من كل هذا .. أين الطالب ؟

عبدالله علي الخريف

4039 قراءة 1443/05/07 (05:30 صباحاً)

عبدالله علي الخريف.

۞ عدد المشاركات : «28».

من كل هذا .. أين الطالب ؟
لا يمكن إلا لمكابر أن يلغي ما يتم إنفاقه في هذا الوطن الغالي من ميزانيات توازي بعض ميزانيات دول كاملة على قطاع التربية التعليم, ولا يقبل منصف تجاهل الجهود الكثيرة المتلاحقة والأموال والتجهيزات الهائلة التي تنهمر تباعاً على ميادين التعليم العام.
ولكنني هنا أطرح تساؤلاً مشروعاً بعد طول تأمل للواقع التعليمي وللمستوى العلمي لأبنائنا وبناتنا ليس في المواد العلمية التي تتطلب مهارات متقدمة وإنما في المواد الأساسية التي تفترض أن يتمتع الطالب بالحد المقنع منها !

سؤال من كلمات قليلة لكنه يحمل الكثير من الأعباء .. الأعباء المادية والمعنوية الشكلية والحقيقية الآجلة والعاجلة الظاهرة والمختفية الجديدة والقديمة المزمنة والطارئة الصغيرة والكبيرة المحزنة والمخيفة و .. سؤال محزن مؤسف يقول :
أين الطالب من كل هذه النفقات ؟
أين الطالب من مشروع التطوير ؟ وأين الطالب من لقاءات المسئولين في الفنادق ذات النجوم الكثيرة !
وأين الطالب من البوفيهات المفتوحة وأين الطالب من تذاكر الدرجة الأولى لبرامج القيادات التربوية في الدول الأجنبية السياحية بألسن عربية !
أين الطالب من تقنيات التجهيزات الحديثة ذات المبالغ المضاعفة أضعافا كثيرة لخدمة برامج الكترونية لتسهيل العمل الذي يفترض أنه يخدم الطالب لمجرد الفرضية !
وأين الطالب المسكين من مظاهر التقدم الشكلية في تنويع وتعدد وتغير التجارب والمناهج والأدوات والمشروعات المتلاحقة التي ينسخ بعضها بعضا !
أين الطالب من برامج التدريب التي يستفيد منها المدربون ماليا أكثر مما يستفيد المتدربون فنيا والتي لا يقاس لها أثر ولا تخطط لهدف ..
أين الطالب من ميزانيات المهرجانات واللقاءات والندوات والإصدارات والمطبوعات والملصقات والبعثات والانتدابات والصولات والجولات للقيادات التربوية ومن حولها !

للإجابة عن هذه التساؤلات التي تتلخص في سؤال واحد : (أين الطالب من كل هذا ؟ وكيف يصرف كل هذا باسمه ولأجله فيما هو آخر من تصله الفائدة إن وصل طيفها !).
إننا سنضطر للإجابة عن هذه التساؤلات أولاً إلى مبدأ الصدق مع الذات وإبعاد كل الإجابات الإعلامية التي تؤجل إخبار المصاب بمرض خطير لساعات فيما هذا التأجيل لا يغير من الحقيقة شيئاً.
للإجابة عن هذا السؤال فإنه لابد من فتح ملفات الفوضى والتساهل وحظوظ النفس والفوائد الشخصية والنظر للأقرب من الأنف.
وللإجابة عن هذا السؤال الكبير الخطير فإنه لابد من الحديث عن سياسة الرجل الواحد والفكر الواحد وغياب الفكر المستمر والخطط المنظمة الناتجة عن فريق، التي لا تنهار لذهاب أحد ولا تتوقف لانقطاع أمل أو تغير مزاج !
وللإجابة عن هكذا سؤال فإنه لابد من تحديد موقعنا وطريقة تعاملنا مع أنظمة علمية مؤسسية دقيقة تعتمد الرقابة الفنية والمحاسبة القانونية أسلوبا للجودة بعيداً عن المجاملات وأخذ الخواطر.
ولهكذا سؤال فإنه يجب أن نجهز إجابات من نوع محدد فيما يخص اختيار القيادات المنتجة والفاعلة بعيدا عن المحسوبيات في اختيارها وبعيداً عن التصورات المعلبة بناء على تزكية ما أو ارتياح شخصي أو سير على ما كان أو خبط عشواء في أحسن الأحوال.

