• ×

05:52 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ مقدمة :
لا يختلف اثنان أن أجيالنا اليوم - في العالم العربي والإسلامي عامة، وفي بلادنا الجزائر خاصة - في أمس الحاجة إلى تربية إسلامية عميقة شاملة ومتكاملة، بإمكانها أن تحدث التغيير الحقيقي من الداخل، خاصة ونحن نعيش عصر العولمة، هذا التيار العاتي الجارف خاصة في شقه الثقافي، إذ أصبحت مجتمعاتنا اليوم هدفاً لغزو ثقافي خطير يتهدد كيانها ووجودها بما يسدد من السهام إلى تعاليمها وقيمها، بغية تفتيتها وتفكيكها وطمس هويتها، وإصابتها في مقتل . والأمل معقود بهذه التربية في درئه، ويتمثل ذلك في الاهتمام بمادة التربية الإسلامية، واستخدام أفضل الطرائق والأساليب والوسائل الحديثة في تدريسها لبناء الإنسان الإيجابي المتزن المنتج، القادر على خدمة نفسه وتنمية مجتمعه.
ونحن على يقين أن ذلك لا يتم إلا في وجود المعلم صاحب الكفاءة، الذي يحسن الأداء، ويتفهم الموقف التعليمي بعناصره المختلفة، والمربي القدوة ذو الأخلاق الفاضلة. وهناك إشارة مهمة في هذا الاتجاه وردت في القرآن الكريم على لسان بنت سيدنا شعيب عليه السلام ينبغي أن نتأملها "قالت يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين" فالقوي صاحب الكفاءة والأمين الثقة الذي يخشى الله ويتقيه. فالإنسان بصفاته وليس بذاته، مثل هذه الملامح التي نسعى جاهدين ليتمثلها كل مربي يتعامل مع هذه الأجيال الشابة. ويتأكد هذا الأمر إذا علمنا أن هناك تقصير كبير نحو هذه المادة وتدريسها، حتى أصبح البعض يعتقد أنها مادة ثانوية لا تقدم ولا تؤخر، بل هذا ما حدى بنا إلى تقديم هذه الورقة بين أيديكم زملائي المربين لإثرائها بالمناقشة والتحليل والإضافة، من أجل بلورة رؤية صحيحة ورفع كفاءة الأساتذة الذين يقومون بتدريس التربية الإسلامية لأبنائنا وبناتنا خاصة في الأطوار الأولى من التعليم.

