• ×

03:16 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله القائل في محكم كتابه الكريم : (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ● يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ● يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ● يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات : آيات 10-11-12-13).
وقد ورد بالأثر أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" كان معه جماعة من بعض الصحابة - الذين عاصروه حديثي الدخول بالاسلام - فنالوا من عرض أخ لهم بكلام شنيع لا يقبله أي مستمع مسلم ومؤمن حق الإيمان، فحاولوا التنصل من حجم الذنب الكبير الذي نهاهم عنه الله تعالى بالآيات الكريمة بسورة الحجرات أعلاه، فرد عليهم الرسول "صلى الله عليه وسلم" بان الغيبة والنميمة حرام لا محالة، وأنها فعلاً تعادل أكل اللحم النئ من لحوم المسلمين، واراد أن يثبت لهم بالدليل القاطع، فقال للرجل الأول : ابصق ما في فمك ؟ فبصق فخرج دماً أحمراً قراحاً ؟ ثم قال للرجل الثاني ثم للرجل الثالث فكانوا جميعاً مثلما بصق الأول، فعرفهم أن الله تعالى شاهد وشهيد على كل فعل وأمر في الأرض وفي السماء، وأن النبي "صلى الله عليه وسلم" رسول الله صدقاً وحقاً (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاَّ وحي يوحى * علمه شديد القوى).
فحريٌّ بنا جميعاً أيها الأخوة الأعزاء - مسلمين عامة وصائمين خاصة - أن نتأكد ونؤمن حق الإيمان بدرجة يرفعنا إيماننا إلى درجة الأحسان ونعرف تماماً بأن الله يرانا إذا كنا نحن لا نراه ؟ بل كيف لا نراه وقد قال ذلك الإعرابي في بطن الصحراء العربية وهو يتدبر ويتفكر بقدرة ووجود هذا الرب والخالق العظيم : الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير .. فكيف لا يكون لهذا الكون إلها وربا لا يدبره ويرزق عباده الذي خلقهم وتكفل بذاته العلية ولدنه السامي برزق كل روح منهم ولو كان كافراً به.
ولا غرو أنه يجب أن تكون النية خالصة لله تعالى بكل عمل فإنه كما ورد بالحديث الشريف : (إنما الأعمال بالنيات) فأن الصيام الكامل والصادق والذي يرتجي المسلم كمال القبول من الله تعالى فيجب أن يكون الصيام صيام الجوارح وليس الصيام الامتناع عن الأكل والشرب فقط، هذا كان الصيام فرضاً من الرجل والأنثى كصيام شهر رمضان المبارك، أما كان صيام نافلة فلا يقبل صيام امرأة بدون إذن زوجها بتاتاً (ولو كانت نيتها لله تعالى) فقد شبهه الله تعالى واصدر عليه الحكم والفتوى القاطعة بأنه (جوع وعطش) أي بدون أجر أو ثواب. فلتنظر المرأة أنها مرتبطة مع زوجها بالميثاق الغليظ وهو عقد الزواج، فليس لها أن تخرج عن طاعته بتاتاً بأي شئ (إلا في غير طاعة الله فقط لا غير) وذلك من القاعدة الأصولية بالفقه الإسلامي (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وليس الموضوع أو سبب الطاعة هو للتمكن من المباضعة أو الجماع ليلاً ونهاراً بعدم قبول الصوم، بل من اعتبار مقام الزوج من الله تعالى عند هذه المرأة التي هي أمانة عنده وهي عاره الذي يحافظ عليه ويفديه بروحه قبل جسمه والدفاع عليها بكل ما يملك من قوة جسمية أو مادية أو غير ذلك، بل أنه بالدنيا تكون أقرب إليه من بنيه وأمه وأبيه، وستكون زوجته بالأخرة في الجنة بل سيدة الحور العين إذا كانا جميعاً من أهل الجنة ؟ (ولوصف جمال الحور العين بالجنة لطفاً أقرأ مقالنا - بهذا الموقع العظيم - بعنوان : بشراك يا صائم الشهر وحاج البيت وغاض الطرف) وجعلنا الله من أهل الفردوس الأعلى بالجنة وممن يتمتع بوجه الله الكريم بدون حجاب كما وعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