إذا وبناء على كل ما سبق فإنه يتضح جيدا أن الإجابة عن سؤالنا الكبير الصغير لن تكون عبر تأليف جملة دبلوماسية ولا عبر هذر إنشائي يجعل السامع يهز رأسه ويؤجل الفهم طويلاً وإنما ستكون إجابة فنية شاملة كافية تنظر إلى الأمر من جميع الزوايا الحادة والمفتوحة.

■ وإن الأمر لعمر الحق يستأهل كل ذلك وأكثر من طرفين :
فالطرف الأول أن أبناءنا يستحقون منا ذلك وأكثر, ولا ريب فهم مستقبل هذا الوطن الطيب وأمله الذي يلوح, وإن المراهنة والمتاجرة لا بل المقامرة على تربيتهم وتعليمهم لتعد أكبر وأكثر الخطوات خطورة على الوطن وتساهلا وتخاذلاً في مدخراته الحقيقية وعملته الصعبة !
وأما الطرف الثاني فإن الأموال والثروات لا تدوم, وإن التأمل قليلاً في السنن الكونية ليخبر عقلنا الصغير أن الدنيا دول, وأن الفقير يوماً ما سيصبح غنياً, فيما ربما تحول الغني إلى صعلوك, وأن الذين يفرطون فيما آتهم الله من فضله سيندمون حين يكتشفون أنهم لم يتعاملوا جيداً مع تلك النعمة !

إنني أكتب هذه الكلمات وأنا أنظر إلى ولدي الذي يدرس في الصف الثالث الابتدائي يترك حقيبته كل يوم عند المدخل الخارجي للمنزل إلى حين الصباح القادم, وحين أحاوره وأتبع ذلك ببعثرة أشياءه الصغيرة معه أكتشف أن طريقته في التعامل مع ما في تلك الحقيبة نتج عن عملية كئيبة ممعنة في الرتابة تسمى التعليم !
إننا في هذا الوطن الغالي لا نملك أعذاراً ليكون التعليم لدينا بهذا المستوى المؤسف, وإننا إذا خلقنا أعذاراً فإنها ستكون شهوداً بل مدعين عاميّن على مدى تفريطنا وبلادتنا تجاه كل ما نملك من حظوظ فرطنا كثيرًا وطويلاً في التعامل معها وفق منهج علمي عملي منتج.
إننا لو نظرنا في مرآة نظيفة بأعين مبصرة وعقول منصفة فإننا سنكتشف كم نحن نسير في طريق مخيف بل ذي نهاية واحدة لا تشبه إلا الهاوية !
إنني لا أكتب عبارات أدبية في قصة أو رواية أدبية, إنني أعي جيداً وتماماً الذي أكتب, إنني أضيف وألغي وأكتب وأمسح لتكون كل كلمة في مكانها الصحيح, ولكن لا يمكن أبداً أن أزايد على حب هذا الوطن بكل تفاصيله وأهله على اختلاف أماكن تواجدهم, وإن الأطفال الذين يذهبون كل صباح بعد عمليات إعداد وتهيئة بيتية إلى المدارس ثم لا يجدون أن الأمر يستحق كل ذلك العناء لفي رقابنا جميعاً.

إن القائد والرجل الأول في هذا الوطن قد حملنا الأمانة, وألقى علينا بكامل المسئولية وفوضنا, وأخبرنا أن نعمل ونجتهد وسنحصل على كل ما يخدم ذلك, ولكننا وللأسف الشديد لا زلنا نراوح مكاننا, إن لم نكن - وهذا مؤسف - نتراجع على قفانا لمسافات طويلة.
لا يمكن للجهود المبعثرة أو العمليات الإسعافية أو التجميلية أن تكون حلاً حاسماً, ولا يمكن لحبة أسبرين إلا أن تهدئ الألم لكنها وبكل تأكيد لن تقضي على المرض وتعيد المريض إلى منزله معافى !

إن الأمر وبدون شك سيبدأ باختيار الرجال المناسبين في المواقع المناسبة وفق تقارير فنية وخبرات مقنعة يلي ذلك العمل وفق قاعدة حذرة وممعنة في الأهمية تتلخص في سؤال من أربع كلمات (من نحن ؟ وماذا نريد ؟)، يلي ذلك تحويل وزارة التربية والتعليم إلى العمل المؤسسي وفق فريق عمل مستمر ووفق منهج ثابت يحترم الأسس والمبادئ ويتطلع فيما سواها إلى كل جديد ومفيد، ودون أن يكون هناك منهج رقابي فني محاسبي فإننا لن نتقدم خطوة واحدة للأمام لأن الذين يتساوون في الحوافز والعقوبات سيتساوون أيضاً وفق فطرة بشرية في الإهمال والعبث !
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :