قصة : بر الوالدين

د. محمد عبدالرحمن هريس.
3085 مشاهدة
قصة : بر الوالدين.
■ في يوم من الأيام أراد رجل فلسطيني كبير في السن، أن يجدد حراثة أرض منزل له في مناطق القرى الفلسطينية، ليزرع فيها الفجل، فتذكر ابنه الوحيد التي اعتقلته القوات الإسرائيلية منذ وقت قصير. كان مساعدا لأبيه في زراعة الأرض أما في الوقت الحاضر فهو يعيش وحيداً ومعتقلاً.
فما كان للأب إلا أنه كتب رسالة لابنه الوحيد، يعبر فيها عن حبه وشوقه في رؤيته، وتمنيه أن يكون بجانبه ليعاونه في زراعة الأرض، بعد أيام قليلة تلقى الأب رسالة من ابنه، لكي يحذره فيها من أن يحفر أرض المنزل، لأنه دفن أسلحة له فيها.
بعد ثلاثة أيام، هجم الجنود الإسرائيليين منزل هذا العجوز، واتجهوا نحو الأرض وقاموا بحفرها للبحث عن الأسلحة، التي جاء ذكرها في رسالة الابن لأبيه، ولكن لم يكن أي شيء في الأرض فخرجوا من المنزل.
بعد عدة أيام استلم الشيخ رسالة أخرى من ابنه وكان كاتباً له فيها الآن يمكنك يا أبي أن تزرع الفجل لأني كتبت في الرسالة هكذا لكي يأتوا ويقلبوا الأرض وهكذا انأ ساعدك في حراثة الأرض هذا أكثر شيء يمكنني أن أساعدك فيه فأرجو أن ترضى عني وإن شاء الله أساعدك في حراثة الأرض العام المقبل حظاً موفقاً يا أبي.

كانت الأم جالسة مع أبناءها تساعدهم في مراجعة دروسهم وحل واجباتهم المدرسية، وأعطت طفلها الصغير البالغ الخامسة من العمر ورقة ليرسم عليها، فلا يزعجها حين تقوم بمساعدة إخوته الباقين في دراستهم. ولكنها تذكرت فجأة أنها لم تطلب من الخدم أن يحضّروا طعام الغداء لوالدة زوجها العجوز التي تسكن معهم في إحدى الغرف خارج المنزل في فناء المنزل، وكانت هي تقوم بخدمتها ما أمكنها ذلك، والزوج سعيد بما تؤديه من خدمة لوالدته، التي لم تكن تترك غرفتها بسبب مرضها الشديد.
أسرعت بإحضار الغداء إليها وسألتها إن كانت بحاجة لأية خدمات أخرى، ثم انصرفت عنها, عندما عادت لتدريس أبنائها لاحظت أن طفلها الصغير الذي أعطته ورقة ليرسم عليها كان يقوم برسم دوائر ومربعات، أشكال لم تفهمها الأم فقامت بسؤاله عما يرسم, أجاب طفلها بكل براءة : أنا يا أمي أرسم منزلي الذي سأعيش به عندما أكبر, وبدأ يري لأمه كل مربع و يقول هذا المطبخ، وهذه غرفة الضيوف وهذه غرفة النوم وأكمل بتعداد كل من غرف المنزل وبقي مربعاً مرسوماً خارج الحيز الذي رسم فيه فسألته الأم عن هذه المربع فقال لها : هذه الغرفة التي سأضعك تسكنين فيها كما تعيش جدتي.
صدمت الأم بما قال لها ولدها, وبدأت تسأل نفسها : هل سأبقى وحيدة خارج المنزل في الفناء دون أن أحظى بالحديث مع ابني وأولاده وأتمتع بكلامهم ومرحهم ولعبهم ؟ ومن سأحدث حينها ؟ وهل سأمضي ما بقي من عمري لوحدي بين أربعة جدران ؟ أسرعت الأم بمناداة الخدم وطلبت منهم أن يقوموا بنقل أثاث الغرفة المخصصة لاستقبال الضيوف، والتي هي أجمل الغرف في المنزل فنقلوا الأثاث المخصص لغرفة الضيوف للغرفة الموجودة في الفناء وأحضروا سرير العجوز لغرفة الضيوف. عندما عاد الزوج من العمل تفاجأ بما رأى، وتعجب له فسأل زوجته : ما السبب لهذا التغيير ؟ قالت له والدموع تترقرق في عينيها إني أختار لي ولك أفضل الغرف وأجملها إذا كبرنا وعجزنا عن الحركة.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :