• ×

06:53 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ فيما يلي أقدم لكم مقطفات من رسالة (ورقة عمل) قدمتها خبيرة لغة الإشارة وهي معاقة سمعياً في المؤتمر الثامن للهيئات الراعية للصم قبل مايقارب العشر سنوات ولكن هنا أحببت أن تكون بين يدي رواد منهل الثقافة التربوية خلال فعاليات اسبوع الأصم الـ ( 35 ).

1 ـ ففى الوقت الذى يحصل فيه المعوقين حول العالم على حقوق وامتيازات، وصلت إلى أن شغل الكثير منهم منصب أستاذ جامعة، مازال المجتمع العربى يرزح بأبنائه من ذوى الحاجات الخاصة تحت نير الجهل والفقر والمرض، ومع ذلك ليس هذا محور حديثنا.
وفى الوقت الذى صار الباحثين يصبون فيه جل اهتمامهم حول الوقاية من المرض والإعاقة، مازلنا هنا فى المنطقة العربية نلهث وراء إدارك ما يمكن إدراكه من علاج بعد مرض وتأهيل بعد أعاقه ، وسوف أطرح هذا جانبا.
وفى الوقت الذى أصبحت حقوق المرأة السياسية والإقتصادية، ومشاركتها الفعالة فى بناء وتنمية المجتمع الذى تحيا فيه أصبحت هذه الأمور من البداهة بمكان بحيث لا محل للحديث عنها فى الغرب، نجد المرأة العربية ما زالت فى بعض الأقطار غير معترف لها بأهلية الانتخاب أو العمل وأحياناً التعليم، ولن أعقب على هذه القضايا الآن.
وبينما يقضى الإسلام الحنيف بأن النساء شقائق الرجال، وأن الله لا يضيع أجر عامل من ذكر أو أنثى. وصار من الحقائق أن المرأة فى ميدان العمل والإنتاج (فى حدود ما يناسبها) تتساوى مع الرجل بل وقد تتفوق عليه ما دام مناط التفوق هو الاجتهاد والإتقان.

2 ـ إننى فى هذه الورقة لن أتحدث عن الحقوق السياسية للمرأة الصماء، ولن ابحث عن دورها المفتقد فى المجتمع والحياة الاجتماعية، ولا عن حقوقها المسلوبة فى التعليم أو العمل أو أو ولن أتعرض إلى الغبن الشديد الذى تتعرض له حتى ظلمها داخل الجمعيات الأهلية الخاصة بالصم والتى من المفترض أنها أنشئت لترعاها.
إننى سأطرح كل هذا جانباً وسؤال واحد فقط سأطرحه عليكم : أين حقى كفتاة صماء فى أن أحيا كإنسانة داخل أسرتى ؟**! هل تستغربون السؤال ؟ أم تستنكرون الحق ؟

3 ـ بقى علىّ قبل أن أبدأ أن أقرر بأن ما ستسمعونه هو جماع وخلاصة العديد والعديد من القصص التى عاشتها فتيات وأمهات صم استمعنا إليهم ورصدنا معاناتهم ولخصناها فى هذه السطور على لسان فتاة صماء تدعى حسناء، فهى ليست سيرة ذاتية لفتاة واحدة، وإنما هى مجموعة من السير الذاتية لمجموعة من الفتيات والسيدات الصم، حتى إنكم إن عرضتم هذه السطور على أى فتاة صماء كبرت أم صغرت ستجدونها تنطبق عليها كلياً أو جزئياً بل وربما وجدتم ما هو أكثر قسوة.

● منذ البداية .. أمى والإشارة :
تقول حسناء : على الرغم من أننى أصبت بالصمم منذ طفولتى المبكرة، وعلى الرغم من عدم وجود وسيلة أخرى لأتعامل بها مع الغير سوى لغتى لغة الإشارة، وعلى الرغم من أن أمى متعلمة ويقال مثقفة، على الرغم من هذا وذاك فإن أمى لم تتعلم من الإشارات سوى القدر القليل، فقط مجموعة من الإشارات الركيكة بالنسبة للغتنا، إشارات تافهة بدائية لا تنتمى إلى لغة الإشارة فى شئ، ولا تكفى أبدا لأن أجلس معها وأحادثها وأبثها ما بداخلى فتبثنى خبراتها ونصائحها، فهى حتى لم تحاول أن تقتبس منى الإشارات على امتداد سنوات عمرى التى تعددت 25 عاماً، ولم تستجب أبداً لرجائى المتتابع فى أن اعلمها إياها، وكأنها أسقطتنى من حساباتها كإبنة لها.

