• ×

04:49 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

◄ ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن طاعاته تزيد، ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب إنما العيد لمن غفرت له الذنوب.
في ليلة العيد تُفَرقُ المغفرةٌ والجوائز على العبيد فمن ناله منها شيء فله عيد وإلا فهو مطرود بعيد.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى : (كلُ يومٍ لا يُعصى اللهُ فيه فهو عيدٌ, كلُّ يومٍ يَقطعُهُ المؤمنُ في طاعةِ مولاه وذكرِهِ وشُكِرِهِ فهو له عيدٌ).
■ كان بعض العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات :
بحرمة غربتي كم ذا الصدود ● ● ● ألا تعطف علي ألا تجـــود
سرور العيد قد عم النواحي ● ● ● وحزني في ازدياد لا يبيــد
فإن كنت اقترفت خلال سوء ● ● ● فعذري في الهوى أن لا أعود
■ وأنشد غيره :
للناس عشر وعيد ● ● ● ونا فقير وحيــــد
يا غايتي ومنـــــاي ● ● ● قد لذ لي ما تريــــد
■ وأنشد الشبلي :
ليس عيد المحب قصد المصلى ● ● ● وانتظار الأمير والسلـطان
إنما العيد أن تكون لدى الحـ ● ● ● ب كريما مقربا في أمــان
■ وأنشد أحدهم :
إذا ما كنت لي عيدا ● ● ● فما أصنع بالعيـــد
جرى حبك في قلبي ● ● ● كجري الماء في العـود

■ وأعياد المؤمنين في الحنة أيامُ زيارتِـهم لربِـهم عز وجل فيزورونه ويكرمهم غايةَ الكرامةِ ويتجلى لهم وينظرون إليه فما أعطاهم شيئا هو أحبُ إليهم من ذلك وهو الزيادة التي قال الله تعالى فيها : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) قال الله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) (القيامة : 22) (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) (عبس : 38).
ليس للمحب عيد سوى قربه من محبوبه.
■ قال أحد المحبين :
إنَّ يوماً جامعاً شملي بـهم ● ● ● ذاكَ عيدٌ ليس لي عيدٌ سِواهُ

■ وقال آخر :
إنَّ عيدي يــوم آتي دارهم ● ● ● وأمرغ بثراهم مقلــتي

■ كل يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا فإنه عيد لـهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربـهم ويتجلى لهم فيه ويوم الجمعة يدعى في الجنة : يوم المزيد ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة فهذا لعموم أهل الجنة فأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا ,أما الخواص كانت أيامُ الدنيا كلُّها لـهم أعياداً فصارت أيامُهم في الآخرة كُلُّها أعياداً.

■ أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها خمسة : الشهادتان والصلاة والزكاة وصيام رمضان والحج، فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة وإكمال الصيام والحج يجتمعون عند ذلك اجتماعا عاما فأما الزكاة فليس لها وقت معين ليتخذ عيدا بل كل من ملم نصابا فحوله بحسب ملكه وأما الشهادتان فإكمالها يحصل بتحقيقهما والقيام بحقوقها وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك في كل وقت, فلذلك كانت أوقاتهم كلها أعيادا لهم في الدنيا والآخرة. كما أنشد الشبلي :
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف ● ● ● والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان مـالي منهما خلف ● ● ● طول الحنين وعين دمعها يكـف
ولما كان عيد النحر أكبر العيدين وأفضلهما ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده فقبله وبعده فقبله يوم عرفة وبعده أيام التشريق وكل هذه الأعياد أعياد لأهل الموسم كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب) خرجه أهل السنن وصححه الترمذي.
ولهذا لا يشرع لأهل الموسم صوم يوم عرفة لأنه أول أعيادهم وأكبر مجامعهم وقد أفطره النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة والناس ينظرون إليه وروي أنه نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة وروي عن سفيان بن عيينة : أنه سئل عن النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة ؟ فقال : لأنهم زوار الله وأضيافه ولا ينبغي للكريم أن يجوع أضيافه, وهذا المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضا, فإنَّ الناسَ كلَهم في ضيافه الله عز وجل لا سيما في عيد النحر فإن الناس يأكلون من لحوم نسكهم, وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيد أيضا ولهذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي بمكة : (أنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل فلا يصومن أحد) وقد يجتمعُ في يومٍ واحدٍ عيدانِ كما إذا اجتمع يومُ الجمعةِ مع يومِ عرفةَ أو يومُ النحرِ فيزدادُ ذلك اليومُ حرمةً وفضلاً لإجتماعِ عيدين فيه, وقد كان ذلك اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة فكان يوم الجمعة وفيه نزلت هذه الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (المائدة : من الآية 3)، وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل من وجوه :
1- منها : أن المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام بعد فرض الحج قبل ذلك ولا أحد منهم هذا قول أكثر العلماء أو كثير منهم فيكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها.
2- ومنها : أن الله تعالى أعاد الحج على قواعد إبراهيم عليه السلام ونفى الشرك وأهله فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد قال الشعبي : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة حين وقف موقف إبراهيم عليه السلام واضمحل الشرك وهدمت منار الجاهلية ولم يطف بالبيت عريان وكذا قال قتادة وغيره وقد قيل : إنه لم ينزل بعدها تحليل ولا ترحيم قاله أبو بكر بن عياش وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة, فلا تتم النعمة بدونـها كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما) سورة الفتح. وقال تعالى في آية الوضوء : (ومَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : الآية : 6) ومن هنا استنبط محمد بن كعب القرظي بأن الوضوء يكفر الذنوب كما وردت السنة بذلك صريحا, ويشهد له أيضا : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو ويقول : أسألك تمام النعمة فقال له : (تمام النعمة النجاة من النار ودخول الجنة) فهذه الآية تشهد لما روي في يوم عرفة أنه يوم المغفرة والعتق من النار فيوم عرفة له فضائل متعددة منها :
1- أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة.
2- أنه عيد لأهل الإسلام كما قاله عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله تعالى عنهم فإن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ويوم عرفة وروي عن عمر أنه قال : وكلاهما بحمد الله لنا عيد، خرجه ابن جرير في تفسيره ويشهد له حديث عقبة بن عامر المتقدم لكنه عيد لأهل الموقف خاصة ويشرع صيامه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء وإن خالف فيه بعض السلف.
3- أنـها قد قيل : إنه الشفع الذي أقسم الله به في كتابه وأن الوتر يوم النحر وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر خرجه الإمام أحمد والنسائي في تفسيره وقيل : إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه فقال تعالى : (وشاهد ومشهود) وفي المسند (عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا : الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة) وخرجه الترمذي مرفوعا. وروي ذلك عن علي من قوله وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا : [الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة] وعلى هذا فإذا وقع يوم عرفة في يوم الجمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهد ومشهود.
4- أنه روي أنه أفضل الأيام خرجه ابن حبان في صحيحه من (حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفضل الأيام يوم عرفة) وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء ومنهم من قال : يوم النحر أفضل الأيام لحديث عبدالله بن قرط (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر) خرجه الإمام أحمد وأبو دواد والنسائي وابن حبان في صحيحه ولفظه : [أفضل الأيام].
5- ومنها : أنه روي عن أنس بن مالك أنه قال : كان يقال : يوم عرفة بعشرة آلاف يوم يعني في الفضل وقد ذكرناه في فضل العشر، وروي عن عطاء قال : من صام يوم عرفة كان له كأجر ألفي يوم ومنها : أنه يوم الحج الأكبر عند جماعة من السلف منهم عمر وغيره وخالفهم آخرون وقالوا : يوم الحج الأكبر يوم النحر وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
نكرر ونقولوا : ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن أمن من الوعيد لمن طاعته تزيد. سئل بعضهم : متى عيدكم ؟ فقال يوم لا نعصي فيه الله سبحانه وتعالى فذلك عيدنا ليس العيد لمن لبس الثياب الفاخرة، إنما العيد لمن أمن عذاب الآخرة، ليس العيد لمن لبس الرقيق إنما العيد لمن عرف الطريق. ليس العيد مظاهر ومباهج فارغة، ولا مظاهر وفوضى، بل العيد الإسلامي شكر للمنعم واعتراف بفضله وإظهار واستبشار بنعمته، العيد الصحيح أن نعود بفضلنا وخيرنا على غيرنا، يعود بعضنا بعضاً بالزيارة والسلام والوئام، والصفاء وعدم الجفاء، بالحب الصادق والمودة الخالصة، العيد تواصلٌ وتوادٌ وتراحمٌ ليتحقق المعنى واللفظ في حياة الأمة, في العيد يتبادل الناس التهنئة الشرعية المعروفة لدى الصحابة والسلف الصالح أياً كان لفظها، من عبارات التهنئة المباحة، وقد ورد ما يدل عليها من كلام السلف كالإمام أحمد وغيره ممن يُعتد بقولهم ويُتأسى بفعلهم، من مشروعية التهنئة بالمناسبات، وتهنئة الصحابة بعضهم لبعض عند حصول ما يسر واندفاع ما يضر، ولاشك أن مثل هذه التهاني بين المسلمين في حدود الشرع المطهر من مكارم الأخلاق ومعالي الأمور ومحاسن الشيم ونبل الطباع.
وقد قال العلماء في ذلك أن تهنئ من هنأك بالعيد وتسكت إن لم يفعل ذلك وهذا أقل القليل وهذا مروي عن الإمام أحمد حيث قال : إن هنأني أحد أجبته وإلا لم أبتدئه، بهذا وأمثاله من تشريعات الإسلام العظيمة يقارب الإسلام بين الناس في تراحم ودود دون حقد، ويرسم طريقاً وسطاً مسلحاً بالعقيدة الصحيحة التي تحكم وتقارب بين الجميع وبالوازع الديني المنظم وهذا هو سمة الحياة الاجتماعية وأساسها في الإسلام، وهو نظامٌ تربويٌ متميزٌ يُوقظُ ضميرَ الفردِ وحساسيتَهُ، ويثبت ويقوي شخصيتَه وإرادتَهُ ,ولذلك كانت تربية الفرد على هذا الأساس هو إعداد له في ميدان الحياة الاجتماعية, ولهذا التهذيب والتأديب نتائجُه في السلوك الاجتماعي والإنساني المطلوبِ عقلاً وشرعاً وهي دروس رائعةٌ وكفيلةٌ بأن تهيئ للمجتمع المراد لبناته من طراز ممتاز.
ليس العيد لمن لبس الجديد، ولمن تفاخر بالعدد والعديد ، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد، واتقى ذا العرش المجيد.
ليس العيد نغمة ووتر ، ولا مباهج فارغة ولا مظاهر وفوضى ، بل العيد شكرا للمنعم عز وجل واعتراف بفضله وإظهار نعمته والمسيرة في موكب من المؤمنين إعزازا للدين وكبتا لأعداء المسلمين.

