• ×

07:26 صباحًا , الجمعة 7 ذو القعدة 1439 / 20 يوليو 2018



◄ ولماذا لا يدرِّسون ؟
نعني في مقالنا هذا أولئك المعلِّمين من شاغلي الوظائف التعليميّة الذين يمارسون العمل الإداري والمفرّغين كليّاً عن التدريس سواءً داخل مدارس التعليم العام أو في الإدارات التعليميّة على اختلاف تخصُّصاتهم ومجالاتهم من مشرفين تربويّين أو مديري مدارس ووكلاء أو روّاد نشاط ومرشدين طلابيّين وأمناء مصادر تعلُّم ومن هم في حكمهم، وحيال ذلك فإنّنا نطرح بعضاّ من التساؤلات : هل أولئك المعلِّمين الذين رشِّحوا لأعمال إداريّة وابتعدوا عن مزاولة مهنة التدريس قد تمّ تكليفهم لفترة معيّنة ؟ وإلى متى، وما أقصى حد للتكليف بالأعمال الإداريّة التي كلِّفوا بها ؟ وهل هناك تدويراً وظيفيّاً لشاغلي الوظائف التعليميّة ؟ ولعلّنا نكتفي بالإشارة إلى هذه التساؤلات كي نقف على مناقشتها طبقاً لما هو موجود على أرض الواقع.
من المعلوم أنّ المعلِّمين الذين يلتحقون بأعمال إداريّة بعيداً عن التدريس الذي هو أساس عمل المعلِّم يعلمون جيّداً أنّهم قد انتقلوا إلى مرحلة أخرى جديدة ولن يعودوا إلى الفصل وتدريس الطلاب، لأنّ حاجة الميدان تتطلّب تلك الأعمال الإداريّة ولا يمكن الاستغناء عنها ويُفضّل القيام بها في كثير منها من التربويّين ذوي الخبرة والكفاءة سواءً على نطاق المدرسة أو الإدارة التعليميّة وهو حق مشروع للجميع ولا ضير في ذلك، وهناك ضوابط وشروط لكل متقدِّم لأي عمل إداري وهي متاحة لمن تنطبق عليه هذه الشروط طالما مبدأ العدالة والمساواة يخضع له الجميع وهي ظاهرة صحيّة لأي مجتمع حضاري يسعى للنجاح والتقدُّم.
وأمّا التدوير الوظيفي من موقع لموقع آخر سواءً كان رأسيّاً أو أفقيّاً لا شك أنّه مفيد من حيث إكساب الموظّف مهارات ومعارف جديدة، والاستفادة من الطاقات والمواهب في مختلف مجالات التطوير، وسدّ حاجة الإدارة من الشواغر المتاحة إلى غير ذلك من محاسن التدوير والتغيير الإيجابي الهادف الذي يحقِّق المصلحة التربويّة والتعليميّة؛ فإذا ما تتبّعنا حالة التدوير الشائعة لدينا في إداراتنا التعليميّة عموماً نجدها تسير في مستوى أفقي وتصاعدي للأسماء ذاتها والشخصيّات نفسها في غالبيّتها؛ الأمر الذي يجعلها حكرٌ عليهم، كما يقلِّل من فرص المنافسة لدى الآخرين من الكوادر المؤهّلة ذوي الخبرة والكفاءة، ويحدّ من استقطابهم والاستفادة من طاقاتهم وتحقيق رغباتهم.
وعادة تصدر التكليفات في هذه الأعمال الجديدة للمعلِّمين بدايةً تكون لمدّة عام دراسي قابلة للتجديد ويستمر التجديد إلى سنواتٍ طويلة حتى فقدوا وأضاعوا كثيراً من معلومات تخصّصاتهم وهكذا إلى أن يحين موعد تقاعدهم أو ينتقلون إلى أعمال أخرى إداريّة وقد يترقّى أحدهم إلى مواقع أعلى، ولا يكون إنهاء التكليفات والعودة للتدريس إلا إذا أعفي المعلِّم لأسباب تتعلّق بجوانب التقصير في مهامّ عمله أو ارتكابه مخالفات تخل بنظام العمل، وقد يعفى بناءً على رغبته، وأجدني متسائلاً : لماذا لا تكون هناك فترة زمنيّة محدّدة لأي تكليفات قد تصل إلى أربع أو خمس أو ست سنوات كحدٍ أقصى لكلِّ معلِّم يمارس أي مهمّة غير التدريس وقد يبقى في عمله إن كان منتجاً ولديه مشاريع إبداعيّة وبرامج تعليميّة تسهم في تنمية البيئة المدرسيّة أو يعاد إلى عمله الأصلي، وإنّي أتعجّب عندما يتصوّر الكثير منهم أنّ في إعادتهم وتحويلهم للتدريس إهانة لهم أو تقليلاً من شأنهم وقيمتهم وعيباً في حقّهم وكسراً لكبريائهم المعنويّة، وهل يمكن أن نفسِّر ذلك بأنّ لديهم ضعفاً في المستوى العلمي والمهني والتربوي أم هو هروباً من تحمّل مسؤوليّات وواجبات التدريس وتبعاته، وإلى متى ستستمر نظرتنا الدونيّة إذا ما عدنا للفصل والطالب على أنّه هدراً لكرامتنا وخدشاً لمكانتنا، ولا غرابة في ذلك فقد أضحت اليوم مهنة التدريس تُتّخذ على أنّها عقوبة لكل مقصِّر أو متهاون.
وكما نعلم بطبيعة الحال أنّ هناك عُرْفاً سائداً لدى أعضاء هيئة التدريس في التعليم الجامعي بأنّهم يباشرون عمليّة التدريس حتى وإن كانوا على رأس أعمال قياديّة كرئيس قسم أو عميد كليّة أو مساعد عميد أو أي عمل آخر إداري أو أكاديمي وإذا انتهت فترة تكليفهم يعودون إلى طبيعة عملهم الأصلي دون أي شعور بالتسخّط أو التبرّم؛ في حين نجد عجزاً في مدارسنا ونقصاً في عدد المعلِّمين لكثير من التخصّصات، ولا يتم سدّه من خلال تكليف شاغلي الوظائف التعليميّة من المعلِّمين الذين يزاولون مهامّاً إداريّة بالتدريس جزئيّاً لعدد من الحصص الدراسيّة في مجال تخصّصاتهم العلميّة التي بذلوا فيها جهوداً مضنية أثناء دراستهم الجامعيّة؛ فلماذا لا يعالج الوضع القائم بتلك الكوادر رغبةً في إحداث نقلة نوعيّة تطويريّة والنهوض بالعمليّة التعليميّة والتربويّة عن طريق إشراك المشرفين التربويّين ومديري ووكلاء المدارس والمعلِّمين الإداريّين في المدرسة ودمجهم ضمن بيئة العمل المدرسيّة، ولتحقيق مزيداً من التعاون المشترك من خلال الزيارات المتبادلة عن قرب، والتعرّف على أساليب واستراتيجيّات التدريس الحديثة كنوع من التطبيق الفعلي المشاهد في المدرسة، وإكساب زملائهم في الميدان الخبرات التعليميّة والمهارات العمليّة والممارسات التربويّة ذات الأثر الإيجابي؛ إضافة إلى دعم وتعزيز المدارس بالكفاءات المتميّزة والعناصر المبدعة وتحسين مستوى أداء المعلِّمين، والحدّ من الصعوبات والعقبات التي تواجه المسيرة التعليميّة في المدارس، وتخفيف الأعباء المدرسيّة على المعلِّمين، وحفظاً لمعلوماتهم العلميّة واستحضارها بشكلٍ دائم في مجال تخصُّصاتهم كي لا يطويها النسيان إلى غير ذلك من الفوائد التي يجنيها الميدان التربوي.