● عند التسوق :
كثيراً ما إصطحبتنى أمى أنا وشقيقتى إلى السوق لشراء متطلباتنا فى المناسبات المختلفة، وتعجز الكلمات عن وصف شعورى وأنا أسير معهما أو بالأحرى (خلفهما) كالتابع الذليل أو الخادمة، فلم يكن أبداً لتلك الصماء - التى هى أنا - رأى فيما تتسوقه الأسرة، أو حتى ما ستبتاعه من ملابس أو أغراض خاصة بى أنا.
كنت أرى أمى تتشاور مع شقيقتى الصغرى فى الأسعار والخامات، وأنا أقف بينهما، لا أفهم ما تقولان ولم تحاول أى منهما الاستجابة لى فتشركنى فى الحديث والمشاورات والتى بالتأكيد يخصنى منها جانب.
حدث ولا حرج عن مما كان يكتنفنى من شعور بعد كل مرة نخرج فيها، وما كان يدور فى رأسى من أفكار ثم صدمت بالحقيقة التى فهمتها بعد زمن، فأمى لم تكن تأخذنى معها إلى التسوق إلا لسبب واحد، وهو خوفها من أن تتركنى وحدى فى المنزل فأكسر شيئا أو أفسد جهازا، حتى فى هذا كان خوفها على سلامة الأشياء وللأجهزة يطغى على خوفها علىّ، فلم يخطر على بالها ما قد يهدد سلامتى من خطر بسبب وجودى كطفلة صغيرة صماء دون وجود شخص أكبر منى فى المنزل.

● حضن لم أنعم به :
وصل الأمر بأمى إلى أن تدفع بى لأقضى أياماً لدى خالى، ثم عمى أو عمتى وهكذا، كأنها تقول لهم شاركونى هذا البلاء، وهكذا لم أنعم بحضن أمى كأى فتاة، ولم أشعر منها أبداً بحنان الأم وعشت أتنقل بين منازل أقاربى لأرى وأشاهد كيف ينعم أبناؤهم بحنان الأم ورعاية الأب وأنا بينهم كيتيمة الأبوين أو كالطفل الفقير الذى لم يشتر ملابس العيد وينظر إلى أقرانه وهم فى ملابسهم الجديدة ! بألم صامت فأنا لا أملك سوى الألم بل وحتى البكاء فى صمت.
وها هى مراحل حياتى تمر أمام عينى كفيلم ممل ولا أجد لأمى دور فيه سوى دورها فى بدايته وهى تلدنى، بعدها لم أجد لها أدنى أثر فى صناعة الأحداث أو الاشتراك فيها.

● يوم الصاعقة فى حياتى :
فى يوم من الأيام لاحظت حركة غير طبيعية فى منزلنا، وعندما تساءلت عن السبب، كان الجواب أن أمرتنى أمى بالمكوث داخل حجرتى وألا أغادرها، لأن اليوم خطبة شقيقتى الصغرى ولا يجب أن يرانى أهل العريس حتى لا يعلموا أن للعروس أخت خرساء فتفشل الزيجة بسببى خوفاً منهم من أن يكون الصمم فى أذنى وراثة فى عائلتنا.
قالتها هكذا دون مراعاة لشعورى، قالتها بلا مبالاة، بل بحرص وتأكيد على كل حرف فيها.
وماذا عن زواج شقيقتى أو خطبتها ألم يسبقه زيارات وترتيبات وجلسات وحوارات يعلمها جميع من فى الأسرة سواى، فها أنا أخر من يعلم، وها أنا يعتم حولى وكأنى مصدرا للعار، كأنى بهم يدفعوننى دفعاً لكراهية نفسى قبل كراهيتهم.
والآن ننتقل إلى أحداث واقعية أخرى تختلف فى ملابساتها وأحداثها وأشخاصها لكنها تصل بنا إلى كشف أسرار لا يدركها سوانا نحن الصم إنها تصل بنا إلى كشف المستور، ذلك الجهل المطبق الذى يعانى منه المجتمع ! جهل احتياجات أبنائه من ذوى الفئات الخاصة ! جهل جعل أفراد الأسرة الواحدة بل وأبناء البطن الواحدة يتنافرون إذا ضمهم محفل عام واحد، ولنتابع ذلك المشهد مع السيدة الصماء "نادرة".
ذهبت السيدة "نادرة" إلى حفل زفاف ابنة أختها لتستقبلها أم العروس "شقيقة نادرة" فى ترحاب شديد، لم لا واليوم فرح وبهجة بالزفاف الميمون، ولم لا ولم يكن هناك ما يعكر صفو العلاقة بين الشقيقتين.
انضمت الخالة "نادرة" إلى الحفل والمدعوين من الأقارب والمعارف، ولأن الخالة صماء فقد كان الحديث يدور من خلال لغة الإشارة وكان أبنها يتولى ترجمة ما يستلزم تدخله تاركا والدته "نادرة" تعيش الموقف من خلال إمكاناتها المفروضة عليها قدر الإمكان، ولم يكن هناك صعوبة تذكر فى التواصل بينها وبين القريبات اللائى أحطن بها لما تتمتع به من حنان شديد وابتسامه هادئة تنبئ عن نفس راضية كل الرضى فيرتاح إليها كل من يراها.
إلى أن لاحظت الشقيقة "أم العروس" أن أختها "نادرة" تتجاذب أطراف الحديث فى جمع من المعارف من خلال تلك اللعينة (لغة الإشارة).
فانتفضت واتجهت صوبها كالسهم وهى فى ذلك الاندفاع كان عقلها يعمل بسرعة البرق، فحاولت رسم ابتسامة على وجهها المذعور وطلبت من إبن شقيقتها الصماء أن يكف هو وأمه عن استعمال الإشارات حتى لا يراهم أهل العريس فيظنوا أن الصمم وراثيا مما يهدد الزيجة بالفشل.
ولكم أن تتخيلوا وقع هذه الكلمات على الشاب المسكين "إبن الصماء" الذى حاول تهدئة الموقف لا لصالح خالته "أم العروس" ولكن خوفاً من أن يجرح شعور والدته إن أدركت ما قالته الخالة، فحاول رسم ابتسامة على وجهه فخرجت باهتة تعبر عما يحمله فى صدره، ثم رد قائلاً لخالته بصوت مفعم بمزيج من الألم والسخرية وهو مازال ممسكاً بابتسامته الباهتة : خلاص أنطقيها أنت وإحنا نبطل إشارات !
ثم انتحى بأمه ركن من أركان الصالة، وأجلسها على إحدى المقاعد الموجودة مدعياً لأمه أن خالته أشفقت عليها من الوقوف وطلبت منه ذلك لراحتها.
وما زال صدى كلمات خالته يقرع رأسه بشدة دون أن يجرؤ على إخبار أمه أبداً.