■ ثم إليك هذه القصص لوجوب عدم الغيبة والنميمة :
قصَّة حدثَتْ في اليونان القديمة (399 - 469 ق.م)، حيث اشتُهِر "سُقْراط" بِحِكمته البالغة، وفي أحد الأيَّام صادف الفيلسوفُ "سقراط" أحدَ معارفه الذي جلس معه، وقال له بِتَلهُّف : "سقراط، أتعلم ما سَمِعْت عن أحد أقربائك ؟".
انتَظِر لحظة، ردَّ عليه سقراط قائلاً : "قبل أن تُخبرني أوَدُّ منك أن تجتاز امتحانًا صغيرًا يُدعَى (امتحان الفلتر الثلاثي)".
فردَّ الرجل مستغرِبًا : "الفلتر الثلاثي ؟!" ثُم تابع سقراط قائلاً : "قبل أن تخبرني عن أقاربي هذا لِنَأخذْ لحظة "لِنُفلتر" ما كنت ستقوله، و (الفلتر) الأوَّل هو : "فلتر الصِّدق" : هل أنت متأكِّد أن ما ستُخْبرني به صحيحٌ 100 %؛ أيْ : إنَّه حدث أمام عينك وعلمْتَه علم اليقين ؟".
"لا"، ردَّ الرجل قائلاً : "في الواقع لقد سَمِعت الخبَر سماعًا، ولكنَّه".
قال سقراط : "حسنًا حسنًا، لِنجرِّب (الفلتر) الثاني" : "فلتر الطيبة" : "هل ما ستُخبرني به عن أقاربي شيءٌ طيِّب أفرح به إذا سمعتُه ؟" قال الرجل : "لا، في الواقع ما أظنُّه هو على العكس تَمامًا، لكن".
قال سقراط : "حسنًا حسنًا"، وتابع قائلاً : "إذًا أنت تريد أن تُخبرني شيئًا سيِّئًا عن أحد أقاربي هذا، كنتَ قد سمعته ولم ترَه بعينك، صحيح ؟".
بدأ الرَّجل بالشُّعور بالإحراج، فأكمل سقراط قائلاً : "حسنًا حسنًا، ما زال بإمكانك أن تنجح في الامتحان؛ فهناك (فلتر) ثالث" : "فلتر الفائدة" : "هل ما ستخبرني به عن أقاربي سيفيدني ؟" فردَّ الرجل : "في الواقع لا أظنُّ أنه سيفيدك، ولكنِّي ..".
"إذًا"، تابعَ سقراط قائلاً : "إذا كنت ستخبرني بشيء كنت قد سَمِعتَه، لا هو بطيِّب، ولا بِذِي فائدة بالنِّسبة لي، بل قد يسبِّب لي الأذى النَّفسي، فلماذا تُخبِرني به من الأصل ؟".
فكَّر هذا الرجل مليًّا، ورجع عمَّا كان ينوي قوله، ووعد "سقراط" بعدم العودة لِمِثل هذا الأمر مرَّة أخرى؛ لِهَذا السبب كان سقراط فيلسوفًا يقدِّره الناس، ويضعونه في مكانةٍ عالية.
هل مرَّ أحَدُكم بِمَوقف مشابه ؟ هل كنتَ جالسًا في يومٍ مع أحدٍ ما فإذا به يتكلَّم عن أحدِ أقربائك أو أعزَّائك أو أحبَّائك أو معارفك بِسُوء ؟ يقول مثلاً : "سمعتُ أن فلانًا - مِن معارفك أو أقربائك - يحبُّ نفسه فقط، ولا يساعد الناس مطلقًا، يُقال : إنَّ فلانًا هذا بخيل، ولا يقيم الولائم، إنَّ فلانً هذا في الحقيقة جيِّد ولكن الموقف الفلاني الذي صدر منه كان سيِّئًا للغاية، لولا العيب الفلانِيُّ في هذا الشخص لكان مِن أفضل الناس، إن فلانة جيِّدة وأنا أحترمها، ولكن شخصيَّتَها أقوى من اللاَّزم" ؟
يا ترى، ماذا كان ردُّ فعْلِك ؟ هل شعرت بالأسَى أو الْحُزن، أو الأذى النفسيِّ لسماعك هذا الكلام ؟ هل تَملَّكَك شعورٌ بالغضب أو التَّساؤل عن الأسباب التي دفعَتْ هذا الشَّخص للتحدُّث عمَّن تُحبُّ بِهذا السُّوء ؟ هل دافعْتَ عن هؤلاء ودخلْتَ في جدل ؟ أم أنَّك أردْتَ ذلك ولكنَّك لَم تفعل ؟ هل بقي الموضوعُ في بالك وكان له أثَرٌ سلبِيٌّ في نفسك، ومِن ثَمَّ في علاقتك بِمَن تعرف ؟ إنَّها الغيبة وما تُحْدِثه من آثار سيِّئة في النُّفوس، ومِن ثَمَّ في العلاقات الاجتماعيَّة.
فمَن يَخشى الله في لسانه ؟ مَن يفكِّر قبل الكلام خشيةً لله - عزَّ وجلَّ ؟ مَن يُحاسب نفسه على ما يلفظ ويتَّقي الله في ما يقول ؟ قال تعالى : ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق : 18)، فلْنَحذر ولْنَتجنَّب أخطر آفات اللِّسان : الغِيبة والنَّميمة.

● والغيبة : هي ذِكْرُ المرء بِما يكْرَهه، سواءٌ كان ذلك في بدَنِ الشَّخص، أو دينه أو دُنْياه، أو نفسه، أو خَلْقه أو خُلُقِه، أو ماله، أو والدِه، أو ولَدِه، أو زوجه، أو أقاربه، أو خادِمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طَلاقَتِه، أو عُبوسته، أو غير ذلك مِمَّا يتعلَّق به، سواء ذكَرْتَه باللفظ أو الإشارة أو الرَّمز.
ومن الصُّوَر التي تُعدُّ أيضًا في الغيبة قولُهم عند ذِكْره : الله يُعافينا، الله يَتُوب علينا، نسأل الله السَّلامة، ونَحو ذلك، فكلُّ ذلك من الغيبة.
ومن صُوَر الغيبة ما قد يَخْرج من المرء على صورة التعجُّب أو الاغتمام، أو إنكار المنكر، قال ابن تيميَّة : (ومنهم من يُخرج الغيبة في قالب التعجُّب، فيقول: تعجَّبْتُ من فلانٍ كيف لا يَعْمل كذا وكذا ؟! ومنهم مَن يُخرج الغيبة في قالب الاغتمام، فيقول: مسكين فلان، غمَّنِي ما جرى له !).
وأكَّد هذا الأمرَ العظيمَ رسولُ الله - عليه الصَّلاة والسَّلام - وحذَّر منه بشدة في أحاديثَ كثيرةٍ، منها قوله : (أتدرون ما الغيبة ؟) قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : (ذِكْرُك أخاك بِما يكره)، قيل : أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : (إن كان فيه ما تقول فقد اغتَبْتَه، وإن لَم يكن فيه ما تقول فقد بَهتَّه [1]) [2]، وفي هذا دلالة واضحة أنَّه حتَّى لو كان فيه ما تقول من سوء فقد ارتكبْتَ إثْمَ الغيبة، وقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - : (يا معشر مَن آمن بلسانه ولَم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا الْمُسلمين، ولا تتبعوا عوراتِهم؛ فإنَّه من يتبعْ عورةَ أخيه المسلم يَتبعِ اللهُ عورتَه ويفضحه ولو كان في جوف بيته) [3].

