• ×

01:28 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله القائل في محكم كتابه : [إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)] آل عمران.
■ إنّ الهدف الذي قام عليه مشروع تعظيم البلد الحرام هو تأصيل معنى التعظيم في قلوب المسلمين سواءً الذين يقطنون فيه أو الوافدين إليه لتكون بلداً آمناً ومجتمعها مثالاً يحتذى به في صيانة الأنفس والأعراض والأموال والممتلكات وحسن التعامل مع الآخرين ،والمحافظة على نظافة مكّة وتطهيرها وإعمارها.
إنّ تعظيم مكّة المكرّمة ليس شعارات ترفع وليس كلاماً يطلق أو إعلانات توزّع وكتب ومطويّات تطبع فحسب بل تعظيمها في القلوب ويصدِّقه عمل الجوارح والسلوك وهو ما نهدف إليه في مقالنا هذا من خلال طرح جملة من التساؤلات : ما مدى استشعار قدسيّة البلد الحرام لدى ساكنيها وزائريها ؟ وهل سلوكيّاتهم وتعاملاتهم تعكس تعظيم بلد الله الحرام ؟ وما نوع المخالفات والأخطاء أو الممارسات السلبيّة بشكل عام التي ترتكب في مكّة ؟ وما الأسباب التي أدّت إلى ارتكاب هذه الأخطاء ؟ وهل يوجد عقوبات رادعة للمخالفين في مكّة ؟ وما دور المدارس والمساجد ووسائل الإعلام ومؤسّسات المجتمع المكّي في توعية المسلمين بتعظيم البلد الحرام ؟ وقد نكتفي بهذه التساؤلات لإلقاء الضوء على واقع ممارساتنا وتعاملاتنا في هذا البلد العظيم.
لاشك أنّ مشروع تعظيم البلد الحرام هو مشروعاً رائداً وعملاً فريداً يستحق الإشادة والتقدير قدّم مفهوماً جليّاً لقدسيّة هذه الأرض الطيبّة ومكانتها وقد بُذِل فيه جهوداً كبيرة وعملاً جبّاراً امتدت لعدّة سنوات من قبل رجال سخّروا أنفسهم خدمة لمكّة وسكّانها وزوّارها، ولكنّنا نتساءل، هل وصلت الرسالة المقصودة وتحقّق الهدف المرجوّ منه وهو ما نريد إسدال الستار عنه في مقالنا، ورغم ذلك إلا أنّ قنوات التواصل ووسائل الإعلام المختلفة ودَوْر الدعاء والخطباء والعلماء عبر المنابر ودُور العلم والمساجد والمربّين في المدارس لازالت دون المستوى المأمول ولم تبلغ المراد في نشر الوعي الثقافي والديني الذي يصل أثره إلى النفوس بمكانة وعظمة مكّة المكرّمة وليس أدلّ على ذلك ما نراه من سلوكٍ آثم في البلد الحرام، ويبدو أنّ المسلمين في تعاملاتهم الاجتماعيّة والدينيّة والأخلاقيّة سيّان لا فرق عندهم سواءً في مكّة أو غيرها.