● لا أريد هذه الأسرة العاقة :
بعد كل هذا هل تظنون أننى أستطيع البحث عن مكانى فى المجتمع ؟ أننى لن أخرج إلى هذا المجتمع خشية أن يرفضنى كما رفضتنى أسرتى ! فكلما أردت الخروج لعمل أو لعلم أتسائل هل سأصدم كما صدمت فى أهلى ؟ وهل هؤلاء الذين أعيش معهم يعدون أهـلاً ؟ ! وهل هذه تعتبر أماً ؟ أين الخلل ؟

● رسالة إلى كل أم لديها طفل معوق :
إلى كل أم لديها طفل له حاجات خاصة أقول لها أن هذا الطفل يملك من العواطف والأحاسيس ما يجعله مدرك لما يدور حوله، فهو يشعر بالحب والكراهية ويشعر بالاهتمام واللامبالاة بل ويتفاعل مع ذلك فيحب من يحبه وبالطبع يكره من لا يهتم به.
إنه إنسان مفرط الحساسية يجب أن تتعاملى معه بحساب وأن تغمريه بعاطفة الأمومة، وأعلمى أنه بمقدار تقبلك لإعاقة أبنك وتعاملك معه على أساس من الفهم لاحتياجاته الخاصة سيتقبل نفسه وسيتقبله المجتمع ويتعامل معه أما إن كنت ترفضين هذا الطفل فلا تنتظرى من المجتمع أن يتقبله ويعامله أفضل من معاملتك أياه.

 2  0  2648
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-04-21 03:31 مساءً علي عياش المزجاجي :
    اخي أحمد الهزازي ، كل التقدير والاحترام لشخصكم الكريم .
    صدق الكلمة والمشاعر والاحاسيس هو ما نحتاجه ، لمجتمع متحاب متماسك ،
    و مهما بلغ بنا العمر والعلم ، فنحن لا نزال طلاب في مدرسة الحياة ، نتعلم من الجميع الكبير والصغير والغريب والقريب الصحيح والعاجز، الانسان والحيوان والجماد .... ليس فقط نتعلم المعارف ولكن كل شئ ... العلوم ، المشاعر ، الاحاسيس ، الحب ، الصفح ، المثابرة ، الايثار ... كل شيئ .
    ومازال أمامنا الكثير والكثير لنتعلمه .
    تحياتي وتقديري
  • #2
    1431-04-24 12:01 صباحًا أحمد إبراهيم الهزازي :
    علي عياش المزجاجي .ازدت سرورا بتعليقك الرائع والذي يعبر عن صدق المشاعر والرؤية الثاقبة لحال مجتمع متحاب
    لشخصك الكريم وافر الود

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:53 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.