■ في العيد قضايا عديدة منها :
1- الأكل في صباح عيد الفطر قبل الصلاة وذلك بتناول تمرات لنمتثل أم الله في الإفطار كما امتثلناه في الصيام.
2- ومنها زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وإسعادا للفقير وإحياء لروح التعاون والتراحم بين المسلمين وتزكية للنفس وقهرا للشح.
3- ومنها لبس الجديد من الملابس والتطيب اعترافا بجميل صاحب الجميل تبارك وتعالى وتزينا له فهو سبحانه جميل يحب الجمال، ثم هو إظهار لنعمة الله عز وجل، ففي حديث حسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "إن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده".
4- ومنها الذهابُ الى المسجد من طريق طويل والعودة من طريق قصير.
5- منها زيارة الأهل والأقارب والجيران ومصالحتهم إن كانت هناك جفوة أو خصومة, العيد أن يعود بعضنا على بعض بالزيارة والسلام والصفاء والحب والود والإخاء.

■ من الأمور التي هي من المنكرات والتي حذر منها ديننا الحنيف، والتي سأذكرها لك أخي حتى تبرأ ذمتنا بتبليغ ديننا، وحرمة كتمانه، وحتى لا يبقى للناس على الله حجة، من هذه المنكرات :
1. اختلاط الرجال بالنساء في المنتزهات والحدائق وأماكن الزيارات، مع ما يحصل في ذلك من الفتن التي لا يسلم منها من فعل ذلك، كالمصافحة التي لا تجوز بين الرجل الأجنبي والمرأة الأجنبية، وغير ذلك.
2. استقبال العيد بالغناء والرقص والمنكرات، بدعوى إظهار الفرح والسرور.
3. من النساء من تخرج إلى المصلى؛ لكن لا للعبادة، بل لإظهار الزينة ولفت الأنظار إليها، وهذا لا يجوز؛ لأن الإسلام أمر المرأة بالستر وعدم إبداء الزينة الداخلية، وحتى الزينة الخارجية التي تغري الناس وتفتنهم لا يحل للمرأة إظهارها.
4. السهر ليلة العيد، مما يؤدي إلى تضييع صلاة الفجر والعيد معاً.
5. الإسراف والتبذير حتى لو كان في أمور مباحة.
6. يحرم صيام يوم العيد؛ لأنه يوم أكل وشرب وذكر لله، وكذا يحرم صيام أيام التشريق وهي يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، إلا للحاج الذي عليه كفارة في الحج.
7. من المنكرات : إشعال النار ليلة العيد؛ لأنه من شعار المجوس ومن فعلهم أيام أعيادهم وغيرها.
فهذه بعض ما يفعل في يوم العيد من الأمور المشاهدة والمسموعة والتي لا يجيزها شرعنا. ولو أردنا تفصيل الأدلة في ذلك لما اتسع له الوقت والمقام، نسأل الله أن يصلح منا ما فسد، وأن يعافينا من البلاء والفتن. والله الموفق. العيد أن نتمسك بشرعنا وقرآننا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال الشاعر الغيور على دينه :
العيد أقبل يا أخيَّ فلا تكن ● ● ● فرحا به فما هو عيد
ما العيد إلا أن نعود لديننا ● ● ● حتى يعود نعيمنا المفقود
ما العيد إلا أن نكـــوِّن أمة ● ● ● فيها محمد لا سواه عميد
ما العيد إلا أن يُرى قــرآننا ● ● ● بين الأنام لواؤه معقود
جاء رمضان ومضى، وكأنه برق خاطف، حاملاً حصيلة أعمالنا من صوم وصلاة وصدقة وبر وإحسان وقراءة للقرآن، فطوبى لعبد اغتنم الأداء وأحسن الانتهاء، فحصل على النجاة عند اللقاء، وحل العيد بنا ضيفًا عزيزًا على قلوبنا، فهل لنا من وقفة وفاء لرمضان ؟ إن الوفاء من شيمة الإسلام، ومن لا وفاء له لا خلاق له، عن أبي أيوب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ قال : (من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر) رَوَاهُ مُسلِم.
إن كثيرًا من الناس يهتم في رمضان بمختلف صنوف الطاعات والقربات، فإذا ودع الشهر هجر هذه الطاعات، وكأنه لا يعرف الله إلا في رمضان، وكأن رب رمضان ليس ربًا لسائر أشهر العام. فهناك من يقبل على كتاب الله في رمضان ويختمه مرارًا وقد هجره طوال العام، (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان : 30). وهناك من كان أخًا للمسجد فإذا انتهى رمضان فإنه لا يعرف إلى المسجد سبيلاً، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كتب إلى سلمان رضي الله عنه : يا أخي، ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله يقول : (المسجد بيت كل تقي، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة والجواز على الصراط إلى رضوان الرب) رواه البيهقي.
ليقف كل واحد منا مع نفسه ويسأل : كيف استقبل ضيفه العزيز رمضان ؟ هل أطعمت جارًا ؟ هل زرت أخا في الله ؟ هل نصرت مظلومًا ؟ هل آويت يتيمًا ؟ هل بررت والديك ؟ هل قمت بصلة الأرحام ؟ هل عدت مريضًا ؟ هل فطرت صائمًا ؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها ونحن قد ودعنا هذا الشهر الكريم، ليتبين الفائز من العاثر والرابح من الخاسر.
أتمنى من الله تعالى أن نكون قد تخرجنا من مدرسة رمضان وقد غسلنا قلوبنا من كل غل وحقد وحسد وبغضاء وشحناء، وطهرنا ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور.