إنّ مكّة شرّفها الله واختارها لتكون مهد الإسلام وقبلة المسلمين وهي أحبّ البقاع إلى الله وأكرمها وفيها انطلقت بعثة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقد عظّمها الله على غيرها من البلاد، وزادها مهابة ورفعة، وخصّها سبحانه وتعالى بالأمن والأمان والاطمئنان (أو لم يروا أنّا جعلنا حرماً آمناً ويتخطّف الناس من حولهم) (العنكبوت : 67)، وقد أنعم الله علينا بالجوار فيها وجعلنا في أطهر بقعة في المعمورة والعيش على ثراها الطاهر بفضله ومنّه وكرمه؛ فهل قدرناها حق قدرها بما أوجب الله تعالى علينا ؟ وإنّي أتساءل كوني من قاطنيها : هل أحوالنا وتصرُّفاتنا ومعاملاتنا تستحق لننال شرف هذا الجوار ؟ فعندما نتأمّل واقعنا في مكّة ونمط حياتنا بها نرى وضعاً مؤلماً وحالة مزرية وواقعاً محزناً فمن أبسط ما يكون فيها تلكم النظافة وما أدراكم النظافة ؟ فإنّنا نجد الإهمال بعدم وضع النفايات والقمائم في الحاويات المخصَّصة وإنّما تُرمى على قارعة الطريق إمّا من المنزل أو من نافذة السيّارة أو من المارّة والمترجّلين دون أي اعتبار لقدسيّة المكان وطهارته، ومنهم من اعتاد على البصق في الأرضيّات وفي أي موقع وبشكل مقزِّز ومثير للغثيان وهناك أناس لا يتورّعون عن إلقاء المخلّفات والأكياس الممتلئة ببقايا الأطعمة والمناديل وقصاصات الورق وعلب المشروبات والمرطِّبات الفارغة وأعقاب السجائر غير آبهين بنظافة الشارع واستشعار عظمة المكان، وإنّي أتساءل باستغراب : أليست النظافة تعدّ مطلباً شرعيّاً يحثّ عليه ديننا الحنيف انطلاقاً من مبدأ (النظافة من الإيمان) قبل أن تكون مطلباً إنسانيّاً أو صحيّاً في أي موقع كان سواءً في مكّة المكرّمة أو غيرها ؟ وكيف يكون الحال في مكّة قبلة الدنيا ؟! ألمْ يقل عليه الصلاة والسلام (فأعطوا الطريق حقَّه. وذكر منها : كفّ الأذى ..) ألا يُعَدّ ذلك من الأذى للمسلمين في طرقاتهم المنهيّ عنه ؟
ومن الممارسات اليوميّة المقلقة والمخيفة التي نراها في كل وقت وحين في مكّة ألا وهي المخالفات المروريّة التي تعجّ بها طرقاتنا وشوارعنا ومياديننا بداية من السرعة الهائلة، والتجاوزات الخاطئة، والقيادة المتهوّرة، وتعمُّد قطع الإشارات الضوئيّة ومروراً بالوقوف الخاطئ وانتهاءً بعكس السير واتجاه الطريق إلى غير ذلك ممّا لا يمكن حصره من أخطاء فادحة مشاهدة في الأرض المقدّسة، ومن المشاهد الملاحَظة كثرة المشاحنات الكلاميّة من سباب وشتم ولعن وردح في الأعراض والأشخاص، وقد ظهرت آفات اجتماعيّة محرّمة تُمارَس بين النّاس ومنها الغيبة والنميمة وقطع صلة الأرحام، والتعامل بفظاظة وسوء الخُلُق مع الآخرين، والكذب بصوره المتعدِّدة من أحاديث مغلوطة وأخبار مشبوهة ورسائل متناقلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تحمل في طيّاتها أشدّ أنواع الكذب والظلم والتجنّي على عباد الله من إشاعات مغرضة واتهامات باطلة وقذف للأعراض وانتهاك للحرمات، وقد طال ذلك إلى أذى المسلمين في أَكْلِ أموالهم دون وجه حقّ إمّا في البيع والشراء من خلال المبالغة في الأسعار أو الغش في نوعيّة السلع التجاريّة وجودتها أو التدليس في التعاملات السوقيّة وخداع الناس ورفع قيمة بعض العقارات والأراضي والإيجارات السكنيّة بأسعار خياليّة ومعدّلات تفوق طاقة الإنسان البسيط، ألا تُعدّ تلك السلوكيّات نوعاً من الأذى وشيئاً من الاعتداء على بلد الله ومعصيةً واقترافاً للذنب فيه وتجرؤاً على حَرَمِ الله ؟ ألم نفكِّر في عقوبة الله تعالى وعظم الإثم ؟ ألم نعي أنّ الله يضاعف السيّئات فيها ؟ ألمْ نقرأ قول الله تعالى : (ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ نذقه من عذابٍ أليم) (الحج : 25) ؟ ألا يدُلُّ ذلك على أنّ السيّئة في الحرم عظيمة بل وحتى الهمّ بها فيه من الوعيد الشديد ؟ ألم ندرك أنّ الطاعة في هذا البلد ليست كالطاعة في غيره من بلدان العالم والمعصية فيه ليست كالمعصية في بلدٍ آخر ؟ ألم نعلَمْ أنّ الأعمال تتفاضل بتفاضل الأمكنة والأزمنة ولا شئ يُنْجِ الإنسان من الخسارة والحرمان سوى عمله الصالح ؟ ألمْ نعلَمْ أنّ السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ كانوا يقدرون حرمة مكّة ويعظِّمونها في نفوسهم حتى أنّ منهم امتنع عن سكناها خشية الوقوع في المعاصي ؟
وأمّا إذا انتقلنا إلى المعاملات في الدوائر الحكوميّة ترى العجب في سلوك الموظّفين إمّا في تقاعسهم وتدنّي مستوى أدائهم وتقصيرهم في أعمالهم أو سوء تعاملهم وصلفهم مع الجمهور والمراجعين وغلظة بعض المسئولين وتعاليهم وانزوائهم في مكاتبهم وبُعْدِهم عن ملامسة أحوال الناس وتفقّد شؤونهم، وقد بلغ جوانب القصور حتى لدى طلبة العلم والمربّين والمعلِّمين وامتدّ أثره إلى المدارس والجامعات ودور العلم؛ بل وصل الأمر إلى التكاسل في أداء الصلوات المفروضة مع الجماعة في أوقاتها وخصوصاً صلاتي الفجر والعصر، وكذا بقيّة العبادات الأخرى، وممّا يحزن على حال ساكني هذا البلد انشغالهم بأمور الدنيا والانكباب عليها وضياع أعمارهم وأوقاتهم جرياً في طلبها وبهرجتها وانغماسهم على ملذّاتها ومفاتنها؛ بل حتى أولئك المقيمين فيها من غير أهلها إمّا بغرض التجارة أو العمل بها فقد أَنَْسَتهم الحياة الدنيا حظّهم من الأجر وحصد الخير والثواب وعلوّ الدرجات وأنّهم في خير بقاع الأرض، ولكنّهم انجرفوا فيها لاهين وقد غرّتهم زينتها وزهرتها، ومنهم من سوّل لهم الشيطان وأملى لهم فعل المنكرات وارتكاب المعاصي والبغي والفساد دونما أدنى اعتبار لعظم حرمتها ومنزلتها وسوء المصير.
ولن نتحدّث عن المحرّمات والجرائم كالزنا والفواحش والمسكرات والمخدِّرات والسرقة وعقوق الوالدين وأكل الربا والاعتداء على الأنفس التي ترتكب في مكّة من أولئك الذين ظلموا أنفسهم وعصوا خالقهم فنسأل الله لهم الهداية إلى طريق الحقِّ والرشاد والتوبة الصادقة وحسن العمل، وإنّما أردنا تسليط الضوء على تلك الممارسات المعتادة في مجتمعنا المكّي.
ولعلّ من أبرز الأسباب التي أدّت إلى هذه الممارسات والسلوكيّات الخاطئة والتصرُّفات المخالفة الآثمة، هي قلّة مستوى الوعي لدى المسلمين بمكانة مكّة ومنزلتها وحرمتها والواجب نحوها وليست كغيرها من البلدان، وضعف الوازع الديني وغياب القدوات الحسنة الصالحة، إضافة إلى انعدام العقوبات والغرامات لتلك المخالفات غير المروريّة في بلد الله، بينما الانفتاح الحضاري والتوسُّع العمراني ووسائل الاتصال والفضائيّات والثورة التقنيّة الحديثة والتغيّرات الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والتربويّة لها قصب السبق في طغيانها وتأثيرها على تشكيل طبيعة المجتمع المكّي في تغيير عاداته وتقاليده وقيمه وسلوكه وسائر شئون حياته.