■ وقفة مع ومضات مضيئة من علم النَّفس :
أوصى الكاتب "أنتوني روبنز" في كتابه "قدرات غير مَحْدودة" بالْحَذر الشديد من الغيبة؛ لِما فيها من آثار سلبيَّة على النَّفْس، وفي ذلك يقول : (ابتَعِد عن مَجالس الغيبة والنَّميمة، ففي هذه الجلسات يتحدَّث الجميع عن عاداتِ شَخْصٍ ما في العمل وحياته الخاصَّة ومركَزِه المالِيِّ .. إلخ، فمجالس الغيبة والنَّميمة مثل الانتحار، والموت البطيء للذات، فهم يُسمِّمون عقلك بتركيز انتباهك على ما يَفْعله الآخرون في حياتِهم الخاصَّة، بدلاً من التَّركيز على ما تستطيع القيامَ به لتعزيز خبراتك في الحياة، وَمِن السهل أن تقع فريسةً لِهذه المَجالس، ولكن تذكَّرْ أنَّ مَن يفعلون ذلك يُحاولون انتشال أنفسهم من الْمَلَل الذي أوجدوه لديهم؛ لِعَدم قدرتِهم على تحقيق النتائج الَّتِي يرغبونها في حياتهم الخاصَّة).
ويُضيف "روبنز" قائلاً : (هناك عبارة استخدمها الحكيم الْهِندي "رولينج ثندر" كثيرًا تقول : "تَحدَّث بالخيْر فقط"، تذكَّر إذًا أنَّ ما تزرعه تحصده، وهكذا فإنَّ التحدِّي الذي أضعه أمامك أن تظلَّ بِمَنأًى عن نفايات الحياة، فلا تشتغل كثيرًا بالحقير من الأمور، أما إذا أردت أن تكون راضيًا بِما معك - أيْ : لا تَمْتلك الرغبة والطُّموح للارتقاء بنفسك - فأَمْضِ وقتك في الغيبة، أمَّا إذا أردت إحداثَ فارق، فعليك بتحدِّي نفسك واختبارها، واجعل من حياتك شيئًا خاصًّا).

● أمَّا النميمة : فهي نَقْل كلام النَّاس بعضهم إلى بعض؛ مِن أَجْل الإفساد وإيقاد نيران الحِقْد والعداوة بينهم، وقد ذمَّ الله تعالى صاحِبَ هذا الفعل، فقال - عزَّ وجلَّ - : ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ (القلم : 10 - 11)؛ أيْ : لا تُطِع ولا تسمع لكلِّ حلاَّفٍ مهين؛ أيِ : الذي يُكْثِر الحلف وهو كاذب، والْهمَّاز الذي يغتاب الناس، والمشَّاء بنميم : هو الذي يمشي بين الناس وينقل الحديث لإفساد ذات البَيْن؛ أيْ : يَذْهب إلى شخص ويقول له : إنَّ فلانًا قال فيك كذا وكذا؛ بِهَدف الإفساد بينهم، قال النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - : (لا يدخل الجنة قتَّات) [4]؛ يعني نَمَّام.

● من الأثر : قد جاء أنَّ رجلاً ذَكر للخليفة عمر بن عبدالعزيز رجلاً بشيء، فقال عمرُ : إن شئْتَ نظرنا في أمرك، فإنْ كنت كاذِبًا فأنت من أهل هذه الآية : ﴿إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات : 6)، وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية : ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ﴾ (سورة القلم : 11)، وإن شئتَ عفونا عنك، قال : العفو يا أميرَ المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا.

● احذر مداخل الشيطان : البعض قد يزيِّن لَهم الشيطان أنَّ قولَهم هذا - الغيبة - هو من باب النَّصيحة، نعم، النَّصيحة مطلوبة، ولكن على المسلم أن يُراعي آدابَ النَّصيحة، فتكون مع الشَّخص نفسه - وليس مع معارفه أو الآخرين - وأن تكون سرًّا وفي مَعْزِل، يقول أحَدُ السَّلَف: "المؤمن يَسْتر وينْصَح، والفاجر يَهْتك ويُعيِّر"، وصدق الشافعيُّ عندما قال :
تَغَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِي ● ● ● وَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الْجَمَاعَهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ● ● ● مِنَ التَّوْبِيخِ، لاَ أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ

● الْحساب في حالات الظُّلم : الحساب يوم القيامة في الحالات التي ذكَرْناها مسبقًا "الغيبة والنَّميمة"، وغيرها من حالات الظُّلم، كالْحسَد والشَّتم والسَّب، وغيرها من الْمَظالِم، سواء كانت في مالٍ أو بدَنٍ أو عِرْض، يتمُّ عن طريق "الْمُقاصَّة"، وهذا يَعْني أن يُؤخَذ من حسنات الظالم لِتَنْزل في ميزان حسنات المظلوم، فإنْ لَم توجد حسنات تكفي، يُؤخذ من سيِّئات المظلوم لِتُطرح في ميزان سيِّئات الظَّالِم، وهكذا؛ قال تعالى : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء : 47).