1) طرح الإشكالية.
إن المتأمل في واقعنا التربوي اليوم يخلص إلى نتيجة وحقيقة لا مفر منها ولا أحد ينكرها، خلاصتها أن هناك جهود تبذل بالفعل من طرف الجميع وخاصة المنفذين للمناهج الممارسين للعملية التعليمية التعلمية، وأن هناك تجاوب وتفاعل بالمقابل من طرف المتعلمين، وهذا في شتى المواد والأنشطة. وكل مهتم بالشأن التربوي متابع له بالبحث والدراسة والتحليل يرصد إيجابيات كثيرة وكذلك سلبيات، نجاحات وإخفاقات، نقاط قوة ونقاط ضعف. وهذا إفراز طبيعي يحدث في كل الأنظمة التربوية، فلا داعي للمبالغة والقلق والتخوف الزائد عن الحد، وإصدار أحكام جزافية قاسية أحياناً بعيدة عن الموضوعية والعقلانية وروح العلم. وأن التعليم فاشل والمدرسة قد أفلست وعلى الدنيا السلام، وما إلى ذلك من التوصيفات التي أراها مبالغ فيها إلى حد كبير، بل فيها جحود ونكران للجميل وللجهود المحترمة التي تبذل في الميدان. أما ما يعاب بالفعل على بعض زملائنا المعلمين تصورهم الخاطيء الذي أفضى إلى تطبيق خاطيء لبعض الأنشطة التي أراها من الأهمية بمكان وعلى رأسها مادة التربية الإسلامية، التي تستهدف فيما تستهدف صناعة الإنسان وبناء شخصيته، أي صياغة العقلية والنفسية وحتى البدنية صياغة إيجابية، للزج به في معترك الحياة، كي يؤدي رسالته بنجاح.
للأسف الشديد هذه قضية لم تأخذ حقها ومستحقها من العناية والاهتمام والتركيز، مما حدى بالكثيرين إلى التعامل مع هذه المادة مثل باقي المواد، فهي تقدم مثل ما تقدم مادة الرياضيات والجغرافيا وغيرهما، مما حال دون تحقيق النتائج المطلوبة والمحددة سلفاً في المرجعيات التربوية، وبالتالي لم يتحقق ملمح الخروج كمخرج مهم جداً وكما نريده بالفعل، إذا فالخلل حسب تصوري وخبرتي الميدانية المتواضعة لايكمن في المنهاج ولا في المتعلم بقدرما يكمن في المنفذ للمنهاج. فالاختلال في طرائقه وأساليبه وممارساته، في تفكيره ومواقفه، ومدى التزامه هو بما يعلمه لتلاميذه، وكما يقال دائماً "فاقد الشيء لا يعطيه" فماذا تنتظر من استجابة عند التلاميذ، ممن يحدثهم عن أضرار التدخين مثلاً وهو يدخن. إن الأستاذ في مثل هذه الأنشطة يعمل على خطين متوازيين، خط الإقناع وخط التأثير، وإلا فلن تتحقق الأهداف المسطرة سلفاً، وبالتالي لن يحدث التغيير المنشود، وهكذا فالعملية التربوية جد معقدة وليست بالأمر الهين، إنها مسؤولية عظيمة بأتم معنى الكلمة، ولابد من التسلح لها بالعلم والمعرفة المتخصصة والكفاءة المحترمة من جهة، وأن يكون المربي قدوة في أخلاقه ومعاملاته، فلينتبه إلى كل ذلك، وإلا لن يؤثر. ولذلك قيل نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. هنا الإشكال الحاصل في تدريس هذه المادة، ولذلك كثيراً ما نطرح مثل هذا السؤال : لماذا لم تؤتي دروس التربية الإسلامية أكلها ؟ أين جهد مدرس هذه المادة ؟ لماذا يكون المتعلم بين يدي المعلم في حجرة الدرس كأنه ملك كريم، وبمجرد أن تطأ قدماه عتبة المدرسة خارجا منها حتى يتحول إلى مخلوق آخر، كي لا أقول كلاماً آخر ؟

2) بين التغيير والتأثير.
نحن كمربين نملك حق التأثير وليس حق التغيير، إذ لا يستطيع أحد أن يغير في أحد، لأن هذا الأخير ذاتي نابع من الداخل، مصداقاً لقوله تعالى : (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وقوله تعالى : (إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر) نعم يمكن أن نساعد الآخرين بالتربية والتعليم ونشر الوعي، وبالتكوين والتدريب واكتساب المهارات الحياتية، حتى يغيروا ما بأنفسهم كما ورد في السياق القرآني الكريم. أما أن نجرهم إلى ما نريد ولو بالسلاسل فلن نستطيع، وبالتالي فالتغيير الحقيقي يكون من الداخل. لكن يمكننا أن نؤثر فيمن حولنا، فكل شيء يؤثر في كل شيء، إذا فحق التأثير موجود بالحياة، فقل كلاماً حسناً، أو اصنع شيئاً جميلاً يتأثر به الآخرون، فيتغيرون طواعية وعن رغبة واختيار حر، ويتحقق حلم التغيير في أرض الواقع . ولذلك قال أحد المربين : "إن من يربي الأطفال ويعلمهم بجودة ومهارة، لهو أحق بالتقديس والإجلال من الذين ينجبونهم"، - ولو أن مكانة الوالدين معلومة في ديننا - فأنت أختي المربية أخي المربي لست مطالباً بأن تكون قوي الحجة، تملك قوة إقناع فقط، بل إلى جانب ذلك أن تؤثر، وأن تنمي الوجدان وتهذب العواطف. أن تعلم وأن تربي، هذا هو قدرك، وهذه هي رسالتك، وحينها يحدث الاتزان والاعتدال، ويتحقق المرغوب والمطلوب، فتضع بصمتك وتترك أثراً طيباً محموداً، وتصنف مع أصحاب الهمم العالية.