لذا، كان لزاماً على ذوي الشأن وأصحاب القرار والعلماء والخطباء والوجهاء وكافّة المسلمين عموماً في جميع أرجاء المعمورة وساكني مكّة المكرّمة خصوصاً تعظيم البلد الأمين وحفظ مكانة وتاريخ وفضل مكّة المكرّمة ورفع منزلتها وإعلاء شأنها وقدرها، وذلك استشعاراً بما أوجبه الله تعالى على أمّة التوحيد نحوها أداءً لحقِّها وتأدُّباً لمقامها وتقديساً لبيتها الحرام.

■ ولعلّنا نخلص إلى بعض التوصيات المقترحة التي نأمل أن يكون لنا شرف الجوار بها ونكون أهلاً للسكن فيها والعيش على أرضها المباركة، كما يلي :
1ـ تكثيف التوعية الإسلاميّة بتعظيم مكّة المكرّمة وتعزيز مكانتها وفضلها في نفوس المسلمين من خلال وسائل الإعلام المختلفة والجامعات وخطب الجمع في المساجد والمدارس ودور العلم ومختلف المحافل المحلّية والدوليّة.
2ـ سن قوانين وأنظمة تقوم على فرض عقوبات وغرامات لأي مخالفات لا تليق ومكانة أمّ القرى، وذلك صيانة لها ورعاية لحرمتها وحماية لممتلكاتها وحفظاً لنظافتها.
3ـ إقامة دورات وبرامج تثقيفيّة وإرشاديّة تهدف إلى توعية الزائرين والمعتمرين والحجّاج قبل قدومهم إلى المملكة عن فضل مكّة ومكانتها من قبل الحملات الإسلاميّة والبعثات الدينيّة المنظّمة.
4ـ وضع شعاراً بعنوان : (معاً لتكن مكّة منار أَمْنٍ وإيمانٍ وإحسانٍ) في كافة ميادينها وشوارعها وطرقاتها يهدف إلى توجيه وتوعية ساكنيها وزائريها بأنّ مكّة بلد السلام (أمن) والعبادات (إيمان) والمعاملات ومجالات الخير (إحسان).
وأبعث رسالة لكل مسلم أكرمه الله بالعيش على أرضها الزكيّة وتربتها النقيّة أو قَدِمَ إليها أن يتّق الله تعالى في مكّة التي اصطفاها المولى عزّ وجلّ ليكون بها بيته الحرام وهو أول بيت وضع للناس، وقد أوجب حُرْمتها من سفك دم فيها وقطع شوكها ونفير صيدها والتقاط لقطتها، ولْنَعلَمْ أنّ مكّة مأرز الإيمان وموضع الإسلام والأجور فيها مضاعفة والأعمال الصالحة فيها مباركة، وتهفو النفوس إليها طمعاً للفضيلة وطلباً للخير فقد حباها الله بالأمن على الإنسان والحيوان والوحش والطير والشجر والحجر، وهي شامخة عزيزة وقبلة للمسلمين ومهوى أفئدتهم فينبغي علينا حفظ مكانتها والتزام أمر ربِّنا بأداء حقِّها والأدب بحسن جوارها، ولْيَكُنْ تعظيمنا لها في القيام بأداء الواجبات والإخلاص فيها سواءً في المنزل أو العمل أو الشارع، والتحلّي بالخُلُق الكريم وحسن المعاملة والرفق مع عباد الله، والصبر والحلم وكظم الغيظ والعفو عن المعتدين والمسيئين، وغضّ البصر فيما حرّم الله، ولْنُكْثِر من الصالحات في العبادات وأعمال البرِّ والخير، ولْنَحذر من دعوة المظلوم فإجابتها حاصلة وعقوبتها واصلة، ولْنَجْتَنب أذى المسلمين قولاً وعملاً، ولْنَبتعد عن ارتكاب المعاصي صغائرها وكبائرها، ولْنَكن قدوة حسنة في البلد الحرام للوافدين إليها من أقطار العالم وأنموذجاً صالحاً يعكس صورة مشرِّفة لمكّة وانطباعاً حضاريّاً يليق بسمعة الوطن ومكانته.

 0  0  1705
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:28 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.