● من أجْل ذلك قال بعضُ العلماء : إنَّك إذا قُمْتَ بِظُلم إنسان معيَّن، اغتَبْتَه مثلاً أو قمت بشتمه أو سَبِّه أو حسده، فعليك بثلاثة أمور :
♦ الأمر الأول : التَّوبة والعَزْم على عدم العودة لِمِثل هذا.
♦ الأمر الثاني : رَدُّ الحقِّ لأهله، كأنْ تَذْكر الشخص الذي اغتبْتَه بِخير، وكلَّما تذكَّرتَه.
♦ الأمر الثالث : الإكثار من الدُّعاء والاستغفار له، وفي هذه الحالة فإنَّ هذا الدعاء والاستغفار هو الذي سوف يؤخذ منك لِيُطرح في ميزان حسنات المظلوم.
والدَّليل جاء في قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : (أتَدْرون مَن الْمُفْلِس ؟) قالوا : الْمُفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع، فقال : (إنَّ الْمُفلس من أُمَّتِي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيام وزَكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيَت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم فطُرِحت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّار) [5] .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - وفي تعقيب على هذا الحديث قال : "يُؤْخَذ بيد العبد أو الأمَة يوم القيامة فيُنادى به على رؤوس الخلائق : هذا فلان ابن فلان، مَن كان له عليه حقٌّ فلْيَأت إلى حقِّه، قال : فتفرح المرأة أن يكون لَها حقٌّ على زوجها أو أبيها أو أخيها، ثُمَّ قرأ قوْلَه تعالى : ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون : 101)، قال : فيَغْفر الله مِن حقِّه ما شاء، ولا يَغْفر من حقوق الناس شيئًا، فيُنصب العبد للنَّاس، ثُمَّ يقول الله تعالى لأصحاب الْحُقوق : ائْتُوا إلى حقوقكم، قال : فيقول الله للملائكة : خُذوا من أعماله الصَّالِحة، فأَعْطوا كل ذي حقٍّ حقَّه بِقَدْر مظلمته، فإن كان وليًّا لله، وفضل له مثقال ذرَّة، ضاعفها الله تعالى له حتَّى يُدْخِله إلى الجنة بِها، وإن لم يفضل له شيءٌ فتقول الملائكة : ربَّنا، فنِيَت حسناته وبَقِي طالِبُوه، فيقول الله : خذوا من سيِّئاتِهم فأضيفوها إلى سيِّئاته، ثُمَّ صكَّ له صكًّا في النار".
قال - عليه الصَّلاة والسَّلام - : (من كانت له مظلمة لأحدٍ مِن عِرْضه أو شيءٍ، فلْيَتحلَّله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إنْ كان له عملٌ صالِحٌ، أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لَم تكن له حسناتٌ، أُخِذ من سيِّئات صاحبه، فحمل عليه) [6] .

■ فلْنَحذر إخوتي من ظُلْم النَّاس، ولْنَحذر من آفات اللِّسان، ولْنَحذر الغيبة والنَّميمة والسبَّ والشَّتم، كأنْ تَسُبَّ فلانًا في غيابه، أو تشتمه، أو تتكلَّم عليه بسوء، وغيرها من الأمور التي قد يعتبرها البعضُ من الصَّغائر، وترى البعض يستسهلونها وهي عند الله من الْمُوبقات؛ قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور : 15).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بَهتَّه؛ أيْ : قذفْتَه بالباطل .
[2] مسلم .
[3] "مَجْمع الزوائد"، للهيثمي .
[4] البخاري .
[5] مسلم .
[6] البخاري.

 0  0  3196
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:16 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.