• ×

08:48 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

◄ لله أشد فرحاً بتوبة عبده.
ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ،فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) هذا لفظ مسلم (خ (6308)، م (2744)).
هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله (1).

● تعلق الفرح الإلهي هنا بإحسان الله وجوده وبره (2) :
يفرح سبحانه وتعالى بتوبة عبده : لأنه اختص نوع الإنسان من بين خلقه، بأن كرمه، وفضله، وشرفه، وخلقه لنفسه، وخلق كل شيء له، وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره، وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم له وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه ورسله، وأرسله، وأرسل إليه وخاطبه وكلمه منه إليه، واتخذ منهم الخليل والكليم والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حبه، وخلق لهم الجنة والنار، فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني، فإنه خلاصة الخلق وهو المقصود بالأمر والنهي وعليه الثواب والعقاب.
يفرح سبحانه وتعالى بتوبة عبده : لأن للإنسان عند ربه وخالقه شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلق أباه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأظهر فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات، وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين واتخذه عدوا له.
يفرح سبحانه وتعالى بتوبة عبده : لأن المؤمن من نوع الإنسان خير البرية على الإطلاق وخيرة الله من العالمين، فإنه خلقه، ليتم نعمته عليه، وليتواتر إحسانه إليه، وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله ولم يشعر به، وليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا بمحبته، ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه.
فاتخذه محبوبا له، وأعد له أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قَدِمَ عليه، وعهد إليه عهدا تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده محبة له وكرامة عليه، وما يبعده منه ويسخطه عليه ويسقطه من عينه.
وللمحبوب عدو هو أبغض خلقه إليه، قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق،واستقطع عباده، واتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم وكانوا أهلا له أعداء له مع هذا العدو يدعون إلى سخطه ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه ويفتنون أولياءه ويؤذونهم بأنواع الأذى ويجتهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة الدولة لهم ومحو كل ما يحبه الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه. فعرَّفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومآلهم وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم.
يفرح سبخانه وتعالى بتوبة عبده : لأنه سبحانه هو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته، وأنه قد أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وأن الفضل كله بيده والخير كله منه والجود كله له، وأحب ما إليه أن يجود على عباده ويوسعهم فضلا ويغمرهم إحسانا وجودا ويتم عليهم نعمته ويضاعف لديهم منته. ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، فهو الجواد لذاته، وجود كل جوادٍ خلقه الله ويخلقه أبدا أقل من ذرة بالقياس إلى جوده، فليس الجواد على الإطلاق إلا هو وجود كل جواد فمن جوده، ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر ببال الخلق أو يدور في أوهامهم، وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدرا، فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها، فما الظن بفرح المعطى ؟ ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه.
ولله المثل الأعلى، إذ هذا شأن الجواد من الخلق ، فإنه يحصل له من الفرح والسرور واللذة بعطائه وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه، فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله ؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله، ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، وهو الجواد لذاته كما أنه الحي لذاته العليم لذاته السميع البصير لذاته، فجوده العالي من لوازم ذاته، والعفو أحب إليه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة، والفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع ؟!
يفرح سبحان وتعالى بتوبة عبده : لأنه عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه وأعد له أنواع كرامته وفضله على غيره وجعله محل معرفته وأنزل إليه كتابه وأرسل إليه رسوله واعتنى بأمره ولم يهمله ولم يتركه سدى، إذا تعرض لغضبه، وارتكب مساخطه، وما يكرهه، وأبق منه، ووالى عدوه وظاهره عليه وتحيز إليه، وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره وعطائه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان، فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة، إذ انقلب آبقا شاردا رادا لكرامته مائلا عنه إلى عدوه، مع شدة حاجته إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين.
فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسيا لسيده منهمكا في موافقة عدوه قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله، إذ عرضت له فكرة، فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه وعرضه عليه، وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه، وجد في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى أعتابه متذللا متضرعا خاشعا باكيا آسفا يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ويعتذر إليه قد ألقى بيده إليه، واستسلم له وأعطاه قياده وألقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه، فعاد مكان الغضب عليه رضًى عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفوا، وبالمنع عطاء وبالمؤاخذة حلما، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلا. فكيف يكون فرح سيده به، وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعا واختيارا، وراجع ما يحبه سيده منه برضاه، وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة ؟!
فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : هذا المجلس في تعلق الفرح الإلهي في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بالإحسان والجود والبر، وهو في المدارج (1/ 283 - 288).
(2) : تنبيه : تأملَ ابن قيم هذا الفرح الإلهي من جهتين : من جهة إحسان الله وجوده وبره، وهو هنا في هذا المجلس. ومن جهة كون الله هو الإله المعبود بحق، وهو في المجلس التالي بعد هذا المجلس.
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1783
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:48 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.