• ×

08:57 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

◄ دأبت الصهيونية على وضع تصور هدفه تأليف وانسجام ما بين القومية والليبرالية لدرجة أنهم يطلقون فى بعض الأحيان تعبير القومية الليبرالية وفى هذا دلالة على الانسجام النظرى المتماسك المتوفر فى الحياة السياسية من حيث الأهتمام الشديد بحرية الأفراد ومسألة الانتماء إلى أمة وثقافة ما بما فى ذلك الالتزامات المسؤولة لكل فرد تجاه المسائل الأخلاقية - فديدنهم قلب الحقائق وتكييفها مع أهدافهم -.
والحقيقة التي يحاول الصهاينة قولها هي التوليفة التي تجمع بين المفهومين القومي والليبرالي تقوم على تألف بين المفهوم الليبرالي التقليدي عن حرية التفكير والإرادة وبين مسائل الولاء والاتحاد والانتماء إلى أمة ما.
على كل الأحوال الملاحظ عندهم - الصهاينة - هذا التغييب المتعمد للأساس القومي ومحاولة دمجه بالايدلوجية الصهيونية لكي يتلائم مع المفهوم الصهيوني ولتضفي طابعاً قومياً على الحركة اليهودية وما يدعم ادعائنا ويثبت حقيقة طرحنا هو ما جاء فى كتاب حمل عنوان (القومية والليبرالية) للكاتبة الاسرائيلية (يائيل تامير) التي حاولت فيه تكييف الفكرة القومية بما يتلائم مع الايدلوجية الصهيونية ومحاولة بذلك دحض وجهة النظر الغربية فى التفريق بين القومية والليبرالية ولحسن الحظ فلقد تصدى لها فلاسفة عرب وكان اشهرهم الدكتور عادل ظاهر.

■ وللرد على تهافت فكرة هذه الكاتبة التى تحدد مفهوم الأمة بالشرطيين التاليين :
1- توفر عناصر ذات صلة بالأمة كاللغة والتاريخ أما الأرض - تصور يا رعاك الله - فتستبعدها كشرط موضوعي لوجود الأمة - وهنا سنام الأمر المطلوب تفنيده والله الموفق -.
2- الوعي الذي يربط بين جميع افراد المنظومة الاجتماعية وهذا الشرط تركز عليه الكاتبة الصهيونية لأنه بوجود وعي مشترك يمكن أن يفرز لغة واحدة ويمكن أن يكون للمجموعة تاريخ مشترك ترتكز على ذاكرة أو مخزون تراثي تنطلق منه الغايات والقيم والتقاليد والمفاهيم الثقافية التي هي حقيقة اعمق اهمية من أى شأن سياسي - لاحظ قباحة الفكرة التي يراد فيها الباطل -.
ولكن من الواضح أن ذكاء الكاتبة الصهيونية لم يسعفها ولم تنتبه إلى المفارقة التي فحواها أن حق تقرير المصير وهو كما تدعي حق فردي يستند إلى قرار إدارى فردي أيضاً فى الانتماء إلى جماعة قومية محددة، فقولنا أن الكاتبة لم تنتبه إلى أن حق تقرير المصير هو حق جماعي وليس حق فردي ونعني أنه طالما يحق للفرد أن يختار الجماعة التي يرغب بالانتماء إليها فلماذا تسن قوانينهم على أساس تحديد هوية من هو اليهودى ؟ هل هو المنحدر من اصول يهودية ؟ أم يحق لكل إنسان أن يطلب الهوية اليهودية فينالها ؟
ولماذا هذا التفريق بين يهودي ويهودي حتى وصل الأمر إلى تحديد هوية الأم والتفريق بين يهودي شرقي وغربي ولماذا هناك يهود سادة وآخرون عبيد ؟
وتضييف الكاتبة الصهيونية واستناداً إلى المفهوم اليهودي أن قرار الانتماء إلى أمة هو قرار فردي إرادى أي اكتساب الفرد لهوية قومية محددة يتوقف على قرار الفرد نفسه دون أي اعتبار للبيئة والأرض التي نشأ عليها وهذه أيضاً مفارقة توقع الكاتبة نفسها فيها إذ أن البيئة التي ينشأ فيها الإنسان تشكل المفهوم الذى به يتقرر الانتماء فالعادات والقيم والتقاليد ذات تاريخ مشترك بين افراد المجموعة الاجتماعية وهى بمجموعها تشكل جزءاً من التراث الذى هو تاريخ بذاته فاذا ما تخلى الفرد عن هذا المخزون الثقافي فهل يمكن أن يستقيم الحديث عندئذ عن امكانية الانتماء لأمة مع العلم أن التاريخ واللغة اللذين اشترطت الكاتبة وجودهما بحد ذاتها التراث البيئي الذى تتشكل بهما وجود الأمة فالفرد لا يملك التراث منفرداً وأنما يمتلكه بانتمائه إلى أمة - فالتراث هو ملك للأمة وليس للأفراد - وهذه حقيقة مغالطات ومفاهيم مشوهة تدين الكاتبة وتوضح وبشكل جلي لا لبس فيه افتقارها إلى التحليل التاريخي والسيسيولوجى للأمم.
واقع الحال أن هناك صعوبة فى تعريف الأمة وأيضاً صعوبة فى التمييز بين الشروط الموضوعية والذاتية فى تحديد مفهوم الأمة على اعتبار أن شروط تحديد مفهوم أو مقومات الأمة تخضع للمتغيرات والثوابت التي تجمع عليها اغلبية الدراسات - وحقيقة هذه الثغرة التي أرادت أن تنفذ من خلالها - فمنها ثابت ومنها ما هو متغير والتحديد أو التعريف هو قيد كما أن الشروط والمقومات هي قيود ذلك أن من الشروط الثابتة للأمة هي تلك المتعلقة بالمصير والاستقرار وتحديد الأرض لأنه لا وجود لأمة بدون وطن أو وجود وطن بدون أمة.