■ ويسن للمسلم ـ أيها الإخوة ـ أن يُظهِر الفرح والبشاشة لمن لقيه في يوم العيد لما روي عن حبيب بن عمر الأنصاري قال: حدثني أبي قال: لقيت واثلة يوم عيد فقلت: تقبّل اللّه منا ومنك، فقال: تقبل اللّه منا ومنك. رواه البيهقي.
فأسأل الله العلي الكبير أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأمتنا الإسلامية بألف خير. واهنَؤوا بعيدكم، والزموا الصلاحَ، وأصلحوا، فالعيد يومُ فرَح وسرورٍ لمن قبِل الله صيامَه وقيامَه وصحّت لله نيته، ويومُ ابتهاجٍ وتهانٍ لمن حسُن خُلُقه وطابَت سَرِيرتُه، يومُ عفوٍ وإحسان لمن عفَا عمّن هفا وأحسَن لمن أسَاء، يومُ عيدٍ لمن شَغَله عيبُه عن عيوبِ النّاس.
يستحق التّهنِئَةَ بالعيد الموسِر الذي يزرَع البسمةَ على شِفاه المحتاجين، والشَّفوقُ الذي يعطِف على الأرامِلِ واليتامى والمساكين، والصحيحُ الذي يتفقَّد المرضى والمقعَدين، والطّليق الذي يرعَى السجناءَ والمأسورين.

■ وفي المقابِلِ ـ أيّها المسلمون ـ ليس العيدُ لمن عقَّ والدَيه فحُرِم الرّضَا في هذا اليومِ المبارَك السعيد، وليس العيدُ لمن يحسُد الناسَ على ما آتاهم الله من فَضله، وليس العيدُ لخائنٍ غشّاش كذّاب يسعى بالأذَى والفسادِ والنميمةِ بين الأنام. كيف يسعَد بالعيد من تجمَّلَ بالجديد وقلبُه على أخيهِ أسود ؟! كيف يفرح بالعيدِ من أضاع أموالَه في الملاهِي المحرَّمة والفسوقِ والفجور ؟! يمنَع حقَّ الفقراء والضعفاء ولا يخشى البعثَ والنشور، لا يعرِف من العيدِ إلا المآكلَ والثوبَ الجديد، ولا يفقَه مِن معانيه إلاّ ما اعتاده من العاداتِ والتقاليد، ليس لهم منَ العيد إلا مظاهرُه، وليس لهم من الحظِّ إلى عواثِرُه.
واهنؤوا ـ رحمكم الله ـ بعيدِكم، والزَموا حدودَ ربِّكم، وصوموا عن المحارِمِ كلَّ دَهركم؛ تكُن لكم أعيادٌ في الأرض وأعيادٌ في السماء.
ومِن مظاهرِ الإحسانِ بعد رمضان استدامةُ العبد على النّهج المستقيم ومداومَةُ الطّاعة وإتباع الحسنَة الحسنة، فذلك دليلٌ على قَبول الطاعات،

■ أيها المسلمون :
هنيئًا لكم هذا اليومُ البهيج، هنيئًا لكم هذا اليومُ المجيد، هنيئًا لكم يومُ العيد السعيد، هنيئًا لكم عيدُ الإفطار ويومُ الأفراحِ والمسارّ والبهجة والأنوار، جعَلَه الله مقرونًا بالقَبول ودَركِ البُغيةِ ونُجح المأمول، وعاودتكم السُّعود ما عاد عيد واخضرّ عود، صبحٌ أزهر ويوم أغرّ وسعادة كبرى ومِنّة عظمى، فلك الحمد ـ يا ربي ـ على إكمال عِدّة الصيامِ، ولك الحمد ـ يا ربي ـ على إدراك رمضان حتى التمام وحضوره حتى الختام، جعَلَنا الله ممن أُعتق فيه من النار وأُنزل منازلَ الصادقين الأبرار.
شباب الإسلام، أنتم أمل الأمة ورجال المستقبل، ولن تبنوا أمجادكم وتؤمّنوا مستقبلكم وتقوموا بحمل الأمانة تجاه دينكم وأمتكم وبلادكم إلا بالاستقامة على دين الله والتحلي بالصبر والمثابرة والأخلاق الكريمة والبعد عن الرذائل والفساد والانحراف، صونوا أنفسكم عن الملهيات والمغريات، لا تغتروا ـ أيها الشباب ـ بشبابكم وصحتكم، فالموت لا يفرق بين صغير وكبير ولا غني وفقير، تفطنوا لمخططات أعدائكم تجاهكم، وكونوا منها على حذرٍ وحيطة.

