• ×

08:53 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

◄ الإثم والعدوان.
■ وأما الإثم والعدوان فهما قرينان : قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة : 2) (1) .
وكل منهما إذا أفرد تضمن الآخر : فكل إثم عدوان؛ إذ هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر الله به، فهو عدوان على أمره ونهيه وكل عدوان إثم فإنه يأثم به صاحبه.
ولكن عند اقترانهما، فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما :
1ـ فا لإثم : ما كان محرم الجنس، كالكذب والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك.
2ـ والعدوان : ما كان محرم القدر والزيادة فالعدوان تعَدِّي ما أبيح منه إلى القدر المحرم، كالاعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه، إما أن يتعدى على ماله أو بدنه أو عرضه، فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره، وإذا أتلف عليه شيئا، أتلف عليه أضعافه، وإذا قال فيه كلمة، قال فيه أضعافها، فهذا كله عدوان وتعد للعدل.

■ وهذا العدوان نوعان : عدوان في حق الله .. وعدوان في حق العبد.
● فالعدوان في حق الله : كما إذا تعدى ما أباح الله له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات، إلى ما حرم عليه من سواهما، كما قال تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ • فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) (المؤمنون : 5 - 7).
قال تعالى : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة : 173).
وكذلك تَعدِّي ما أبيح له من زوجته وأمته إلى ما حرم عليه منها، كوطئها في حيضها أو نفاسها أو في غير موضع الحرث أو في إحرام أحدهما أو صيامه الواجب. ونحو ذلك.
وكذلك كل من أبيح له منه قدر معين، فتعداه إلى أكثر منه، فهو من العدوان : كمن أبيح له إساغة الغصة بجرعة من خمر، فتناول الكأس كلها, أو أبيح له نظرة الخطبة والسوم والشهادة والمعاملة والمداواة، فأطلق عنان طرفه في ميادين محاسن المنظور، وأسام طرف ناظره في تلك الرياض والزهور، فتعدى المباح إلى القدر المحظور، وحام حول الحمى المحوط المحجور، فصار ذا بصر حائر، وقلب عن مكانه طائر. أرسل طرفه رائدا يأتيه بالخبر فخامر عليه، وأقام في تلك الخيام فبعث القلب في آثاره فلم يشعر إلا وهو أسير يحجل في قيوده بين تلك الخيام، فما أقلعت لحظات ناظره حتى تشحط بينهن قتيلا، وما برحت تنوشه سيوف تلك الجفون حتى جندلته تجديلاً. هذا خطر العدوان وما أمامه أعظم وأخطر. وهذا فوت الحرمان وما حرمه من فوات ثواب من غض طرفه لله عز وجل أجل وأكبر.
سافر الطرف في مفاوز محاسن المنظور إليه فلم يربح إلا أذى السفر، وغرر بنفسه في ركوب تلك البيداء وما عرف أن راكبها على أعظم الخطر ؟!
يا لها من سفرة لم يبلغ المسافر منها مناه، ولم يضع فيها عن عاتقه عصاه، حتى قطع عليه فيها الطريق وقعد له فيها الرصد على كل نقب ومضيق، لا يستطيع الرجوع إلى وطنه والإياب، ولا له سبيل إلى المرور والذهاب، يرى هجير الهاجرة من بعيد فيظنه برد الشراب، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، وتيقن أنه كان مغرورا بلامع السراب، تالله ما استوت هذه الذلة وتلك اللذة في القيمة فيشتريها بها العارف الخبير، ولا تقاربا في المنفعة فيتحير بينهما البصير، ولكن على العيون غشاوة فلا تفرق بين مواطن السلامة ومواضع العثور، والقلوب تحت أغطية الغفلات راقدة فوق فرش الغرور، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

● ومن أمثلة العدوان :
تجاوز ما أبيح من الميتة للضرورة إلى ما لم يبح منها : إما بأن يشبع، وإنما أبيح له سد الرمق على أحد القولين في مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة، وأباح مالك له الشبع والتزود إذا احتاج إليه .. فإذا استغنى عنها وأكلها واقيا لماله وبخلا عن شراء المذكى ونحوه، كان تناولها عدوانا، قال تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة : 3)، فهذا هو الباغي العادي، والمتجانف للإثم المائل إلى القدر الحرام من أكلها، وهذا هو الشرط الذي لا يباح له بدونه ولأنها إنما أبيحت للضرورة فتقدرت الإباحة بقدرها، وأعلمهم أن الزيادة عليها بغي وعدوان وإثم فلا تكون الإباحة للضرورة سببا لحله. والله أعلم.
والإثم والعدوان هما : الإثم والبغي المذكوران في سورة الأعراف، مع أن البغي غالب استعماله في حقوق العباد والاستطالة عليهم.
وعلى هذا فإذا قرن البغي بالعدوان : كان البغي : ظلمهم بمحرم الجنس، كالسرقة والكذب والبهت والابتداء بالأذى.
والعدوان : تعدى الحق في استيفائه إلى أكبر منه .. فيكون البغي والعدوان في حقهم، كالإثم والعدوان في حدود الله.
● فها هنا أربعة أمور :
حق لله وله حد، وحق لعباده وله حد. فالبغي والعدوان والظلم : تجاوز الحدين إلى ما رواءهما، أو التقصير عنهما فلا يصل إليهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/448) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  1  1780
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:53 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.