وهذا باعتقادى مبرر الخلط بين القومية والليبرالية عند الصهاينة وفكرهم المتطرف الذي يعادي الحق والحقيقة ومن الشروط المتغيرة تلك المتعلقة بوجود عدة لغات على أرض واحدة فهل يمكن والحالة هذه جمع الشروط الثابتة والمتغيرة فى بوتقة واحدة تقدمها على أساس أنها شروط تكون الأمم، فهل يمكن أن يقال مثلاً أن جميع يهود العالم يشكلون أمة يهودية واحدة ؟ وهذه النظرة عمل عليها وتبناها (اسرائيل زانوين) وهل الثقافة اليهودية فى مختلف اصقاع الأرض يمكن أن تكون كافية للحكم على أن اليهود فى العالم أمة واحدة ؟
وببساطة نستطيع الرد على الكاتبة الصهيونية يائيل تامير فيما يتعلق بهذه الشروط بقولنا بأن تأكيدها على اهمية الاختيار وضرورة وضعها في صلب التصور القومي نابع من الرغبة فى تكييف - تصور - الفكرة القومية بما يتلائم مع الايدلوجية الصهيونية وما يؤكد نظرتها إلى الأمة باعتبارها شأناً اجتماعياً ثقافياً، وباعتقادى أن هناك فوارق كبيرة بين المفهومين - الليبرالي والقومي - فالنظرة غير المتوازنة لكل من القومية والليبرالية تحتم علينا القول أن حق تقرير المصير لكل فئة هو حق شرعي وهذا بالضرورة يعني أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني أمر واجب تتطلبه النظرة إلى مسلمات الليبرالية وثوابتها لكن عدم التجاوب مع هذه النظرة يوجب القول بأن اليهود لا ينظرون حتى إلى الليبرالية على أنها استحقاق يستوجب توفيره لغير اليهود بل اؤكد لكم بأنها نظرة عنصرية حتى خارج المفهوم الليبرالي.
والحق - وهو الأولى بالاتباع - أن من الفوارق الرئيسة بين القومية والليبرالية هو أن المصالح الفردية في الليبرالية هي مصدر أساسي للفردية وأيضاً مصدر أساسي في الاختيار والحرية وهذا بطبيعته يختلف كلياً عن النظرة إلى الفردية في القومية على أساس ارتباطها بالمجموع وبعبارة أكثر دقة فأن العلاقات الفردية المجتمعة في القومية تزداد ايجابياً وقوة بقوة انعكاسها المصلحي على الجماعة والمجتمع وهذا ما يجعل التوتر القائم بين القومية والليبرالية يطفو على السطح وهذا ما يعطي الايديولوجيا القومية صفة التوسع فى التعددية فالخير العام هو خير الجماعة وليس خير الفرد فالجماعة القومية خير الفرد بها هو خير الجماعة أما المجتمع الليبرالي الذي يقسم الأمة إلى فئات متصارعة مصلحياً لا ينتج خيراً عاماً - أي يطال الكل - مما يسهل على بعض الفئات النافذة من السيطرة بالكامل فحرية الفرد واستغلال شخصيته اللتان تتيحان له جني الثمار - الفوائد - الشخصية لا تظهر في القومية إلا في الكل المتحد الذي يتجاوز المصالح الفردية فالإرادة الجماعية القومية لا تنحصر في النظر إلى الجزئيات والأفراد بل تتجاوز ذلك إلى أن الخير العام مرتبط بمصلحة الأمة والوطن وما الأفراد إلا وسائل من خلالها يتحقق الخير العام.
والثابت أن أي مفاضلة تقوم على أساس عقلاني بين المثالين القومي والليبرالي تظهر أن تبني المثال القومي لا يلزم الدولة بالتخلي عن قيم التعددية والديموقراطية على مستوى التعامل مع أقرار المتحد القومي.
وعليه فأن اخلاقية النظرة القومية في السماح للتعددية الديموقراطية بالنمو والتنامي تتيح للنظرة الشخصية أن تكسر الطوق حولها لتصبح نظرة عامة جماعية وهذا بحد ذاته مدعاة للتساؤل المشروع الذي فحواه طالما أن العلاقات التي تحكم الدول في الليبرالية تقوم بصفة رئيسة على المحصلة فلماذا تلقى هذه النظرة الاستنكار والشجب القومى ؟
حقيقة أن العلاقات بين الدول لا تحكمها المبادىء الأخلاقية في كل الظروف فتعليق المبادىء الأخلاقية في العلاقات الدولية تحكمها ظروف آخرى تتعلق بالمكان والزمان ويحكمها بالتالي الواقع الإنسانى.

■ بالمحصلة أيها السادة :
التكييف لمصالحهم هو ديدنهم وهو الأمر المدعوم من ساستهم حبذا لو تنبهنا إلى ذلك لكي نفضح ما يرنون ويرمون إليه من تزوير وتحريف وقلب للحقائق لكي يدعم كافة ادعاءاتهم. ونحن نحارب الفكر واربابه جهاراً نهاراً حتى في لقمة عيشهم وحبذا لو هيئنا الظروف المناسبة لكافة ارباب الفكر العرب كي يعيدوا الأمور إلى نصابها لكي تكون فى موضعها الحق والصحيح لأن في ذلك انتصاراً لقضايانا العادلة وبالتالي انتصاراً لأمتنا. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 0  0  3665
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:57 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.