■ أيها الأخوات المسلمات والنساء الفاضلات :
إن مكانتكن في الإسلام عظيمة، أنتن الأمهات المشفقات والأخوات الكريمات والمربيات الرحيمات والبنات الفاضلات، لقد فتح الإسلام لكُنَّ أبواب الفضائل، صانكن ورعاكن وحماكن، فالمرأة في هذا الدين درة مصونة وجوهرة مكنونة، حافظ عليها بالستر والحياء والحجاب، ونهى عن كل ما يكون سببًا في التعدي عليها وإيقاع الفتنة بها، من التبرج والسفور والاختلاط والخروج إلى الأسواق، فكن ـ أيتها الأخوات المسلمات ـ عزيزات بدينكن، واحذرن من أعدائكن الذين يلبسون أبهى الحلل، وينادون بألسنة الحلاوة والعسل، بدعوى تحرير المرأة وإنصافها، وهم يريدون القضاء عليها وإهدار عزتها وكرامتها.
ومما ينبغي التحذير منه أن بعض النساء ـ هداهن الله ـ يفهمن الحجاب على غير ما شرع الله، فبعضهن يسترن الرأس فقط، وبعضهن يبدين الأعين بشكل مريب وفاتن، وهذا مخالف للحجاب الشرعي الكامل للمرأة في وجهها وكفيها وجميع بدنها، قال الله تعالى : (ياأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لأزْواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ) (الأحزاب : 59).

■ التهنئة بيوم العيد.
أما بالنسبة للتهنئة بيوم العيد فإن التهنئة بالعيد قد جاء ما يدل على مشروعيتها عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم, فقد جاء عن محمد بن زياد قال : (كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنكم) قال أحمد رحمه الله : إسناد حديث أبي أمامة جيد, وكذلك ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى, واحتج على مشروعية ذلك بهذه الرواية التي رواها البيهقي رحمه الله, وقال البيهقي : باب ما روي في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد : تقبل الله منا ومنك, وساق ما ذكره من أخبار وآثار بمجموعها ترتقي إلى درجة الحسن, ولو قال لفظاً آخر من الألفاظ في التهنئة بالعيد فلا بأس, كما قال ابن عابدين رحمه الله : والمتعامل في بلاد الشامية والمصرية : عيد مبارك عليك ونحوه, فإذاً لو دعا له بالبركة في العيد أو أن يكون مباركاً عليه فلا بأس بذلك.
وسئل الإمام مالك رحمه الله عن قول الرجل لأخيه يوم العيد : (تقبل الله منا ومنك) يريد الصيام، يعني تقبل الله منك الصيام, فقال : (لا أعرفه ولا أنكره) معنى : لا أعرفه ولا أنكره أي : لا أعرف أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون سنة ولا يكون بدعة فأنكره. فإذاً لو قال المسلم لأخيه في العيد أي كلمة طيبة فلا بأس بذلك.
وبالنسبة للتهنئة بسائر الأعوام والشهور كأن يقول إذا دخل العام الهجري الجديد : عام مبارك, أو بارك الله لك في هذا العام, فقد قال الحافظ المنذري نقلاً عن الحافظ المقدسي أنه أجاب عن ذلك بأن الناس لم يزالوا مختلفين فيه, والذي أراه أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة, فإذا قال : عام جديد مبارك بارك الله لك في هذه السنة شهر مبارك ونحو ذلك يدعو الله أن يكون هذا الشهر شهراً مباركاً عليه, فلا بأس بذلك, وكذلك نقل القليوبي رحمه الله عن ابن حجر أن التهنئة بالأعياد والشهور والأيام مندوبة, أي: على وجه العموم, وهذه قد لا يكون فيها حديث مرفوع ولا سنة معلومة معينة لكن من عموم التهنئة أنه إذا دخل العام الجديد فلا بأس.
■ كل عام والأمتان العربية والإسلامية بألف خير.

 0  0  2675
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:49 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.