاب جيولوجيا, والهداية ليس لها علاقة بالمستوى العلمي فكم من بروفسور في العلوم التطبيقية نشاهده يسجد أمام تمثال بوذا أو أمام البقرة المقدسة قبل ذهابه إلى الجامعة أو مركز البحوث !
على أية حال لا يوجد احتمال ولو واحد في المليون بأن العرب هم الذين ألفوا القرآن الكريم علما أنه لا يظهر مفكر أو عالم يستحق اللقب في الماضي أو الحاضر ادعى ان القرآن من صنع العرب (فهذا الاحتمال غير قائم أصلاً).

♦ أما الاحتمال الثاني فهو أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي ألف القرآن. وهذا الاحتمال أضعف من الاحتمال السابق للأسباب التالية :
• أولاً : إن الاختلاف بين القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف الذي هو كلام النبي يظهر بما لا يدع مجال للشك أن مؤلف القرآن ومؤلف الحديث لا يمكن أن يكون هو نفسه فالاختلافات الصارخة بين القرآن والحديث من حيث اللغة والأسلوب وبناء والمفردات والجمل لا تترك مجالا لأية افتراضات تزعم أن مؤلف القرآن هو نفسه مؤلف الحديث.
وللقارئ غير العربي وغير المسلم نقول إن الفرق بين اسلوب الحديث النبوي الشريف وأسلوب القرآن الكريم هو مثل الفرق بين مقطوعة أدبية أو شعرية لوليم شكسبير أو شوسر أو جون ملتون من جهة وبين مقالة أو تعليق صحفي في صحيفة الواشنطن بوست أو الديلي تلغراف. نقول ذلك على سبيل المقاربة ولله المثل الأعلى.
• ثانياً : إن السؤال البديهي الذي يخطر على البال في هذا المقام هو كيف لرجل أمي كان يرعى الغنم وعاش في مجتمع جاهلي متخلف ان يؤلف كتاباً محكماً يغطي وينظم كل جوانب الحياة الإنسانية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية والروحية والنفسية وغيرها ؟
• ثالثاً : لقد عاش الرسول صلى الله عليه في مجتمع جاهلي مستواه المعرفي لا يزيد كثيراً عن الصفر. فكيف تأتى له أن يعرف أن الجبال والأرض تدور بسرعة كبيرة بينما تبدو لنا ثابتة قال تعالى : (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل : 88), وكيف تأتى له أن يعرف ان نسبة الأكسجين تقل كلما صعد الإنسان في السماء قال تعالى : (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام : 125) فهل صعد الرسول بطائرة او سفينة فضائية الى السماء وعرف أننا كلما صعدنا عالياً فإن نسبة الأكسجين تنخفض، حتى نصل إلى منطقة ينعدم فيها الأكسجين! مما يؤدي إلى انقباض عضلات الصدر ثم الموت ؟
وكيف تأتى له ان يعرف أن الإنسان يفقد الإحساس إذا احترق جلده قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء : 56) وكيف .. وكيف .. وكيف ..؟ إن عدم التعامل بصورة جدية مع هذه الأسئلة والتساؤلات المنطقية يعتبر مكابرة بل هروبا من الموضوعية، قال تغالى : (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (النمل : 64).
هذه أدلة دامغة تثبت أن القرآن ليس من صنع النبي محمد علما بأن هناك مئات الأدلة المنطقية الأخرى التي يضيق بها هذا المقال.

♦ أمر أخر : في القرآن الأخير سورة صغيرة هي سورة "اللهب" التي تقول إن أبا لهب الذي كان من أشد اعداء الإسلام سيموت كافراً. وبالقعل عاش أبو لهب أكثر من سبع سنين بعد نزول هذه السورة وكان بإمكانه أن يهدم الإسلام في دقيقة واحدة بإعلان إسلامه وإثبات خطأ القرآن الذي ذكر أنه سيموت كافراً ويذهب إلى جهنم.
خلاصة الأمر هو أن التحليل العلمي المنطقي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك هو أن مصدر القرآن الكرب هو لله سبحانه وتعالى.
وصدق الله العظيم إذ يقول : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء : 82).
■ بقلم المفكر الإسلامي والصحفي خالد عمايرة - فلسطين المحتلة.
 0  0  1190
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:59 مساءً الخميس 5 ذو الحجة 1439 / 16 أغسطس 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.