• ×

08:27 صباحًا , الجمعة 8 ربيع الأول 1440 / 16 نوفمبر 2018



◄ فوراً : إلغاء جهاز الحسبة .. لماذا ؟
تردّدتُ كثيراً في اختيار هذا العنوان الذي تداعى إلى ذهني حتى وقت طرح هذا المقال، وآثرت أن يكون كالومضة الخاطفة واللفتة المثيرة رغبة في قراءته علّه يلامس جانباً هامّاً أثار جدلاً واسعاً لدى عددٍ من المثقّفين والكتّاب ومختلف شرائح المجتمع بين مؤيدٍ ومعارضٍ عبر وسائل الإعلام حول هذا المرفق الحكومي الذي يحمل اسماً عظيماً، ويُعَدُّ من أهم مقوِّمات صلاح المجتمع وسلامته وشعيرة من شعائر الإسلام (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
لاشك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أمر ربّاني، فقال جلّ في علاه : (ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران : 104)، وروي عن حذيفة بن اليمان أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : (والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثمّ تدعونه فلا يستجاب لكم) حسّنه الألباني في صحيح الجامع، فهذا يدلّ على عظم مكانتها وفضل منزلتها وضرورة إقامتها لكلِ أمّةٍ أرادت أن تكون خير الأمم واختارت رفعتها وعلوّ قدرها ورضا ربّها وإن أعرضت عنها فهي موعودة بالعذاب في الدنيا والآخرة وحلّت عليها نقمة الله وسخطه.

رغم فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أنّ هناك رفضاً من بعض أبناء المجتمع وسهاماً موجعة توجّه صوب الجهاز الحكومي القائم بشئونها ،ويعمل تحت مظلّتها، وحيال ذلك نحن نتساءل : لماذا يشنّ كثير من أطياف المجتمع ومثقّفيه هجوماً شرساً على هذه الدائرة الحكوميّة ؟ وما الغرض من ذلك ؟ ولماذا المطالبات بإلغاء جهاز الهيئة ؟ وهل هناك أدواراً ومهامّاً محدّدة لرجال الهيئة ؟ وما الخدمة التي تقدِّمها الهيئة للوطن ؟ وهل يمكن الاستغناء عنها من خلال إسنادها أو دمجها إلى جهاز الشرطة أو وزارة الداخليّة ؟
إنّ جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إخواني الكرام لم يُقَرّ منذ تأسيسه عبثاً ومصادفةً، ولم ينشأ من فراغ، ولم يكن منذ أن بدأ عمله مجرّد شعاراً للدين، وإنّما أقرّته الدولة إيماناً منها بأنّه يمثل أحد أبرز الدعائم الرئيسة والركائز الأصيلة لقيامها وواجب شرعي متعيّن، بأمر الله سبحانه وتعالى للنصوص الواردة فيه، واستشعاراً بأهميّة ضبط العمل الاحتسابي تجنُّباً للفوضى، وضرورته في صلاح الأمّة واستمراريّتها وفق ثوابت الدين التي تأسّست لحمايتها وصيانتها ومحاربة أهل البدع والضلالات الفاسدة والمعتقدات الخاطئة، وبالأخص في زماننا المعاصر نظراً لاتساع رقعة الوطن وتكالب أعداء الدين والملّة وتربّص الحاقدين، ونشر شعيرتها تحقيقاً لمقاصد الشريعة في المحافظة على الأخلاق الحميدة والقيم الإسلاميّة والآداب العامّة ممّا دعت حاجة المجتمع إليها.