لذا، يحدونا الأمل في إعادة النظر ودراسة الواقع الحالي، وذلك سعياً في تلبية حاجة الميدان وتطوير بيئة التعلُّم ونهضتها وفقاً للأهداف العليا المرجوّة؛ فإنّنا نقدِّم بعضاً من التوصيات المقترحة التي نرجو أن تكون محل اهتمام وحرص من أصحاب الشأن والمسئولين في التعليم، كما يلي :
1ـ دراسة آليّة نظام التدوير الوظيفي أفقيّاً ورأسيّاً بما يخدم المصلحة التعليميّة لجميع المعلِّمين المفرّغين للعمل الإداري والإشرافي بحيث يتمّ التكليف لمدّة (4) أربع سنوات قابلة للتجديد وينتهي بانتهاء مدّته المحدّدة نظاماً، وذلك تجديداً للدماء وضخاً للكوادر العاملة وبثاً لروح التنافس الشريف وتبادل الخبرات وتنوّعها وزيادة فرص الإنتاج وتعزيز جانب الرضا الوظيفي بين جميع عناصر المنظومة التعليميّة.
2ـ إعادة دراسة مهام وأعمال المكلّفين بالعمل الإداري والإشرافي وتوصيفها وتقنينها وتحديد المسؤوليّات بما يناسب مجال التخصّص ووضع معايير وعناصر تقييم دقيقة لقياس مستوى الأداء لجميع المعلِّمين الإداريّين.
3ـ إسناد عمل التدريس للمعلِّمين المكلّفين بأعمال إداريّة أو إشرافيّة بألا يزيد عن (8) ثمان حصص في الأسبوع، ويتوقّف تقدير التفرّغ كلِّياً أو جزئيّاً بناءً على ضوابط معيّنة وفقاً لحاجة الميدان والمصلحة التعليميّة ومستوى الأداء والإنجاز وحجم وطبيعة العمل المكلّف به المعلِّم.
4ـ تقديم الدعم المعنوي والمادّي لجميع الكوادر البشريّة من شاغلي الوظائف التعليميّة الذين يمارسون العمل الإداري والإشرافي تحفيزاً لهم لبذل المزيد من العطاء والجهد.

وختاماً : فإنّي عبْر هذا المنبر الإعلامي أذكِّر نفسي وزملائي حاملي مشعل التعليم ممّن كلِّفوا بأعمال غير التدريس، أنْ يتّقوا الله تعالى، ويضعوا نصب أعينهم أنّهم أصحاب رسالة وهداية، ولْيَعلموا أنّ مسمّى وظيفتهم هي "معلِّم" مهما تغيّرت أعمالهم واختلفت مواقعهم وتنوّعت مجالات مهامّهم؛ فلا يظنّوا أنّهم قد تجاوزوا مرحلة التدريس واعتلوها منزلة بلا رجعة، ولْيَعلموا أنّ لهم الشرف بحملها والظفر بها؛ فتعليم الأبناء بإخلاصٍ وتفانٍ هو عزّ الوطن وتقدّمه وفخر الأمّة ورقيّها، ولا يزيد المعلِّم إلا رفعة لمقامه عند ملك الملوك وأجراً مضاعفاً وبركة في المال والأهل.
هذا والله من وراء القصد
 0  0  1254
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:26 صباحًا الجمعة 7 ذو القعدة 1439 / 20 يوليو 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.