■ مقدمة :
من أعظم الأدعية التي يكررها المسلم في صلاته كل يوم قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].
وهذا الدعاء ليس المقصود منه مجرد طلب الدخول في الإسلام؛ لأن المسلم قد حصل له أصل الهداية بالإيمان بالله ورسوله ودينه، وإنما هو سؤال الله دوام الهداية وزيادتها وتفصيلها والثبات عليها.
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن من ظن أن المسلم لا يحتاج إلى سؤال الهداية؛ لأنه قد هداه الله إلى الإسلام، فقد أخطأ في فهم حقيقة الهداية والصراط المستقيم.
● أولًا: معنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾.
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ فعل أمر، والعبد يقوله على جهة الدعاء والسؤال؛ أي: يا رب، اهدنا الصراط المستقيم.
فالمؤمن لا يخبر فقط بأنه مهتدٍ، وإنما يسأل ربه الهداية.
والهداية المطلوبة هنا ليست هدايةً واحدة حصلت وانتهت، بل هي هداية متجددة يحتاج إليها العبد في كل وقت.
فمعنى الدعاء: يا الله، زدنا هداية، وثبتنا عليها، وعرّفنا الحق في كل مسألة، ووفقنا للعمل به، وألهمنا ترك الباطل والمعصية.
ولهذا كان المسلم يكرر هذا الدعاء في كل ركعة، مما يدل على عظم حاجته إلى الهداية واستمرارها.
● ثانيًا: خطأ من قال: «قد هدانا الله فلا حاجة بنا إلى سؤال الهداية».
من يقول: إن المسلمين قد هداهم الله إلى الإسلام، فلا حاجة بهم إلى أن يقولوا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فقد أخطأ؛ لأنه لم يعرف حقيقة الهداية.
فالإنسان يحتاج إلى الهداية في كل لحظة؛ لأن المطلوب منه في كل وقت قد يختلف.
• فهو يحتاج إلى:
* علم يعرف به ماذا يجب عليه في ذلك الوقت.
* إرادة تدفعه إلى فعل ما أمر الله به.
* معرفة ما نهى الله عنه حتى يجتنبه.
* قوة على مقاومة الشهوات والشبهات.
* ثبات على الحق عند تغير الأحوال والفتن.
● ثالثًا: الهداية المجملة والهداية المفصلة.
يفرق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الهداية المجملة والهداية المفصلة.
1. الهداية المجملة: وهي أن يعلم العبد إجمالًا أن:
* القرآن حق.
* الرسول ﷺ حق.
* دين الإسلام حق.
* ما جاء به الرسول ﷺ حق.
وهذه الهداية قد حصلت للمسلم، لكنها لا تغنيه عن الهداية التفصيلية.
2. الهداية المفصلة: وهي أن يوفق الله العبد في كل موقف وحادثة إلى معرفة:
* ماذا أفعل؟
* ماذا أترك؟
* ماذا أقول؟
* ماذا أحب؟
* ماذا أكره؟
* وكيف أتصرف في هذه الحالة؟
وهذه الهداية يحتاج إليها الإنسان في كل وقت؛ لأنها تتعلق بأقواله وأعماله ومواقفه المتجددة.
● رابعًا: مثال يوضح الهداية المفصلة.
قد يعلم الإنسان إجمالًا أن الصدق واجب، لكن عندما يقع في موقف معين فإنه يحتاج إلى هداية مفصلة:
* هل يقول الحقيقة؟
* كيف يقولها؟
* هل يترتب على كلامه مفسدة؟
* ما الذي يجب عليه في هذه الحالة؟
* هل السكوت أفضل أم الكلام؟
فمعرفته بأن الصدق واجب هي هداية مجملة، أما معرفة التصرف الصحيح في الموقف المعين فهي هداية مفصلة.
وهكذا في:
* البيع والشراء.
* العبادات.
* العلاقات مع الناس.
* الغضب والرضا.
* الإنفاق والمنع.
* الأكل والشرب.
* النوم واليقظة.
* الأقوال والأفعال.
فكل قول يريده العبد، وكل عمل يريد فعله، يحتاج فيه إلى هداية الله.