إنّنا نسمع اليوم في كثير من مجالسنا ومنتدياتنا وملتقياتنا وعبر الصحف ووسائل الإعلام الأخرى انتقادات لاذعة لرجال الهيئة من الأخطاء التي ترتكب من قبلهم والتي تكمن في مجملها كالتدخُّل في الحريّات الشخصيّة للناس وتتبُّع سوءاتهم وملاحقتهم وفظاظة وغلاظة البعض منهم في طريقة تعاملهم وسطوتهم مع المخطئين أو الجانحين وأسلوب التشهير أمام الناس، والتجسُّس أو التلصُّص وغيرها من الأخطاء والتجاوزات أو التصرُّفات التي لا يمكن نفيها أو إنكارها عموماً، وإن كنت أرى أنّها لا تُقْبَل بأي حالٍ من الأحوال وهي مرفوضة ويجب محاسبة ومعاقبة كل من أخطأ وتسبّب في خدش أو جرح مشاعر الآخرين والتعريض بهم أو الاعتداء عليهم بأي أسلوبٍ كان دون وجه حق؛ لأنّنا في حقيقة الأمر نحسب رجالها حرّاساً للفضيلة ودعاةً لهذه الشعيرة وهم حماتها ودرعها الحصين، ولكنّنا في المقابل لا يمكن رفعهم إلى منزلة العصمة وتبرير اجتهاداتهم الخاطئة وعدم نقدهم، والدفاع عنهم وكأنّهم لا يخطئون؛ كما أنّه من الظلم التجنّي على جميع منسوبيه وإدانتهم بارتكاب أخطاء أفراد منهم وأنّها متعمّدة ومقصودة، ووصمهم بالتهم الباطلة والتشفّي منهم والتعرُّض بهم في أخلاقيّاتهم ونزاهتهم والنيل منهم بأقبح الصفات؛ فخطأ أحدهم لا يُعمّم على الجميع، وهم بشرٌ وأبناء جلدتنا ومنّا والخطأ واردٌ منهم وليسوا معصومين، وتقع منهم الخطيئة والزلات التي إن ثبتت فيجب أن يطالهم العقاب والحساب من جهاتهم ومرجعيّاتهم المسئولة؛ لأنّهم في نهاية الأمر هم موظّفون تابعون لها، وقد رأينا فعلاً رجال هيئة أحيلوا للتحقيق والمساءلة والبعض منهم تمّ إيقافهم ومنعهم، والمؤسف عندما نكتشف معلومات مغلوطة نالت بعضاً من منسوبيها ووجِّهت أصابع الاتهام للجهاز في أحداث وقعت وأشيع عنها في الصحف ولاكتها الألسن وتداولها الكتّاب واتضح فيما بعد عدم صحّتها ودقّتها دون أن يكلِّفوا أنفسهم عناء البحث وتحرّي الحقيقة بنزاهة ومصداقيّة؛ في حين نجد منهم من ينتقد بحدّة ويرى تدخُّل أعضاء الهيئة في الحرّيات الشخصيّة والتلصُّص والتتبُّع فهم ينظرون للأمر من منظارهم وفي حدود فكرهم ومقياسهم ومن زاوية رأيهم ربّما استناداً من فهمهم لبعض أحكام الدين كالتجسُّس، ولكنّهم نَسَوا مقتضى الشرع ولوازم الضرورة بما يباح من خلال آراء أهل العلم ورجال الدين؛ كما نَسَوا أنّ موظّفي الهيئة يعملون بعلم ولي الأمر ومخوّلون بمهامٍ وصلاحيّاتٍ وفقاً لنظام أقرّه حاكم البلاد تتماشى مع تعاليم الشريعة الإسلاميّة وتصبّ في مصلحة الأمّة ونفعها وحمايتها من أشقياء الأنس وربائب الشيطان.
أمّا الاعتداءات على النفس والإيقاف أو الترصّد والتفتيش كبيوت الدعارة والفجور أيظنّ أحدنا أنّ ذلك يتمّ عبثاً هكذا أيعقل أن يكون بلا غرضٍ أو سببٍ موجبٍ ودون أن يكون هناك بلاغات وتنسيقات أمنيّة وترتيباتٍ مع جهاتٍ أخرى، وكم شاهدنا من حالاتٍ في الأسواق وأماكن ارتياد الناس كتقليعات بعض الشباب الدخيلة على مجتمعنا التي لا تليق به والخادشة للحياء والذوق العام أو إيذاء المتسوّقين والتحرُّشات من الشباب والفتيات،وتطاول المخالفين بالشتم والسبّ والمقاومة العنيفة على رجال الهيئة لا لشيء إلا لأنّهم استوقفوهم أو منعوهم من ممارسات خاطئة، وكيف سيكون الحال لو تُرِكوا ؟ فمن يردعهم ويؤدِّبهم ؟ وهنا أتساءل كيف يكون النهي عن المنكر وصدّه عن إيذاء وضرر المسلمين والمسالمين، ولماذا تُغَيّب الجزئيّة الأخرى من فضيلة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فلماذا يُكتفى فقط بالنهي عن المنكر ويُغضُّ الطرف عن الأمر بالمعروف وخصوصاً لمن يطالب بإلغاء الهيئة أو دمجها مع دوائر حكوميّةٍ أخرى؛ إذن فمن يقوم بدور إرشاد الناس ودعوتهم ونصحهم؛ فليس من المنطق أن يقوم بها جهاز كالشرطة أو البلديّات أو الصحّة والتعليم أو أي جهةٍ أخرى فجميع الأجهزة الحكوميّة تكمل بعضها بعضاً وتتعاون فيما بينها وربّما تشترك في تنفيذ بعض المهام إذا لزم الأمر؛ فيكفيها ما لديها من مهامٍ ومسئوليّاتٍ؛ فجهاز الهيئة يؤدّي وظائف أمنيّة وتوعويّة وإرشاديّة في نفس الوقت يصعب فصلها في قضايا ومواقف اجتماعيّة كثيرة.
ونحن نتساءل : لماذا التركيز دائماً على جهاز الهيئة ونشر عثراتها دون غيرها من الجهات الأخرى وكأنّ تلك الأجهزة ليس بها أخطاء فهناك مرافق حكوميّة تقع منها أخطاءً فادحة وكارثيّة كالأخطاء الطبيّة في المستشفيات فهل يُعْقَل أن نطالب بإلغاء الصحّة، ومشاكل تصريف مياه السيول والصرف الصحّي في أمانات المدن فهل نطالب بإلغائها، والإسكان ودوره في عدم تأمين السكن للمواطن حتى كتابة المقال، والقائمة تطول إذا ما تتبّعنا بقيّة الجهات الحكوميّة ومشاكلها.