3) ضرورة العناية بالمربي وتكوينه.
من خلال هذا الطرح، وهذه القراءة النقدية لبعض ممارساتنا التربوية، يتأكد لدينا أن الأستاذ هو حجر الزاوية، باعتباره الوسيط الحي في نقل المعرفة، وغرس القيم وتهذيب السلوك، وأنه القطب الأساس والعمل المحرك والمؤثر. إنه مهما كان المنهاج ذات مستوى عال، وكان المتعلم على درجة كبيرة من الذكاء والاستعداد، فبدون المعلم الناجح لن نخطو خطوة نحو الأمام. وعلى الجميع أن يفقه طبيعة الدور والمهمة النبيلة والأمانة الكبيرة والرسالة العظيمة والحمل الثقيل الذي لا تبرأ ذمة المعلم، ولا يهدأ له بال، ولا يرتاح ويهنأ ويطمئن إلا بأدائه، إنه بإمكانه أن يفعل المعجزات، وأن يحدث نقلة نوعية تكون سبباً في دفع عجلة التنمية الشاملة بالبلاد. وعليه بات من الضرورة أن تكون للأستاذ وقفات أو قل مراجعات، من حين لآخر لتعديل المسار، وتصحيح بعض الاختلالات التي تحدث أثناء السير، إن على مستوى التصور أو الممارسة والتطبيق. فجل من لا يخطي. وأن عليه أن يكثر من القراءة والمطالعة للتزود بالجديد في ميدان تخصصه، وما أكثره في زمن الانفجار المعرفي والثقافي، كل ذلك من أجل أن يطور أداءه، وأن يواكب عصره، كما أصبح من اللازم عليه أن يكتسب جملة من المهارات التي لا يمكن أن ينجح في عمله التربوي بدونها، وقد يتسع المقام في مقال آخر للتفصيل فيها لأهميتها. إن منطق العصر يؤكد بقوة مقولة "أعطني مربياً ومعلماً ناجحاً، أعطك مجتمعاً قوياً متماسكاً متحضراً".

4) ما يجب التركيز عليه حاضراً ومستقبلاً.
أ) من الانتشار الأفقي إلى الانتشار النوعي :
كم عدد المتمدرسين في المدارس والمتوسطات والثانويات ؟ كم هي الجحافل والأعداد الكثيرة من الطلبة والطالبات الذين يتخرجون سنوياً من الجامعات ؟ لا شك أعداد غفيرة، وانتشار كبير للهياكل والدور والمؤسسات التي تعني بالتعليم والتربية والثقافة والتكوين. فهذا في حد ذاته نجاح وتقدم وازدهار، وإنجازات ينبغي أن تثمن وأن يشاد بها، "وأما بنعمة ربك فحدث" مما يشجعنا ويجعلنا نتقدم خطوة أخرى إلى الأمام بغية تحسين النوعية، إنه تحد من نوع آخر. لابد أن تشترك فيه كل الجهود، لترقية الأداء وتحسين المستوى بتعميق التكوين، وإعداد المؤطرين، والعناية أكثر بالأستاذ والمعلم والمربي كما سبق وأن ذكرنا، بعد أن قطعنا أشواطاً في سبيل تحسين المناهج، وقضايا التكوين والبيداغوجيا.
إن النماذج التي نلحظها والعينات من التلاميذ والمتعلمين، والطلبة والطالبات من خلال دراسة وتحليل المردود الدراسي عندهم. أقصد نواتج التعلم عندهم، من خلال طريقة تفكيرهم، معارفهم، مهارتهم، مواقفهم وسلوكا تهم، نتائج أعمالهم وإنجازاتهم. ما تعلموه وما عجزوا عن تحصيله، الأثر التربوي التعليمي التعلمي عندهم. هذا التشخيص الدقيق يدعونا إلى إصدار أحكام موضوعية ندعو فيها كل العاملين في الحقل التربوي إلى مزيد من بذل الجهد لتدارك مواضع النقص والخلل والقصور، ورصد السلبيات التي تفرزها كل مرحلة، وإعداد بدائل وخيارات وحلول وعلاجات، لتفادي وتدارك النقص الملحوظ على أي مستوى كان. وشعارنا دائما "إنجازات تحققت، وأخرى على طريق الإنجاز" وهكذا نكو نوا إيجابيين.

