• ×

11:09 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ النفاق : الداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئا منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرا ما يخفى على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.
■ وهو نوعان : (أكبر اعتقادي ـ وأصغر عملي) (1) .
● فالأكبر : يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل : وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه.
● والأصغر : لا يوجب الخلود في النار، ومنه المذكور في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ : (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (خ 32) (م 89).
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر.
وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين : فذكر في المؤمنين أربع آيات.
وفي الكفار آيتين. وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم، وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا، لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله ! كم من معقل للإسلام قد هدموه ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه ! وكم من علم له قد طمسوه !
وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه ! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها ! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها !
فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية ويزعمون أنهم بذلك مصلحون.
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة : 12).
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف : 8).
اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولأجل ذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا.
درست معالم الإيمان في قلوبهم، فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها.
لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يرفعوا به رأسا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا.
خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين، وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين.
نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام، فقابلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام، وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في الصدور منها والأعجاز، وقالوا : ما لكِ عندنا من عبور، وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز.
لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب المحاربين، ويقولون : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة : 8).
رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والخَتْر، وعندهم العقل المعيشي أن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون : (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة : 9).
قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجز عنه الأطباء العارفون : (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة : 10).
من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل التمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حالت بين قلبه وبين التصديق، ففسادهم في الأرض كثير، وأكثر الناس عنه غافلون : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة : 11 - 12).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/426 - 428) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1616
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:09 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.