والأهمّ من ذلك كيف يغيب عن بالنا دور جهاز الهيئة الكبير والجليل في خدمة الأمّة والوطن في كشف كثير من جرائم الوافدين والمخالفين الذين لا خلاق لهم ولا دين، فكم من مروِّجين للمخدِّرات قُبض عليهم، وكم من أوكارٍ للدعارة داهموها، وكم من عصابات الخزي والعار أوقعوها، وكم من فاسدٍ ومجرمٍ بيّنوا أمره، وكم من دجّالٍ وساحرٍ أبطلوه، وكم من فتياتٍ مغرّرٍ بهم أنقذوهم وحفظوا عرضهم وكرامتهم، وكم من أسرٍ مكلومةٍ ستروها، وكم من شابٍّ ضالٍّ ردّوه إلى الحق والصواب، وكم من مصانع ومتاجر للخمور أغلقوها، وكم من أعمالٍ رذيلةٍ مشينةٍ حاربوها؛ إنّ هذه الجهود من رجال الهيئة لا يمكن إغفالها ومن الظلم التغاضي عنها؛ فلماذا تضيع بحر حسناتهم وإنجازاتهم المشرِّفة في خضمّ قلّة عيوبهم وأخطائهم ؟ ثمّ لماذا نحمِّل هذه المؤسّسة أو الرئاسة العامّة للهيئة أخطاء بعض منسوبيها؛ فلا يمكن لهذه المآخذ أن تُمثّل النظام بكامله وإنّما تُمثل سلوكيّات أصحابها المخطئين المنسوبين لها بسبب تهوّرهم واستعجالهم وعدم الحكمة والتروّي رغم أنّهم يشكون قلّة الحوافز وضعف الإمكانيّات وقلّة الكوادر وما يتعرّضون له من أخطارٍ مخيفةٍ وعملٍ مضنٍ حتى خارج دوامهم وفواجع مؤلمة ويضحّون بأنفسهم من أجل حماية مجتمعهم وهم بمشيئة الله محتسبون الأجر من الله.