ب) الانتقال من الآلية والميكانيكية إلى تعميق الفعل التربوي : على الأستاذ إن يحسن الغوص، وأن لا يبقى طول الوقت على السطح، بل أن يبحر ليخرج اللآليء والدرر والجواهر النفيسة، فالأرض خصبة بكر والمعادن نفيسة، والحفر ممكن داخل الذات لإخراج كل ما هو جميل ومفيد وممتع. إن الاستغراق في السطحية، والمرور مر الكرام، لا يشفي الغليل عند المتعلمين، وكأن لسان حالهم يقول، هل من مزيد ؟
إن التعليم تطوير وفائدة ومتعة، فهو علم وفن، وتربية وذوق وأخلاق عالية. فإذا لم نلحظ تجليات هذه المعاني السامية بادية في تفكير أبنائنا، وفي سلوكياتهم،فنحن لسنا على شيء. أو قل مازلنا مقصرين، معنى ذلك أن خللا هناك يجب أن يستدرك ويصحح. نلمس ذلك في بعض الترديدات الآلية التي لا تنم عن فهم واستيعاب عميق، وبالتالي لا يتفاعلون مع النصوص حتى ولوكانت وحيا (قرآنا أو أحاديث نبوية) وعندها ينتفي الأثر، وإلا فتلاوة ولو آية واحدة بخشوع وهيبة، تورث لا شك تقوى وحلاوة إيمان، يجدها التالي للوحي الكريم في قلبه.
إن لكل مادة دراسية طبيعتها وشخصيتها إن صح التعبير وخصوصياتها المميزة. إنه لا يعقل أن يقدم درس التربية الإسلامية مثل درس التربية العلمية والتكنولوجية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ينبغي على المربي أن يتجاوز الفعل التربوي الموغل في السطحية، وأن لا يبقى يدور حول الأشكال والطقوس، بل عليه أن ينفذ إلى لب المعاني والأفكار، ليستخرج معية تلاميذه ويقف رفقتهم من خلال إثارتهم، ومخاطبة عقولهم، وملامسة عواطفهم على الأسرار والحكم والمواعظ والعبر والدروس، وكل ما يفيدهم في حياتهم الفردية والاجتماعية والاقتصادية، الوطنية والدينية والعلمية والتاريخية.

ج) الانتقال من الارتباط بالمضامين وشرحها، إلى الارتباط بالمخرجات : لقد كنا في الممارسات التربوية الكلاسيكية القديمة كثيرا ما نرتبط بالمضامين ووسائل التدخل البيداغوجي، أما الآن فقد آن الأوان أن نتحول ونركز على الأهداف والمهارات والكفاءات. أنا لا يهمني كيف، ولماذا، وماذا استعلت من وسائل، ووظفت من طرائق ؟ بقدر ما يهمني مدى ما أنجزته وحققته من أهداف، وما اكتسبته من مهارات، وتعلمته من مواقف وسلوكيات.

د) إيلاء ترسيخ القيم والمبادئ والمثل العليا عناية خاصة : يخطيء من يؤثر تقديم المعارف والعلوم، على ترسيخ القيم والمبادئ والمثل العليا، كما ورد ذكره عند طرح الإشكالية. فتسمع من يردد هذه مواد أساسية، وتلك مواد ثانوية (كأنها غير مهمة أو هكذا يبدو) أعتقد أن الأنشطة اللغوية مهمة كما هو الحال في الرياضيات، كما هو الحال في التربية الإسلامية. فنحن في حاجة ماسة إلى تغذية عقولنا بالعلم والمعرفة، كما نحن في حاجة ماسة إلى التربية والأخلاق والمعاملة الحسنة. فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وبدن يتحرك. إن تنمية الوجدان والذوق الرفيع وتهذيب السلوك، لا يقل أهية عن تحصيل المعارف واكتساب العلوم. فأيما تركيز على جانب دون الآخر يحدث الاختلال واللاتوازن.
إن التشوهات التي تصادفنا في الواقع المعيش، وبعض العينات السلبية إن على مستوى التفكير أو المشاعر والمواقف، والغلو والتطرف، والانحراف أحيانا، بحيث نشهد نتائج عكسية لما نبذله من جهد تربوي أصيل، يجعلنا نتساءل ونطرح الأسئلة، أين الخلل بالضبط ياترى؟ وإذا كان التأسيس لتنمية شاملة يعتبر تحديا، فإن التحدي الأكبر كيف نصنع الإنسان ؟

 0  0  3587
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:52 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.