■ نصوص الباب - ورد في الباب حديثان صحيحان:
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يأكل البطيخ بالرطب، ويقول: نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا». رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وصححه جماعة من أهل العلم.
2- وعن أنس رضي الله عنه أنه رأى رسول الله ﷺ يجمع بين الرطب والخِرْبِز. رواه أحمد وغيره.
● هل بين الروايتين تعارض؟
لا تعارض بين الروايتين، بل الظاهر أنهما قصتان مختلفتان، لاختلاف الصحابي الراوي، واختلاف مخرج الحديث، مما يدل على تعدد الوقائع، وأن النبي ﷺ فعل هذا تارة، وفعل هذا تارة أخرى.
وقد نبَّه الشيخ الألباني رحمه الله إلى هذا المعنى، وبيَّن أن حمل إحدى الروايتين على الأخرى ليس بمتعين، بل الأقرب أن حديث عائشة واقعة مستقلة، وحديث أنس واقعة أخرى، وبذلك يزول الإشكال.
وهذا من باب تنوع المباحات، ومن تطبيق القاعدة الأصولية المشهورة: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن».
● أقوال العلماء في تحديد المراد بالبطيخ:
♦ أولاً: ترجيح ابن القيم للبطيخ الأخضر.
ذهب ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد إلى أن المراد بالبطيخ المذكور في حديث عائشة هو البطيخ الأخضر المعروف، واستند إلى العلة المذكورة في الحديث: «نكسر حر هذا ببرد هذا»، لأن البطيخ الأخضر يوصف عند الأطباء بالبرودة والرطوبة، فيناسب كسر حرارة الرطب.
♦ ثانياً: ترجيح ابن حجر للخِرْبِز (البطيخ الأصفر).
تعقب الحافظ ابن حجر رحمه الله ابن القيم، ورجح أن المراد بالبطيخ هو الخِرْبِز، وهو نوع من الشمام أو البطيخ الأصفر، مستنداً إلى رواية أنس التي جاء فيها التصريح بالخِرْبِز، ولأن هذا النوع كان مشهوراً بأرض الحجاز.
وأجاب عما يورده الأطباء من أن الخِرْبِز يوصف بالحرارة، بأن المقصود أمر نسبي؛ ففيه من الرطوبة والبرودة ما يخفف أثر حرارة الرطب.
♦ ثالثاً: تعقب الشيخ الألباني للقولين.
ذهب الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن الخلاف بين ابن القيم وابن حجر مبني على افتراض اتحاد القصة، بينما الصواب أن الروايتين في قصتين مختلفتين.
● فعلى هذا:
* حديث عائشة رضي الله عنها يدل على أكل النبي ﷺ البطيخ مع الرطب، مع ذكر الحكمة من ذلك.
* وحديث أنس رضي الله عنه يدل على أكله ﷺ الخِرْبِز مع الرطب في واقعة أخرى.
وبذلك لا حاجة إلى حمل أحد اللفظين على الآخر.
● أقوال أهل اللغة:
ذكر أهل اللغة أن لفظ «الخِرْبِز» يطلق على أنواع متعددة من البطيخ والشمام، وليس مختصاً بنوع واحد، ولذلك لا يلزم من إطلاقه إرادة صنف معين.
ومن هنا اختلف العلماء في تحديد المقصود، ولم يكن اختلافهم اختلاف تضاد، بل اختلاف تنوع واجتهاد.
● الفوائد المستنبطة:
1- استحباب الجمع بين أنواع الطعام المباح.
2- جواز تعدد الأصناف على المائدة.
3- أن الشريعة راعت مصالح الأبدان مع المحافظة على الاعتدال.
4- أن الأصل في الأطعمة الإباحة.
5- مشروعية الاستفادة من التجارب النافعة التي لا تخالف الشرع.
6- أن اختلاف الروايات لا يلزم منه التعارض، بل قد يحمل على تعدد الوقائع.
7- مشروعية التنوع في المباحات والأطعمة.
8- أهمية الجمع بين النصوص قبل الحكم بالتعارض.
9- أن اختلاف العلماء في فهم النصوص باب من أبواب الاجتهاد المعتبر.
10- تطبيق قاعدة الأصوليين: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن»
■ ملاحظة :
ما ورد في البطيخ من الأحاديث - لم يثبت في الباب - فيما يظهر - حديث صحيح في البطيخ إلا حديث عائشة رضي الله عنها في أكله ﷺ البطيخ بالرطب، وحديث أنس رضي الله عنه في جمعه بين الرطب والخِرْبِز.
■ ملاحظة :
وأخيرا لكمال الفائدة من التحقيق فإن ما يروى في فضل البطيخ، أو في تسميته بأوصاف مخصوصة، أو في بيان فوائد معينة له، فالأكثر منه لا يصح، بل في جملة منه أحاديث موضوعة أو شديدة الضعف، وقد نص جماعة من أهل العلم على عدم ثبوت شيء في فضل البطيخ سوى ما تقدم.