وأمّا أولئك المتربِّصين من أصحاب الهوى والشهوات والمغرضين فلن نتعرّض لسقطاتهم المخجلة فهي أهون من أن تُذْكَر وقد أُشْبعت بالرد من مختلف فئات وشرائح المجتمع، ولكنّي أتعجّب من الذين يطالبون بإلغاء جهاز الهيئة فوراً دون أن يقدِّموا دليلاً موضوعيّاً أو منطقيّاً أو بحثاً علميّاً من خلال إجراء مسح ميداني إحصائيّ لمعرفة رغبة أفراد مجتمعنا السعودي حول هذا الجهاز أو حلاً مثمراً للكوارث التي تعصف بالمجتمع ليل نهار أو أن يكون لديهم مشروعاً وطنيّاً بديلاً نافعاً يخدم بلادهم؛ فكان الأحرى بهم توجيه النصيحة وتصحيح المسار بإقامة الحجّة والنقد الهادف البنّاء، ونحن الآن في هذه الظروف وتكالب أعداء الدين والمتآمرين على بلاد الحرمين أحوج ما نكون اليوم إلى دعم ومساندة هذا المرفق الخدمي والأمني لبذل المزيد من العطاء والتضحية وتغليب مصلحة الوطن العليا حماية له من المخاطر المحدقة.

■ وأعتذر إليك أخي القارئ الكريم :
فليس لي وصاية عليهم ولستُ مخوّلاً بالحديث عنهم أو مدافعاً لهم ولستُ موظّفاً بها، وإنّما انطلاقاً من وازع الدين والحس الوطني وإحقاق الحق والإنصاف ودافع الغيرة لأبناء الأمّة ورغبة في نشر الخير في ربوع بلادنا ودحر الباطل، لذا فإنّنا نُقدِّمُ بعضاً من التوصيات المقترحة التي نرجو أن تصل للمعنيّين في الرئاسة العامّة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يلي :
1ـ المسارعة في تطوير وتحديث آليّات العمل في جهاز الهيئة لمواكبة المستجدّات المعاصرة، وتحديد مهامّاً ومسئوليّات وواجبات واضحة وصلاحيّات محدّدة لكل مسئولٍ فيها.
2ـ تعيين كوادر مؤهّلة علميّاً ودينيّاً من ذوي الكفاءات المتميّزة القادرة على التعامل مع الجمهور ونشر الوعي الديني.
3ـ توعية المجتمع وتثقيفه بأهميّة فضيلة الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودور رجال الحسبة في خدمة الأمّة.
4ـ إقامة دورات وبرامج تدريبيّة متخصِّصة لرجال الهيئة في مجال الدعوة بالحسنى وأساليب المناصحة والتوجيه والإصلاح، والتعامل مع الناس.
5ـ دعم رجال الهيئة ماديّاً ومعنويّاً وتوفير كوادر كافية لتغطية النقص في بعض المراكز والمقارّ بالمدن والمحافظات.
6ـ إبراز رقم موحّد عبر وسائل الإعلام المختلفة لتلقّي البلاغات أو الشكاوى والاعتراضات من الناس حول أي مشكلة تواجههم.

■ وقبل الختام :
نوجِّه كلمةً لكلّ مواطن أو مقيم إلى أنّ هذا الجهاز لم يُنْشأ إلا لخدمتهم وراحتهم وحفاظاً على أمنهم وسلامتهم وردعاً لأهل الفساد والشر، ولْنَكنْ عوناً لهم بعد الله في أداء عملهم، ولْنَعلمْ جميعاً أنّ ترك هذه الشعيرة وإهمالها أو إلغائها يَفْتحُ باباً عريضاً للجهل والبدع والسحر والخرافات، وإهمال الصلوات، وإتّباع الشهوات، ولْنَعلَمْ أنّ المنكر إذا أُعْلِن في أمّةٍ ولم يجد من يَقفُ في طريقه فإنّ شوكته تَقْوَى ويكثر الخبث ويعمّ الفساد، وعندئذ يحلُّ وعد الله بالأمّة العذاب والهلاك.

كما أذكِّر إخواني منسوبي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتقوى الله سبحانه وتعالى، والصبر والتحمُّل على أداء رسالتهم السامية، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة وحسن التعامل والحكمة، ويجعلوا همّهم الإصلاح والدعوة إلى الله بالحسنى والستر على إخوانهم المسلمين، والعمل على دفع المنكر قبل وقوعه، فهم حماة للدين وعلى ثغر من ثغور المسلمين، ولهم الأجر العظيم والفوز الكبير والنصر المبين، ونسأله تعالى أن يحفظنا وبلادنا من شر الأشرار وكيد الفجّار وشر طوارق الليل والنهار، وأدم الأمن والأمان والاستقرار على وطننا الحبيب.
هذا والله من وراء القصد.
 0  0  2481
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:27 صباحًا الجمعة 8 ربيع الأول 1440 / 16 نوفمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.