● خامسًا: حاجة الإنسان إلى العلم والعدل.
بيّن ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان في أصله ظلوم جهول، ولذلك يحتاج دائمًا إلى أمرين عظيمين:
• العلم الذي يزيل الجهل: حتى يعرف: ماذا أمر الله به؟ وماذا نهى عنه؟ وما الحق في هذه المسألة؟
• والعدل الذي يزيل الظلم: حتى يكون معتدلًا في:
* محبته وبغضه.
* رضاه وغضبه.
* أخذه ومنعه.
* قوله وفعله.
ولهذا يقول شيخ الإسلام بمعنى كلامه: كل ما يقوله العبد ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه. فإن لم يمنّ الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل، بقي فيه من الجهل والظلم ما يخرجه عن الصراط المستقيم.
● سادسًا: لماذا نكرر ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كل يوم؟
لأن العبد لا يستغني عن الهداية لحظة واحدة.
فليس معنى الدعاء: يا رب أدخلنا في الإسلام فقط، بل معناه أوسع من ذلك: يا رب، اهدنا إلى الحق في كل ما نأتي وما نذر، وثبتنا عليه، ووفقنا للعمل به، وجنبنا طرق الضلال والانحراف. ولهذا كان المسلم أحوج ما يكون إلى هذا الدعاء، مهما بلغ من العلم والصلاح.
● سابعًا: الدليل على أن الهداية تستمر وتتجدد.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ بعد صلح الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1-2].
فإذا كان النبي ﷺ، وهو أهدى الخلق، قد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ فكيف بغيره من الناس؟
وهذا يبين أن العبد مهما بلغ من الهداية والعلم، فهو محتاج إلى المزيد من هداية الله وتوفيقه وتثبيته.
● ثامنًا: ما هو الصراط المستقيم؟
ذكر شيخ الإسلام أن الصراط المستقيم فُسِّر بـ:
1. القرآن.
2. الإسلام.
3. طريق العبودية لله.
وهذه التفسيرات كلها صحيحة؛ لأنها ترجع إلى معنى جامع، وهو: الطريق الذي أمر الله عباده أن يسلكوه علمًا واعتقادًا وقولًا وعملًا.
فالقرآن يهدي إلى هذا الطريق، والإسلام هو الدين الذي شرعه الله، والعبودية هي سلوك هذا الطريق بطاعة الله والانقياد له.
● تاسعًا: الصراط المستقيم يحتاج إلى علم وعمل.
ليس الصراط المستقيم مجرد معرفة الحق، وإنما يجمع بين: العلم والاعتقاد والعمل. فقد يعرف الإنسان الحق ولا يعمل به، وقد يريد الخير لكنه لا يعرف طريقه.
ولهذا يحتاج العبد إلى هداية تجمع له الأمرين: أن يعرف الحق، وأن يوفَّق لاتباعه، ومن هنا تظهر عظمة دعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فهو سؤال للعلم النافع، والعمل الصالح، والثبات على الحق، والسلامة من طرق الانحراف.
■ الخلاصة الجامعة :
• الهداية نوعان:
هداية مجملة: وهي معرفة أن القرآن حق، والرسول ﷺ حق، والإسلام حق.
وهداية مفصلة: وهي معرفة ما يجب على العبد فعله وتركه في كل موقف، والتوفيق إلى العمل بالحق والثبات عليه.
ولهذا كان قول المسلم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ دعاءً مستمرًا لا يستغني عنه العبد؛ لأنه يسأل الله فيه دوام الهداية وزيادتها وتفصيلها والثبات عليها.
فالعبد يحتاج في كل لحظة إلى: علمٍ يزيل جهله، وعدلٍ يزيل ظلمه، وإرادةٍ تحمله على الطاعة، وثباتٍ يعصمه من الشهوات والشبهات.
ومن هنا يتبين أن تكرار ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في كل ركعة ليس تكرارًا بلا معنى، بل هو من أعظم الأدعية؛ لأن العبد لا يستغني عن هداية ربه طرفـة عين.
■ المصدر : فتاوى شيخ الإسلام 37/14.