• ×

07:00 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ لله أشد فرحا بتوبة عبده.
ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ،فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) هذا لفظ مسلم (خ (6309)، م (2747)).

● تعلق الفرح الإلهي هنا بكون الله هو الإله المعبود وحده بحق (1) :
إن لاحظت تعلقه بإلهيته وكونه معبودا : فذاك مشهد أجل وأعظم، فإن الله سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته، وهذا هو الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهو غاية الخلق والأمر، ونفيه كما يقول أعداؤه هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه، وهو السُّدى الذي نزه نفسه عنه أن يترك الإنسان عليه .. فهو سبحانه يحب أن يعبد ويطاع، ولا يعبأ بخلقه شيئا لولا محبتهم له وطاعتهم له ودعاؤهم له.
وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك، وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته، لكان خلقهم عبثا وباطلا وسدى، وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين والإله الحق.
فإذا خرج العبد عما خلق له من طاعته وعبوديته، فقد خرج عن أحب الأشياء إليه وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة، وصار كأنه خلق عبثا لغير شيء، إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها بل قلبته شوكا.
فإذا راجع ما خلق له وأوجد لأجله، فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها، وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل، فاشتدت محبة الرب له، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدر من الفرح.
ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوع أعظم من هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، لذكره، ولكن لا فرحة أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغه في سفره بعد إياسه من أسباب الحياة بفقده، وهذا لشدة محبته لتوبة التائب، والمحب إذا اشتدت محبته للشيء وغاب عنه ثم وجده وصار طوع يده، فلا فرحة أعظم من فرحته به.
والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد عبده وخلقه وكونه وأسبغ عليه نعمه، وهو يحب أن يتمها عليه فيصير مظهرا لنعمه قابلا لها شاكرا لها محبا لوليها مطيعا له عابدا له معاديا لعدوه مبغضا له عاصيا له، والله تعالى يحب من عبده معاداة عدوه ومعصيته ومخالفته كما يحب أن يوالى الله مولاه سبحانه ويطيعه ويعبده، فتنضاف محبته لعبادته وطاعته والإنابة إليه إلى محبته لعداوة عدوه ومعصيته ومخالفته فتشتد المحبة منه سبحانه مع حصول محبوبه. وهذا هو حقيقة الفرح.
ومن هذا ضحكه سبحانه من عبده حين يأتي من عبوديته بأعظم ما يُحِبُّهُ، فيضحك سبحانه فرحا ورضا.
كما يضحك من عبده إذا ثار عن وَطَائِهِ وفراشهِ ومَضَاجَعَةِ حبيبهِ، إلى عبادته يتلو آياته ويتملَّقُهُ. ويضحك من رجل هرب أصحابه عن العدو، فأقبل إليه، وباع نفسه لله، ولقَّاهم نحره حتى قتل في محبته ورضاه. وكذلك الشهيد حين يلقاه يوم القيامة فيضحك إليه فرحا به وبقدومه عليه.
وليس في إثبات هذه الصفات محذور ألبتة، فإنه فرح ليس كمثله شيء، وضحك ليس كمثله شيء، وحكمه حكم رضاه ومحبته وإرادته وسائر صفاته، فالباب باب واحد لا تمثيل ولا تعطيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/ 289 - 291) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1750
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:00 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.