• ×

05:27 صباحًا , الإثنين 25 ربيع الثاني 1438 / 23 يناير 2017

◄ فلسفة الواقع المر : الفراق !
الفراق هو أن يموت شيء بداخلك وأنت مازلت حيا، فالفراق حالة انفصال روح واحدة عن جسدين متآلفين متاحبين، فيشعر كل جسد بعد هذا الانفصال بأن كل عضو فيه يحن للإتقاء بذالك الجسد الآخر والاندماج فيه والامتزاج به والانصهار في بوتقته، في الفراق نعرف جيداً حزناً إسمة الحرمان من شيء كان مصدر سعادة لنا وندرك لغة جديدة إسمها الفقدان لشيء كان يملئ كل الفراغ المحيط بنا، والفراق حالة خاصة لايدرك أسرارها سوى القلوب الطيبة التي لا تعرف سوى الصدق منهجاً لها والبياض لوناً لها.
في الفراق نكتشف أن الحياة هي ذاتها لم تتغير لكن شيئاً بداخلنا هو الذي تغير وهو الذي أصابه العطب والخلل والكسر فتغيرت معه كل إستجابات مشاعرنا وأحاسيسنا لكل ما يحيط بنا من أزمنة وأمكنة وتفاعل مع الأشخاص والأشياء فأصبح كل ما حولنا باهتاً ومملاً ولا يوجد أي حدث يملأ الفراغ الكبير الذي يحيط بنا من كل جانب.
وليس صحيحاً أن الفراق دائماً انفجار مليئ بالضجيج والصخب فبعض الفراق إرتياح وإنشراح ولا سيما حينما يكون من نحب لا يبادلنا الحب ذاته والشعور ذاته، فالفراق هنا فرصة لحفظ كرامة الذات وماء العزة من الاذلال والهوان لمن لا يستحقها فالإنسان كبرياء وكرامة وحينما يتنازل عنها بإسم الحب فهو يتنازل عن ما هو أهم من الحب والحبيب، يخسر ذاته وكبرياءة، والفراق في مثل هذة الحالة هو طوق نجاة وأمل جديد لرؤية الأشياء من منظارها الصحيح والموضوعي وفرصة جديدة للحب من جديد والعثور على الشخص المناسب الذي يهتم بنا ويبادلنا المشاعر ذاتها والاحتياجات ذاتها أو على الأقل فرصة لكي نحيا بهدوء وصمت دون خوف أو حزن، فقلبنا بين أيدينا نملكه نحن وليس بيد شخص آخر يلعب به مرة بأسم الحب ومرة بأسم الغيرة ومرة بأسم الخوف ومرة بأسم الشك، وهنا يجب أن لا نخاف من الفراق أو من الخسارة فالغابات المحروقة تعاود نموها وكل شجرة تمسها يد الشتاء لابد وأن تمسها يد الربيع وكل موت يقود بمعنى ما إلى حياة أخرى أو تقمص جديد، فالحب ابتداءً وانتهاء هو عطاء وتضحية وصبر وحنو على الآخر دون انتظار المقابل.
والفراق قد يكون أحياناً فرصة لمعرفة حجم احتياجنا إلى الآخر ومدى حاجته هو أيضاً الينا ووقفة تأمل مع الذات ولحظة صمت عميقة لمراجعة كل حساباتنا وتصرفاتنا القديمة ومن ثم فلترة عواطفنا لكي نخرج منها كل شولئب الأنانية وترسبات الوهم.
والفراق حالة تأجج لكل الأشواق بداخلنا وصرخة حنين من صوت القلب لكل الأحبة الغائبين والراحلين الذين مضوا بعيداً إلى حياة أخرى وعالم آخر، فرق بيننا وبينهم الموت فرحلوا بأجسادهم وتبقت ذكراهم العطرة كالمسك لا نملك سوى الدعاء والصبر وكلما مر طيفهم قلنا بكل الصدق : (الله يذكرهم بالخير) !
والفراق يعلمنا الصمت والتأمل ونفهم معنى أن يكون المرء وحيداً وسط صخب الحياة وضجيج الناس، وفي الفراق نكتشف أن حياتنا تسير بإنتظام فيما القلب تسوده الفوضى والاضطراب.
وبعض الفراق دمعة ولوعة وجرح لا ينتهي إلا بانتهاء العمر يصبح المرء فيها أسيراً لعباءة الماضي الجميل الحزين، وبعض الفراق دمعة سرعان ما تجف سريعاً ولوعة محدودة الأثر والتأثير وجرح سهل أن تداوية الأيام بسرعة، فبعض الجروح يأتي بها الزمن ويذهب بها الزمن أيضاً.
والفراق هو في النهاية جزء من نمو الحب وتطوره وحركته الدائمة التي لا تعرف الثبات والاستقرار وهو جزء من كينونة الحياة التي نعيشها وبالتالي يجب أن ننظر إليه أحياناً كشيء واقع وأمر يحدث لكل البشر وفي كل العلاقات وليس شيئاً يختص به الفقراء دون الأغنياء ولا المحبون دون الغرباء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( قسم الروابط الإلكترونية ) .

 0  0  1591
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:27 صباحًا الإثنين 25 ربيع الثاني 1438 / 23 يناير 2017.